أبقى جالسًا في وسط الموضع المعطّل للحظة، وأتفرّسه مليًّا وأنا أتأكّد من أنّني لم أُخطئ. لكنّ لا، يظلّ الموضع على حاله تمامًا كما كان قبل قليل، خامدًا تمامًا بينما تتّجه ذرات التشي المتفرّقة القليلة المتبقية نحو بوابتي اليانغ. أتنهّد في نفسي عند رؤيته وأقرر التوقف، إذ لا فائدة تُرجى من الاستمرار، لذا أُطلق رون التشي المحايد لأساهَم في تلاشي التصدى ثم أكفّ عن التركيز على بوابة اليانغ.
أفتح عيني أخيراً، بهدوء شخص لتوّه بطل كارثة صغيرة ولا يبتغي سوى إنهاء يومه بلا منغّصات أخرى. تعود الغرفة للظهور أمامي، غير أنّ ما يستحوذ على انتباهي فورًا ليس الغرفة، بل ليانهوا. ما عادت ليانهوا في مكانها المعتاد بجانب الباب، بل تقف تمامًا عند حافة الموضع، حيث تتوقّف الرونات المنقوشة عن تحديد الأرض ويبدأ الخشب الأملس. تقف بوقفتها المعتدلة المألوفة، لكنّها هذه المرة تميل إلى الأمام قليلاً، كأنّها كانت على وشك اجتياز الحدّ ثمّ كبحت نفسها في اللحظة الأخيرة، ناظرةً إليّ بتلك النظرة المحددة التي لا تعتريها إلّا حين لا تسير الأمور كما ينبغي، ذلك المزيج من اليقظة المهنية والقلق المكبوت الذي تعلّمت إلّا تظهره جهارًا ولكنّها، بعد سنوات طوال، لم تعد تتكلف إخفاءه تمامًا حين نخلو إلى أنفسنا.
أطيل النظر إليها للحظة، وأشعر في الوقت ذاته بتلك الوخزة الخفيفة من الذنب التي بدأت تألفني، تلك التي تطلّ برأسها كلّما راودتني فكرة عبقرية أثناء التأمل وأجرّ ليانهوا دون قصد إلى الكارثة التالية.
قلت بنبرة تحاول التظاهر باللامبالاة غير أنّني أخشى ألا تنطلي على أحد، ولا سيّما هي: "ليانهوا. أظنّني فعلت شيئًا بالموضع".
تثبت ليانهوا نظراتها إليّ ثانية أُخرى، دون أن تبدل ملامحها، ثم تطلق تنهيدة. لا تقتصر التنهيدة على تلك القصيرة المهنية، بل تطول، من تلك التي تدّخرها للمناسبات التي يتجاوز فيها الوضع سجلّ غرائبي المعتاد ليدخل مباشرةً في أراضٍ بكر. ثم تدلف الموضع دون تفوّه بكلمة لتقترب من مكاني. تتوقف على مسافة حصيفة أمامي، ثم تتحدث.
سألتني بتلك النغمة الخاصة التي تخرج حين تُسلّم سلفًا بأنّ الإجابة لن تُسرّها: "ما الذي فعلته هذه المرة يا زهاوهوان وين؟".
وبصراحة، لا أظنّ أن بإمكاني لومها. أخذت نفسًا عميقًا وقصَصْتُ عليها كلّ شيء، محاولاً جعل سردي منتظمًا على الرغم من كثرة الأمور التي وقعت في ذلك الوقت القصير الذي قضيته في التأمل. استمعت إليّ ليانهوا في صمت، بلا مقاطعة، محتفظة طوال السرد بتلك الملامح الحيادية التي تستخدمها حين تعالج المعلومات ولا تشاوس ملامحها بما تضمره. غير أنّها ما إن فرغتُ حتى خيم صمت خاطف، لتعلو حاجباها قليلاً.
سألتني وقد علت نبرة ليانهوا، للمرة الأولى منذ أمد بعيد، تلك النبرة الصافية من الذهول التي لا تظهر عادةً إلّا إن تعثرت بشيء لا يرقى حتّى لدخول قائمة الاحتمالات: "كيف يُعقل أن يقدر أحدهم على تفريغ موضع تجمع التشي؟".
