داو اللغة الفصل 106

اقرأ داو اللغة الفصل 106 باللغة العربية على مانجا تايم.

لينهوا تقترب من شيا من تلقاء نفسها ودون حاجة لمزيد من الكلام لتشير إليها بحركة موزونة كي تحمل مجدداً ممسحتين مستندتين إلى أحد الجدران.

تقول لها بنبرتها المعتادة: "خذي الممسحتين ثانية واحمليهما بالطريقة نفسها السابقة ودون جرهما ودون اصطدامهما بالجدران".

تهتز رأس شيا بإيماءة مقتضبة ودون اعتراض مما يخبرني وحده بمدى ما تعلمته في السنوات الأخيرة لتلتقط العصاتين معاً وتستقران على كتفها الأيمن بالوضعية المائلة ذاتها التي اتخذتهما بها حين أحضرتهما إلى هنا. أما لينهوا فتتخذ مكانها خلف مقعدي وتشرع في دفعه نحو مخرج الغرفة بينما يرتفع الدلو عن الأرض بعد ثوان معدودات ليظل طافياً على المسافة الحذرة نفسها التي حافظ عليها قبل قليل متبعاً إيانا.

نعبر العتبة ونعود إلى ممرات الجناح لنجتازها قاصدين مقر والدتي بينما ترافقنا نظرات الوصيفات الجانبية طوال الطريق لكن ما إن نصل هناك حتى تتوقف لينهوا قرب جمع من الوصيفات.

تخاطبهن لينهوا من مكانها: "عذراً هل تعرفين أين الجواري شيانغ في الوقت الراهن؟".

تتوقف الاثنتان في اللحظة ذاتها وتنحنيان بعجلة نحوّي أولاً ثم نحو لينهوا لتجيب الكبرى منهما: "الجوارية شيانغ في باحة القصر أيتها الفيي يي لينهوا".

تقول ذلك باللباقة المحفوظة جيدا لمن تفعل هذا منذ سنين.

"لقد قضت الصباح كله هناك رفقة الفيي يي لينغشي".

أقول بصوت خفيض بعد استماع الوصيفات وكأنما أحدث نفسي أكثر من أي شخص بعينه: "بالتأكيد أين قد تكون غير هذا المكان؟".

تشكرهما لينهوا على المعلومة بحركة مهذبة ودون إضاعة للوقت نستأنف مسيرنا عبر ممرات الجناح متقدمين صوب الباحة حيث توجد والدتي. أفاجأ عند اجتياز العتبة المفضية إلى الباحة بعدم رؤية المظهر المعتاد لوالدتي منغمسة في الرسم إذ بخلاف ما قد يبدو غريباً لا تستغرق والدتي في الرسم. بل تجلس إلى الطاولة وقد اصطفّت عليها مجموعة من اللوحات المنجزة بعناية على أقمشة نظيفة وإلى جانبها صناديق عدة مبطنة من الداخل بمادة قطيفة داكنة.

وتنشغل والدتي بمساعدة لينغشي في ترتيب كل لوحة داخل الصناديق بحرص والتأكد من تغليفها كما ينبغي قبل إغلاقها. تأخذ ومضات ثوان لتلتفت برأسها نحو المدخل لدى ملاحظة قدومنا وما إن تفعل حتى تضع برفق اللوحة التي كانت بين أصابعها على أحد الأقمشة النظيفة. ينزلق بصرها نحوي أولاً بذلك الدفء الذي تدخره لكلما أظهر ثم ينحرف في الحركة ذاتها تقريباً نحو شيا بممسحتيها والدلو الطافيء على ارتفاع متوسط ليستقر أخيراً عليّ بسؤال مرسوم في عينيها.

تخاطبني بالدفء الذي تستقبلني به دوماً مهما كانت مشغولة: "وين العزيز لم أكن أتوقعك هذا الصباح".

تتوقف لههة قصيرة قبل أن تضيف ما يبدو حتمياً: "لا مفر لي من السؤال".

