الفصل 435 نار وكبريت (الرابع)
هبط لونغ تاو برفق فوق صخرة متكسرة ومسننة، باسطاً حسه السماوي ببطء ليستجلي مكانه. إنه جبل بطريقة ما، وإن بدا مصطنعاً بوضوح؛ فهو يرتفع شبه عمودي، وتبرز منه صخور حادة الرؤوس تشبه شعارات التاج. يبلغ ارتفاعه نحو ميلين، وقد هبط في منتصف طريقه نحو القمة تقريباً، تحت مزيج الغيوم الرمادية المتموجة مباشرة. تمتد رقعة من الأرض في الأسفل، حيث يندمج الجبل مع مجموعة أخرى، مشكلاً خطاً شبيه بالوادي حيث يستطيع إدراك عدد غير قليل من الأعشاب التي تفوح بطاقة تشي غزيرة.
كانت الرياح لطيفة وإن خالها شيء من البرودة، وكان واحداً من سبعة عشر شخصاً هبطوا ضمن دائرة نصف قطرها خمسة أميال. أغلبهم أطفال، مع أن اثنين بدا أنهما شيخان من طائفة أو أخرى، إذ كان أحدهما في ذروة العالم الداخلي والآخر شبه ملك. اتجه شمالاً، مع أنه استبعد العبور الفوري. حتى وإن ساوره قلق طفيف على ذلك المعلم، فإن الرجل يملك من الوسائل أكثر مما يظهر ومن المرجح أنه بخير تماماً.
أما الأطفال... فتلك مسألة أقل يقيناً، لكن لونغ تاو كان مؤمناً بشدة بتركهم يجدون طريقتهم بأنفسهم. إن سقطوا في هذا العدم الصغير، فما كانوا مخصصين لأي شيء أعظم أساساً. أخذ يهبط الجبل ببطء، داعماً فم الوادي. نبتت الأشجار عند كلا الطرفين، سميكة وعريضة، بظلل ملونة معلقة في الأعلى. وتغيرت رائحة المكان أيضاً، من رائحة مبهمة تشبه الكبريت، إلى رائحة عشبية منعشة للأعشاب الطازجة والزهور.
لم يستطع لونغ تاو أن يفهم تماماً سبب تسمية هذا المكان بعالم الفينيق. إنه في الواقع يتعرف على المكان -فعل ذلك بمجرد أن لمح البوابة- وما كان للمكان صلة تذكر أو معدومة بالفينيق. ومع أن هناك قبراً له في مكان ما نحو المركز، إلا أنه كان قبراً احتفاليّاً أكثر منه شيئاً آخر، إذ أقامه الرجل الذي بنى العالم إجلالاً لصديق قديم. لقد زار هذا المكان مرة أو مرتين من قبل، مع أنه لم يكن آنذاك عالماً سرياً بقدر ما كان بُعداً جيبياً عادياً.
يكاد كل إامبراطور أراد أن يصنع لنفسه مجداً أو يترك إرثاً وراءه يملك نحو اثني عشر أو نحو ذلك منه. وأحياناً، عندما كانوا يموتون، كانت معرفة هذه الأماكن تموت بموتهم... إلى أن يتعثر شخص ما بالمدخل بطريق الصدفة. تعلم لونغ تاو منذ زمن طويل، أن الزمكان كان يزداد عدم استقرار مع كل جيل جديد. فالغشاء كان يرق، وهذا ما أتاح لمحة عن ما وراءه في المقام الأول. هناك احتمال كبير ألا يعرف أحد حيّ في هذا العالم الأصول الفعلية لهذا المكان، مع أنه كان واضحاً أيضاً أنهم يمتلكون إمكانية الوصول إلى آلياته الداخلية حيث إن مصفوفة الحصار كانت من النوع الذي يتطلب منه هو نفسه بعض الوقت لكسرها.
قام بنزهة عادية بين الأشجار، متجاهلاً المخلوقات غريبة الأشكال والأعشاب المضيئة. ومع أن تلك كانت نادرة ومن المرجح أنها مفيدة لذلك الخيميائي بلا اسم الذي تشبث بالمعلم، فإن الجائزة الحقيقية كانت في قلب الوادي. لم يستغرق طويلاً للوصول إليها، إذ بالكاد بلغ طول الوادي نفسه بضعة أميال، مع أنه كان أبعد ما يكون عن الوحدة. لقد تقارب معظم الأفراد الواحد والعشرين نحوه، بعد أن استشعروا على الأرجح التقلبات الغريبة لطاقة تشي.