رددت بابتسامة اعتذار خفيفة أفلتت مني رغماً عني: "أعلم، يبدو الأمر لا يصدق. لكنّ هذا عينه ما حدث".
نظرت ليانهوا إليّ صامتة، ففتحت فاها كأنّما ستتكلم، ثم أطبقته مجددًا، واكتفت أخيراً —عوض الكلام— بإطلاق تنهيدة أُخرى، أطول من سابقتها. ورؤيتي لها على هذه الحال، متأرجحة بين الاستسلام والسأم المهني، تجدد في نفسي وخزة الذنب، فهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة بحسب معرفتها بي. قضت ليانهوا سنين تتحمل صابرة نزواتي، وتجاربي، وأفكاري العبقرية، وكلّما لاحت لي فكرة مثيرة، آلت إليها هي نهاية المطاف في تحمل النتائج العملية، سواء أكان ذلك بتنظيف المخلفات، أو إصلاح التالف، أو —كاليوم— برمي تلك النظرة التي تنطق بكل ما يأباه لسانها.
لذا، ارتأيت أنّ الحصافة تقتضي إرجاء أمر الرنين ونتائجه العبثية، لوقت الراهن على الأقل، والتركيز على ما يدنو من الأهمية.
قلت محاولاً الإبداء بعملية أكبر مما أبدو عليه على الأرجح: "فلنترك أمر الرنين وتبعاته لوقت لاحق. المهم الآن هو تبين ما ألمّ بالموضع. أتستطيعين تفحصه؟".
أومأت ليانهوا برأسها حركة قصيرة، ودون تفوه بالمزيد، تنحت جانبًا وبدأت تفحص الموضع بمهارة، بالدِقّة ذاتها التي توظفها في أي مهمة توكل إليها. في النهاية، وبعد انتظار بدا أزليًّا لي ولكنه لم يتعدَ دقائق معدودات، أنهت ليانهوا دورتها، فاستوت واقفة واقتربت مني وفي يدها شيء. وحين بلغتني، بسطت كفها، فرأيت ما تحمله حجر روح كان مغروسًا في إحدى العقد. بل قل: ما كان حجر روح بالأصل.
إذ ماثِلَ أمامي حجر شفاف بالكامل، بلون باهت لا عهد له بالبريق المميز الذي حظيت به الحجار التي رأيتها تركب لدى إعداد الموضع.
قالت بنبرة تقريرها المهني: "حسب ما استطعت رؤيته يا زهاوهوان وين، مع الأخذ بالاعتبار أنّ رأيي هنا ليس بمعزل عن الخطأ إذ أجهل علم المواضع جهلًا تامًّا، لم يطرأ على الموضع أيّ عطب. الرونات برمتها سليمة، لا آثار منكسرة ولا تجهيزات مفكوكة. وما ظفرت به ليس سوى هذا".
وأدارت يدها قليلاً كي يتسنى لي معاينة الحجر الباهت بوضوح أكبر.
وتابعت: "هذا حجر الروح الذي ركبته جديدًا بالأرض البارحة. لقد استُنفد".
تناولت الحجر بين أصابعي وأمعنت النظر فيه بينما استهلت عقليتي في تفحص سائر الاحتمالات التي قد تفضي لحدث كهذا. كان ظني الأول، العفوي تقريبًا، هو الأظهر. لربما حين زاوجت بين بوابة اليانغ والرنين، بلغت سرعة امتصاصي حدًا مفرطًا دفع الموضع لمحاولة تدارك الأثر عبر تحميل نفسه فوق طاقته، فاستنفد أسرع بكثير مما ينبغي في الظروف المعتادة. بيد أنّني سرعان ما طرحت الفكرة، فقليل ما أعرفه عن المواضع ينبئني بخلّوها من خاصية التحميل الزائد.