تتابع ونظراتها معلقة عمداً على الأدوات التي تصاحبني.

"ألا تكون تلك الآلات الغريبة التي جلبتها هي سبب غدو لينهوا ورواحها نحو منطقة الحرفيين طوال الأسابيع القليلة الماضية؟".

لا أملك إلا أن أبتسم لسماعها فمن الواضح أن أمي تعلم في هذا الجناح بكل ما يتحرك على الإطلاق.

أرد بانحناءة خفيفة: "هي كذلك يا أمي وجئت لأشرح لك كنهها تحديداً".

تومئ أمي ببطء وتومض إشارة صغيرة إلى لينغشي التي تتنحى جانباً بحذرها المعتاد دون أن تبرح المكان بل لتخلي المساحة أمام الطاولة كي يتسنى لي الاقتراب بالمقعد. تدرك لينهوا الإشارة دون أن يطلب منها أحد شيئاً فتدفع المقعد حتى أبلغ مسافة مريحة من الطاولة لتتراجع إثر ذلك خطوة ونصف خطوة وتستقر في وضعيتها المعتادة. أما شيا فتحط الممسحتين عن كتفها بحرص وتسندهما إلى أحد جدران الباحة مستغلة امتداداً خلوياً بلا زهور لئلا تفسد شيئاً بينما ينزل الدلو برفق ليستقر على الأرض.

وما إن يستقر كل شيء في مكانه حتى تثبت أمي عينيها ثانية على الأدوات الثلاث بتعبير لم يعد يحمل الفضول وحده بل انتباهاً أشد تركيزاً.

تقول ببساطة: "أنا أسمعك".

أستنشق نفساً وأشرع في شرح الغاية من الممسحتين والدلو فضلاً عن كيفية استخدامهما ودورها في تسهيل الحياة لا على وصيفات القصر فحسب بل على الجميع في الإمبراطورية إن انتشر استخدامهما بما يكفي. تستمع إليّ أمي صامتة ومع تقدمي ألمس تغيراً في تعابير وجهها. يبدو في عينيها في البداية ذلك الفضول اللطيف الذي تتلقى به جل شططاتي لكنه ما ينسى أن يخبو مع توغلي في الشرح ليخلي المجال لتركيز أعظم انتباه من بدأ يستجلي إمكانات ما يمثله ما بين يديه.

وما إن أفرغ حتى يخلو وجهها من أي أثر لذلك الفضول العبثي الأوليّ. ما أراه هو جدية محضة جدية السيدة النبيلة التي هي عليه لا الأم التي تحاول أن تكونها معي معظم الوقت.

تسألني بنبرة توحي بمدى جديتها في التعامل مع اختراعي: "أختبرتهما؟ هل تعملان كما تقول؟".

بدل أن أرد ألتفت برأسي قليلاً بالقدر الكافي ليصل كلامي إلى أمي والمرأة من خلفي: "أجيبي أنت من فضلك يا لينهوا. أنت من اختبرتهما لا أنا".

تتقدم لينهوا نصف خطوة وتقف إلى جانب مقعدي وتنحني إحناءة قصيرة موجهة نحو أمي لتقدم تقريرا موجزاً ونظيفاً عن نتائج الاختبارات بحيادها المهني المتقن. تستمع إليها أمي دون مقاطعة واحدة وما إن تنتهي حتى تومئ برأسها مرة واحدة وببطء كإشارة على استيعابها الشرح. أغتنم تلك اللحظة لأقدم تمايزاً بدا لي مهمّاً.

أتدخل قائلاً: "على أي حال يا أمي تظل هذه نسخة أولية. وأنا واثق أنه مع الوقت ستظهر نسخ أفضل من تلك التي توصلت إليها بنفسي. وغني عن القول إن نسخة ذات دلو معدني وعصارة ستكون أشد متانة وأطول عمراً لكن العيب جليّ فتكلفته ستجعله بعيداً عن متناول الغالبية العظمى من الناس ناهيك عن بطء صنعه".