وأشكّ في ظنّ أحدهم بضرورتها أصلاً، فتفريغ الموضع ليس بالشيء المتوقع حدوثه. لكنّي بينما أواصل تقليب الأمر في ذهني بحثًا عن مسوّغ معقول آخر وأرفض الواحد تلو الآخر لعجزها عن الصمود، عادت بي الذاكرة إلى تلك الجزئية التي أربكتني أكثر ما أربكتني أثناء الجلسة، تلك الموجة النهائية من التشي التي ظهرت بكثافة تفوق بكثير التيار الضئيل الوافد حتى تلك اللحظة وتلاشت داخل بوابة اليانغ في اللحظة التي توقف فيها الموضع عن العمل.
وفجأة، أخذت فكرة —لو كانت في ظروف أخرى لرأيتها بالغة العبثية— تشق طريقها إلى عقلي بإصرار عجزت عن كبته. فمثلما اعتاد شيرلوك هولمز القول في رواياته، ما إن يُستبعد المستحيل، فكل ما يتبقى مهما استحال فهو الحقيقة. ورغم غرابة الفكرة، فهي الوحيدة التي تتسق وما شهدته.
رفعت بصري نحو ليانهوا الماثلة أمامي بانتظار، وتكلمت محاولاً منع نبرتي من الإفصاح عن مدى شطط ما أنا بصدد سؤاله عنها: "ليانهوا، أظنني عرفت ما حدث. لكن للتحقق من صوابي، أحتاج حجر روح. ألديك واحد في متناول اليد؟".
رنت ليانهوا إليّ بملامح تمزج الحذر المهني بفضول مكبوت، وأومأت مرة واحدة.
أجابت وتوجّهت يدها بعفوية نحو الجراب الصعلي المعلق بحزامها: "نعم يا زهاوهوان وين. أحمل دومًا معي زوجًا، لعلّ طارئًا يستدعيها".
فتحت الجراب، وتناولت من داخله ممسكة بين إبهامها وسبابتها حجر روح يعلوه البريق الداخلي المميز للحجار الجديدة تمامًا.
قلت بصدق وأنا امد كفي نحوها: "أحسنتِ يا ليانهوا. كالمعتاد".
مع ذلك، لم تسلمني إياه فورًا.
بل أبقت الحجر بين أصابعها للحظة، ترقبني بنظرتها الخاصة التي تستخدمها حين تود التأكد من إدراكي لما أفعله، ثم تحدثت بتلك النبرة المحايدة بعناية حين تحاول ألا تبدو قلقة ولا تبلغ مرادها تمامًا: "ألن يكون ذلك خطرًا يا زهاوهوان وين؟".
انتزع السؤال ابتسامة خفيفة مني، لإدراكي التام لمنشئه.
رددت: "لا تقلقي يا ليانهوا. إن انتفى الخطر سلفًا، فلا داعي لتوقع مخاطر تداهمنا الآن".
لم تبد ليانهوا مقتنعة تمامًا بالحجة، فبمعرفتها بي لعلهّا أصبحت لا تثق البتة بالعبارات المطمئنة المنبعثة من فمي، غير أنّها أومأت برأسها رغم ذلك، وبتردد طفيف تكلفت إخفاءه، وضعت الحجر في راحة كفي.
قلت: "شكرًا لك"، وأطبقت أصابعي عليه دون إبطاء.
إثر ذلك، أرحت يدي على فخذي مجددًا، وعدلت جلستي على الكرسي المنخفض طفيفًا، وأخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عيني. ومع هذا، عاودت رؤيتي الداخلية الظهور. أول ما لمحته هو خلو المحيط عمليًا من التشي المحايد. كانت ذرات قليلة تترى هنا وهناك، تتحرك متباطئة وفق تدفقها الطبيعي، لكن ما بحثت عنه اختلف الآن، لذا وبجهد واعٍ، تجاهلت المحيط ووجّهت كامل انتباهي إلى حجر الروح. لحواسي، تألق حجر الروح بكثافة من التشي المحايد تفوق بكثير ما يحيطني في هذه اللحظة.
كأنّني أطفأت سائر أنوار الغرفة، لتتوسط الظلام نقطة إضاءة صغيرة. ترددّت للحظة. وترددت لأنّ منطقي وإن أكد لي خلوّ الأمر من الخطأ، فقد أخطأت بما يكفي لأعلم أنّ تلك اليقينيات تبدو متفائلة في أحسن الأحوال. لكن في النهاية، وبعد تفكير لدام ثوان معدودات، ارتأيت لزامية الاختبار، فمن دونه لن أعرف إن كان ما أظنه حقًّا، ولعنى هذا تجهلي لمتى قد يكرر حدث مشابه لما جرى لتوه. لذا، وعازمًا، رسمت في عقلي رون التشي المحايد، وفي اللحظة التي اكتمل فيها الرون، شعرت باهتزاز حجر الروح في راحتي.
اهتزاز خفيف، يكاد يكون غير محسوس، ولكنه واضح جليّ لمن يكرس انتباهه لحجر الروح. إنه الاهتزاز ذاته الذي يبثه التشي المحايد عند تفعيل الرنين، لكنه تمركز هذه المرة في نقطة محددة جدًّا. استنشقت ببطء، وزفرت بهدوء، ودون تأخير إضافي، فعلت بوابة اليانغ. كان الأثر فوريًّا ومألوفًا. انصاع النزر اليسير من التشي المحايد العالق بجو الغرفة للتدفق نحوي كما جرت العادة، مسحوبًا بالبوابة، غير أنّ الكمية شحيحة لدرجة لا تستوجب التفاتًا، فالتزمت بالخطة، متجاهلًا إياها ومبقيًا ناظري الداخليين مسمّرين على حجر الروح.
في البداية، لم يقع جديد، فاستمر الحجر في الاهتزاز بنبض خافت بدأ مع تفعيل الرنين. ثم، بعد هنيهة، تغير هذا. من جوف الحجر، انسلّ تيار رفيع من التشي. تيار دقيق في بادئ الأمر، تيار ناحل متردد ينبثق من الحجر ويمضي بلا التواء نحو بوابة اليانغ، ليمتزج بيسر يضاهي ذرات المحيط القليلة التي استقطبتها. وجدْتُني أتأمله منذهلًا، عاجزًا عن تصديق ما أشاهده تمامًا، وكدْتُ أفوت لحظة تكاثف التدفق تدريجيًّا.
ما كان خيطًا غدا جدولًا، وما غدا جدولًا أمسى تيارًا متصلًا، وما كان متصلًا تحول إلى ما يضاهي تيارًا محترمًا، وكل ذلك في غضون ثوان معدودات. وفجأة، وقع ما انتظرته. أطلق الحجر دفعة أخيرة من التشي المحايد بكثافة تعلو كل ما سبقتها، نوع من ثوران مكبوث لا يتعدى رمشة عين، لكنه يحمل البصمة ذاتها للموجة التي استشعرتها قبيل توقف الموضع عن العمل. امتصت بوابة اليانغ الدِفعة الأخيرة بنهمها المعتاد، بلا تمييز عن البقية، وفي اللحظة ذاتها التي امتزجت فيها آخر ذرة، أظلم حجر الروح في راحتي وفقد بريقه الداخلي تمامًا، ليؤول إلى المظهر الباهت ذاته الذي لحق بالحجر الذي أخذته ليانهوا من الموضع.
تنفست الصعداء ببطء، بذلك المزيج من الرضا والاستسلام الذي يغمرني عند التيقن من شبهة تمنيت بطلانها، فقد استقام كل شيء الآن. موجة التشي التي استشعرتها قبيل توقف الموضع لم تكن آلية ثانوية للموضع، بل وليدة رنين التشي نفسه. الرنين، حين يتمازج مع بوابة اليانغ، ولربما لا يقصر على هذه البوابة وحدها، لا يكفي لتعنيف وتكثيف جذب التشي المحيط وحسب، بل يستطيع اقتلاع التشي المستقر جوف أحجار الروح، مستخلصًا إياه من الحجر كما يُعصر السائل من إسفنجة، حتى يغدو الحجر جافًا تمامًا.