تومئ أمي مجدداً عند سماعي وهذه إشارة صغيرة تقر بصحة ما ذهبت إليه.

تخاطبني إثر صمت قصير: "حسن. ما الذي تود فعله به؟ والأهم من ذلك ماذا ترجو جنيّه منه؟".

أستنشق نفساً ببطء قبل أن أجيب: "أريد أمرين اثنين فحسب يا أمي. الأول أن يكون أداة في متناول عموم الناس لا سلعة ترف أخرى يقدر عليها النبلاء وحدهم. وهذا ما أراه الأهم".

أتوقف برهة قبل أن أتابع: "والثاني جني أكبر قدر ممكن من المال دونه أن نضطر أنا وأنت إلى إضاعة وقتنا في إدارة شركة تختص بصنعه أو بيعه. لا رغبة لي ولا أظن لك رغبة أيضاً في قضاء السنوات المقبلة في الجدال مع العمال والمحاسبين والموردين".

تبتسم أمي ابتسامة خفيفة للغاية لدى سماع الجملة الأخيرة رغم أنها لا تكتمل على وجهها تماماً.

أتابع قولي: "ولهذا فكرت في الهيكل بعض الشيء. فبالنسبة للقصر الإمبراطوري خطر لي أن أعرض الاختراع على إدارة شؤون البلاط. فهناك تدار شؤون صيانة الأجنحة ومخصصات العاملين وتوابع ذلك من أدوات التنظيف مما يجعله المكان الطبيعي لتسليمه. وأما لبقية الإمبراطورية ففكرتي هي البحث عن شركة تجارية حسنة السمعة لأبيعه إياها ونترك لها أمر التصنيع والتوزيع على نطاق واسع".

تستمع أمي بالاهتمام السابق نفسه وحين أنتهي تومئ بإيماءة استحسان.

تقول بعد ثوان معدودات: "فكرة منح الاختراع لإدارة شؤون البلاط سديدة. لاسيما إن فعلتها بطريقة أنظم مما فعلت في أمر مكتب الشؤون العسكرية وحقيبة الظهر".

لا أملك إلا أن أكشر عن أنفي لسماعها تأتي على ذكر ذلك الأمر.

أرد قائلاً: "أرى أنك عرفت بالأمر".

ترد بلا أي تبدل في تعابيرها: "بالتأكيد عرفت. لقد حدثني الإامبراطور عنه في إحدى زياراته".

تزداد تكشيرتي وضوحاً ما إن أسمع كلام أمي.

أقول بنبرة تكقطر مرارة ربما أكثر مما ينبغي: "يا للعجب. ففي أي من الزيارات التي زارني فيها لم يعلق على الأمر بكلمة واحدة".

لا تنطق أمي بحرف واحد حيال هذا التعليق وكل ما تفعله هو الابتسام. إنها ابتسامة صغيرة محتواة وقبل كل شيء مفهومة تماماً بالنسبة لي فمن الواضح أن هناك ألف حوار صغير يدور بينهما لن يتسنى لي بلوغه أبدا ومن الواضح بالمثل أن لأبي أسبابه في عدم الإفصاح لي بشيء. لكن لا راحة لي في ارتياد هذا الدرب الآن لذا أقرر ألا أستمر في جذب الخيط.

أقول رافعاً يدي قليلاً بحركة استسلام متعمدة: "حسن، حسن. لنترك الأمر عند هذا الحد. وبما أننا متفقان على أمر القصر الإمبراطوري فلننتقل إلى الآخر. ما رأيك في فكرة البحث عن شركة تجارية نبيع لها الاختراع لئلا نشغل أنفسنا به بعد اليوم؟".

لا ترد أمي فوراً بل تصمت لعدة ثوان بينما تزيغ عيناها قليلاً نحو نقطة مبهمة في الباحة لا لشتات بل تفكيراً. أحترم صمتها دون أن أنطق بحرف منتظراً إياها لتفرغ من تفكيرها. أخيراً ترتد عيناها إلى عيني بنقاء جديد نقاء من اتخذ قراراً.