ويعني هذا امتلاك الرنين لاستخدام إضافي غفلت المعلمة مو عن ذكره لي. إذ أستبعد تمامًا جهلها به، فالبساطة تبدو واضحة لتفادي العلم، وما السؤال هنا ليس عما إذا كانت تعلم، بل لِمَ لم تخبرني؟ وبصراحة، يحيرني هذا السؤال. فتحت عيني ببطء، متيحًا للغرفة العودة للظهور أمامي، وتأملت ليانهوا الماثلة أمامي بانتظار، رغم عدم زوال مسحة القلق بالكامل من وجهها.
قلت باسطًا كفي ومبينًا لها الحجر الباهت في راحتي: "لقد أدركته".
خفضت ليانهوا بصرها نحو الحجر، ثم رفعته إليّ، وعاودت خفضه نحو الحجر، متبعة الإيقاع الموزون ذاته.
وأوضحت: "رنين التشي لا يقتصر على امتصاص التشي المحيط. بل يستطيع استخلاصه من أحجار الروح أيضًا. وما حصل مع الموضع يماثل ما اقترفته للتو، ولكن بغير علمي. بوابة اليانغ بتفعيل الرنين لم تكتفِ بتفريغ محيط تأثير الموضع، بل استمرت في الشفط حتى أفرغت حجر الروح المغذي لها، وحين نفد تشي الحجر، انطفأ الموضع".
استمعت ليانهوا إليّ بغير مقاطعة، وما إن فرغت حتى رأيتها ترخي كتفيها قليلاً بتلك الحركة شبه المعدومة، غير أنّني لاحظت استبدال الإنذار بشيء آخر، ضرب من الاستسلام الهادئ الذي يراودني ظنّ بأنّها عملت عليه منذ أمد ويضيف كل حادث مشابه طبقة جديدة له.
أجابت ببساطة: "فهمت يا زهاوهوان وين".
أومأت برأسها، وعبّست ملامحي ثم استرسلت: "وهو ما يعني للأسف إعادة النظر في كل خططي للغرفة الجديدة".
وقلت بنبرة بدت أكثر مرارة مما أردت: "فإن كان تفعيل الرنين ببوابة اليانغ داخل الموضع يتطلب استهلاك حجر روح بأسره في كل جلسة، والجلسة فوق ذلك تستغرق وقتًا أقصر من احتراق عود بخور، فما أفعله لا يعد تأملاً، بل حرقًا للمال. ومهما بلغ مالي، لا أظنني في وضع يتيح لي تحمل هكذا نفقة إلى ما لا نهاية".
لم ترد ليانهوا، لكن من طريقة إيماء رأسها الخفيف أدركت موافقتها التامة. وحين كنت أوشك على ختم تلك الكلمات، عبرت فكرة مفاجئة عقلي بوضوح تام، إذ تذكرت بدقة متناهية أحد شروح المعلمة مو الكثيرة حول رنين التشي. تحديدًا، تلك التي ذكرت فيها، عرضًا، كيف يمكن لرنين الرونات العنصرية معاونة المتأملين خلال مواءمة النواة العنصرية، وهي مرحلة استمعت إليها باهتمام حينها دون اكتراث بالغ، لتعلقها بمراحل تأمل تبعد بعدًا شاسعًا عن همومي الآنية.
غير أن الشرح اكتسب أبعادًا مغايرة تمامًا في ظل ما اكتشفته للتو. فما دام رنين التشي المحايد قادرًا على استخلاص التشي المحايد من حجر روح محايد، فبقياس بسيط، ينبغي لرنين أي رون عنصري القدرة على استخلاص التشي العنصري ذاته من أحجار الروح للعنصر المطابق. ومع التفكير بالأمر، يقلب هذا كل الموازين.
قلت محاولاً إبعاد نبرتي عن خيانة تيار التداعيات الجارف لعقلي في هذه اللحظة: "ليانهوا. أتوفر أحجار روح غير محايدة التشي، بل تتبع عناصر أخرى؟ كالهواء مثلاً".