تخاطبني بصوت حازم: "لصالح اختراعك وخارج أسوار القصر الإمبراطوري لدي فكرة أخرى. فكرة قد لا تجلب لك المكاسب المالية التي ستوفرها شركة تجارية منتقاة بعناية لكنها قد تعيننا بطرائق أخرى".

يثب الفضول فورا عند سماع كلام أمي.

أسأل متأقلاً قليلاً إلى الأمام في المقعد: "ماذا تقصدين تحديداً يا أمي؟".

ترفع أمي يدها بحركة بالغة الرقة كمن يطلب الصبر.

تخاطبني بنبرة جادة: "قبل أن أفضي إليك بتلك الفكرة ينبغي أن أطلعك أولاً على أمر كنت أنوي تأجيله إلى أن تبلغ سن الرشد. لكنك أثبت مراراً وتكراراً أنك أشد نضجاً بكثير ممن هم في سنك".

تضيف بينما تنطق بكلمة حالة بنبرة متعمدة تكاد ترسم ابتسامة على شفتيها: "فضلاً عن ذلك وهناك عامل إضافي يتمثل في حالتك المستجدة. لذا فالأجدى أن أخبرك الآن".

وينتقل لسانها إلى الجدية البحتة: "سأحدثك عن الفصائل الثلاث الأوفر حظاً في اعتلاء العرش. لا سيما للأسسباب التي دفعت اثنتين منها محاولة قتلك في مرحلة ما".

تتبدد الابتسامة التي كادت تخط على شفتي جراء الغمزة المتعلقة بحالتي بغتة عند سماع جملة أمي الأخيرة.

أقول بكل جدية في العالم: "أتوسل إليك أن تخبريني يا أمي. طالما استغربت محاولات اغتيالي طالما أنني لم أتدخل قط في أي شأن مهم في القصر وأوضحت لكل من أراد السمع أن ليس لدي أدنى نية لخوض سباق صدارة الإمبراطورة".

تومئ أمي بإيماءة باليغ البطء إزاء كلامي.

تخاطبني قائلة: "سأبدأ بالفصيل الذي لا يضمر لنا في الواقع شيئاً. وبحسب ما أعلم لم يقم بأي خطوة ضدنا قط".

تتوقف ههة قصيرة قبل أن تتابع: "إنه فصيل الأمير الثاني سون روي. أمه هي الفيي مينغ وتنتمي إلى عائلة كانغ".

أومئ ببطء وأنا أضع اسم القرينة وتلك العائلة في موضعيهما داخل أحجية الحريم.

تتابع أمي: "تمتلك عائلة كانغ ثاني أكبر جيش في الإمبراطورية بعد الجيش الإمبراطوري. ولهذا الواقع يركز فصيل الأمير الثاني على سياسة تتيح زيادة كل من الجيش الإمبراطوري نفسه والقوات المسلحة الخاصة بالعائلات النبيلة مستنداً في ذلك إلى دعم كثير من تلك البيوت ذاتها".

تتابع أمي: "أهمها على الإطلاق عائلة ليو التي تضم أيضاً فيي يان داخل الحريم الإمبراطوري. ولديها كذلك عديد الجنود البارزين داخل الجيش نفسه لذا وكما يمكنك استنتاج وحدك يدعم جل الجيش الإمبراطوري هذا الفصيل".

أومئ مجدداً وأنا أجمع الخيوط وتتوقف أمي هنا برهة قصيرة إذ بادرت لينغشي بأسلوبها الصامت في الحركة بتقديم بعض الشاي لها. تقبل أمي الكوب بحركة امتنان وتقربه إلى شفتيها لتأخذ رشفة حذرة وأغتنم تلك الاستراحة لألتفت حولي. لا تزال لينهوا تقف خلفي مباشرة ببضعها المتقن لكن ما إن أتفرس فيها حتى ألاحظ أنها أزاحت شيا قليلاً إلى جانب قرب الممسحتين المستندتين إلى الجدار وأن شيا نفسها بعيدة عن الملل بل منتبهه تماماً لكلام أمي بذلك العبوس الخفيف الذي يعلو محياها وقت التركيز محاولة حفظ ما يبدو لها مهماً.