بدا السؤال مباغتًا لها بعض الشيء، فقد استغرقت وقتًا أطول من المعتاد للرد، غير أنّ نبرتها عادت دقيقة وموزونة لدى إعطاء المعلومات التي تعتبرها مهمة: "نعم يا زهاوهوان وين، إنها موجودة. لكنها نادرة للغاية، داخل الإامبراطورية على الأقل. ولهذا تُعد مورداً حكوميًّا وتخضع لرقابة صارمة. وما يصل منها لسوق العامة، هارباً بطريقة ما من الاحتكار الرسمي، يبلغ أسعاراً باهظة بالفعل. ومع ذلك، قد يستغرق العثور على واحد للبيع شهوراً، بل سنين".
أومأت ببطء مستمعاً للجواب، لتستقر حقيقتان في عقلي فوراً. الأولى: أن أفضلية المتأملين الموهوبين برنين التشي أثناء مواءمة النواة العنصرية لا تقتصر بحال على ما شرحته لي المعلمة مو حينها، أي تكلفتهم نصف التشي لمواءمة الأنوية. فتلك نصف القصة. النصف الآخر، والأهم بحق، هو سهولة مضاعفة قوة أنويتهم لهؤلاء المتأملين، إذ لا يتطلب الأمر إفناء سنوات العمر بحثاً عن كنوز طبيعية للعنصر المعني، بل يكفي الظفر بأحجار روح للعنصر المنشود بغيتها، بأي كمية أو حجم، واستخلاص التشي منها مباشرة، لتجميع كميات من التشي العنصري النقي بيسر نسبي يستغرق الآخرون دهرًا لجمعها.
والحقيقة الثانية تكمن في سرور المعلمة مو بإغفال إخباري، رغم إدراكها التام للأمر. فهنا في الإمبراطورية، حيث تشح أحجار الروح العنصرية وتخضع لرقابة مشددة، يستحيل عملياً محاولة تجميع كمية تكفي لجعل الأفضلية المزعومة ذات نفع. ولربما فضّلت المعلمة مو تجنيبي مرارة معرفة وجود سبل فائقة الكفاءة لتسريع التأمل لا سبيل أمامي لبلوغها واقعياً نظراً لظروفي. وأخيراً، بعد استقرار الحقيتين في ذهني وبدء تفتح تبعاتهما، تسللت ملاحظة أخيرة بين أفكاري، فبالنظر للموضوع من زاوية ما، يحمل ما يطرأ على تأملي طعماً مألوفاً.
طوال فترة تلطيف الجسد، لم أتطلب إنفاق عملة معدنية واحدة. كفى الجلوس، والتنفس، وامتصاص تشي الهواء، وتكرار الدورة، والتقدم. كان تأملاً مجانيًّا، بلا تكلفة دخول، ولا رسوم صيانة، وبركن وحيد متمثل في الوقت والجهد. ما عُرف في حياتي السابقة باللعب المجاني المشروع، والمتاح لكل من رغب باستثمار الساعات فيه. غير أنّ القواعد انقلبت جذرًا، بدءاً من فتح البوابة. فرغم قدرتي على التأمل مجاناً، تطلبت الرغبة في استخدام موضع تجمع التشي باختصاص إنفاق حجر روح في كل جلسة.
وإن أردت تسريع مواءمة الأنوية العنصرية بالرنين، وجب تجميع أحجار روح عنصرية تستحيل رؤيتها للبيع، وإن وُجِدت فتكلفتها ثروة. ولربما، إن رغبت في أيّ من المبتغيات الأخرى التي تُلمّح لها المعلومات المتاحة، فستكون الإجابة الحتمية: المال، ثم المال، والمزيد من المال. وهو ما يعني بترجمته للغة حياتي السابقة انتقال تأملي من اللعب المجاني إلى الدفع للفوز بلا خجل. وبصراحة، لا أدري إن كان يجدر بي الضحك أو البكاء حيال ذلك المنظور.