أما لينهوا فتحافظ على حيادها ذاك لكن في عينيها ذرة خلو من الدهشة تخبرني بكل شيء إذ يكاد يجزم عندي أنها تعرف إن لم يكن كل شيء فجل المعلومات التي تبوح بها أمي ولم تنقلها لي لأنها تلقت أمراً بكتمانها. أشيح ببصري قبل أن يتضح الأمر وأعيد تركيزي إلى أمي التي كانت تعيد الكوب للتو على الطاولة.

تتابع مستأنفة الخيط: "لننتقل إلى الفصيل التالي. إنه فصيل الأمير الثالث سون كويمينغ".

يشتد بأس نبرتها هنا بالقدر الكافي للدلالة على أننا ننتقل من الفصيل الحيادي إلى أحد الفصيلين اللذين أرادا حقاً رؤيتي ميتاً.

تتابع أمي سردها: "لهذا الفصيل مؤيدون كثر. من جهة أبصرهم وضوحاً أم سون كويمينغ بالذات الفيي نيو وعائلتها عائلة هونغ".

تتابع أمي مرتدية تعبير حيرة: "ومن جهة أخرى يحظى بدعم الفيي شو وعائلة تشينغ وهذا أعجب ما في الأمر. والعجب لأن المرء حين يتفحصه لا يكاد يجد مبرراً لعماد عائلة تشينغ للأمير الثالث مما يورثني شكاً في أن ثمة صفقة مشبوهة خلف ذلك الدعم بل وربما هيكلاً عظمياً في الخزانة تحتفظ به عائلة هونغ ضد عائلة تشينغ لتلويه به".

أومئ بانكماش خفيف في حاجباي وأنا أحاول تتبع كلمات أمي.

تتابع أمي قائلة: "وفوق ذلك كله هناك أمر آخر. وكما تكشف لاحقاً حظي ذلك الفصيل بدعم التايجيان السابق لي مينغ وهو ما تسبب تحديداً في فقدانه لمنصبه حين غدت تحركاته لصالح الأمير الثالث أوضح من أن تُخفى".

أتوقف برهة لهضم تلك المعلومة فبها يتجلى لي أخيراً سقوط لي مينغ.

تتابع أمي بغتة حين ظننتها فرغت من تفكيك فصيل أخي الثالث: "لكن كل ذلك مهما بدا مهماً ليس هو ما يفصل حقاً في شأن ذلك الفصيل. إن سند سون كويمينغ الحقيقي هو جدك والد الإمبراطور الذي يتبوأ حالياً منصب شيخ الطائفة وله صوت ورأي في اختيار الإمبراطور القادم".

تتنهد أمي هنا وتلك تنهدة تطلقها أي أم حين توشك على النطق بما كانت تفضل لو لم تضطر لإخباره لابنتها.

تخاطبني أمي دون محاولة إخفاء شيء: "ومما يؤسف له يا وين أن جدك هذا هو من لم يرسل القاتل الذي كاد ينجح في قتلك ليلة عيد ميلادك السابع فحسب. بل عليك أن تعلمي أنه أمر بمحاولة اغتيال أخرى حين كنت في عامك الثاني رغم نجاح الحراس في الإمساك بالقاتل تلك المرة قبل ولوعه الجناح".

أتنهد بعد الاستماع إلى أمي ثم أسألها السؤال الذي طالما تمنيت طرحه منذ ذلك المونولوج الصادق الذي أفصح به أبي ليلة عيد ميلادي الأول.

أقول بصوت خفيض خفت عما توقعت: "يا أمي. لماذا يريد جدي قتلي؟ وأرجوك لا تخبريني بأن السبب عاهتي وحدها فما أنا بمصدقة".

تطيل أمي النظر إليّ وحين ترد تفعل ذلك بصدق تسعى من خلاله لتلطيفه.

تجيبني: "نعم يا وين. تلك للأسف هي العلة الوحيدة. ولكي تستوعبي الأمر ينبغي أن تدركي كيف كان جدك حين كان الإمبراطور وسيّد أسرة سون تبعا لذلك. كان يتبنى فكرة وجوب تفوق العائلة المالكة في كل شأن على سواها. وأن أي فرد داخل الأسرة سواء كان أحد أبنائه أم أي عضو آخر إن قصر لعدم امتلاكه الموهبة الكافية في الزرع أو بمعاناته لأي علة أخرى وجب نفيه أو التعامل معه لئلا يلطخ اسم الأسرة وسمعتها".

تتوقف ههة قصيرة لأستوعب شرحها الذي يجلي تماماً سبب رغبة جدي في موتي.

تختتم أمي كلامها بالقول: "وكما تتصورين يدعم جدك سون كويمينغ لأنه يبدو للجميع ابن الإمبراطور الأوفر موهبة في الزرع".

أخور زعقاً عند سماع تلك العبارة الأخيرة لأسمع خلفي مباشرة ضحكة خفيفة. هي قصيرة للغاية تكاد تكون نفساً محتبساً وأتعرف على صوت شيا تماماً إذ يبدو أنها غطت فمها بعد ثانية من فلتانه. لا ألتفت لرؤيتها لا تضجراً بل لثقتي التامة بأننا نشارك التفاعل ذاته حيال ادعاء سون كويمينغ. بدورها لا تعلق أمي بشيء فتمضي في حديثها كأنها لم تسمع شيئاً.

تتابع: "على أي حال وعلى المدى القريب ليس علينا ما نخشاه من جدك. وقبل أن تسأليني لم ذاك فذاك ما سأخبرك به الآن".

أومئ دون مقاطعة.

تخاطبني أمي وألحظ ابتسامة صغيرة تفلت منها: "بعد نفينا إلى مدينة شي آن بقليل أدى الإمبراطور زيارة بر لآبائه في الطائفة. وخلال تلك الزيارة خاض اثنانهما ما يسمى تلطفاً بتبادل نصائح صغير".

تسند أمي يديها الاثنتين على الطاولة ناظرة إليّ وقد بدت ابتسامتها أسطع: "تلك هي الطريقة المهذبة للقول إنهما تقاتلا. وكانت حصيلة ذلك اللقاء أن أوسعة الإمبراطور العجوز ضرباً وجلا له بما يكفي ليدرك أنه إن حاول مجدداً التعرض لك فسيعود. ولن يقتصر في الزيارة القادمة على تبادل نصائح صغير".

أهضم الأمر برهة ولا أملك إلا أن أستشعر مزيجاً غريباً من الفخر الخفي والامتنان الصامت تجاه أبي.

تتابع أمي بابتسامتها: "منذ تلك الزيارة غدا جدك أهدأ حالاً. وتبعاً لذلك هدأ فصيل الأمير الثالث إذ لا تجرؤون بغير سند جدك على القيام بتحركات مباشرة ضدك".

تتوقف ههة قصيرة وحين تعود للكلام تفعل بنبرة مختلفة أنخفض صوتاً وأكثر حرصاً نبرة من وصف خطارين معروفين ليستعد لملامسة الثالث ذاك الذي يعنيه حقاً الأمر.

تقول ناظرة في عيني مباشرة: "ولهذا السبب يا وين المشكلة الحقيقية والتهديد الفعلي الذي يحدق بنا في هذه اللحظة ليس أياً من الفصيلين اللذين حدثتك عنهما. التهديد الحقيقي هو فصيل الأمير الأول سون ليانغ".