وحين ظهر لونغ تاو، انصرفت كل العيون نحوه، وارتفعت العداوة فوراً في دواخلهم عندما أدركوا أنه لا ينتمي إلى أي من القوى الكبرى. أصابته حيرة لحظية لعدم خوضهم قتالاً واقتتالاً من أجل الشيء، لكن نظرة خاطفة كشفت أنه كان محروساً من قبل شيء صغير مزعج إلى حد ما: ثعبان عابر. إنه كائن نصف روحي ونصف حي ليس قوياً بشكل خاص، لكن من الصعب قتله لدرجة أن الأباطرة يميلون عادة إلى تجاهله إن كان لديهم أي خيار آخر.
قال: "هذا ليس مكاناً لأمثالك".
وبينما كان لونغ تاو على وشك اتخاذ خطوة إضافية للداخل، ظهر جسد أمامه وسد الطريق. لم يرفر جفنه حتى، بل اكتفى بنفض أصابعه برفق. بعد أقل من نفس، انطلق الجسد الذي يسد طريقه إلى الوراء كقذيفة مدفع، منفلتاً في انفجار من الدماء والأشلاء ومتبدداً بالكامل في العملية. لم يتوقف عن خطوته التي كان يخطوها، مستمراً بينما تعالت الألهاث وبدأ الجميع في جمع طاقة تشي بشكل جماعي، رافعين دفاعاتهم.
تجاهلهم لونغ تاو جميعاً، وكانت خطواته غير مستعجلة وهو يتجه نحو الثعبان الذي التوى حول الزهرة الطويلة المتلألئة. كان جلد المخلوق الصغير لؤلؤياً وشفافاً باهتاً، وبدو تدفق الدم بوضوح تحت السطح. ولم يكن أطول من قدم، وعيناه بيضاوان تماماً تحدقان فيه بفراغ بينما بدأ ينبض، مستعداً للانطلاق بالزهرة حتى لو أدى اقتلاعها بعنف هكذا إلى تدمير نصف قيمتها. في تلك اللحظة توقف لونغ تاو، على بعد نحو عشرة أقدام من المركز؛
لم يكن ذلك بسبب الثعبان ولا حتى بسبب المحيطين به، المستعدين للانقضاض في أي لحظة إن أخذ الزهرة حقاً. كلا، ما جعله يتوقف هو زوج العيون التي تراقب من الشرق، المتربصة في الظلال فوق الجبل القريب. التفت عرضاً وأدار عنقه جانباً؛ وبعد نفس واحد تقريباً، طار خنجر ظل مرۆاً بجانب أذنه ونحو الثعبان، الذي تخبط بذنبه بلا جدوى. اخترق الخنجر الزهرة وانغرس في جذورها، لتندفع أبخرة الظل والرماد فوراً وتستهلك الشيء بأكمله حتى لم يبق شيء.
رسم لونغ تاو ابتسامة عريضة؛ لم يكن مهتماً باختفاء الزهرة. ومع أنه مفيد، إلا أنه تخيل أن جنسن الينبوع لم يكن نادراً تماماً في هذا المكان. ما كان أنذر بكثير هو استخدام شخص لفنون الظل ببراعة وهدوء تامين. لم يلاحق -فقد انطلق الشكل هارباً بمجرد إلقائه الخنجر، وحتى إن استطاع لونغ تاو اللحاق به، لم يكن الأمر يستحق الجهد. لقد تساءل حقاً عن سبب إقرار ذلك الكائن الصغير بتدمير الزهرة، لكن رؤية ردود الفعل العدائية للجميع حيث بدا أنهم يعتقدون أنه هو من فعل ذلك...
ربما انزعج ذلك الفتى لأن لونغ تاو رصده؟ وأكان هذا انتقامه؟ كاد لونغ تاو ينفجر ضاحكاً، محملقاً في محيطه لحظة قبل أن يستل سيفه ويطعن به إلى يساره. اصطدم باللحم سريعاً إذ رش الدم كما لو أنه من العدم، وتجسد شكل بعد لحظة وقد شق حلقه، لاهثاً بحثاً عن الهواء لثانية قبل أن يهوي إلى الأرض ويموت في الحال.
أعلن لونغ تاو بلا مبالاة: "لم أكن أنا من دمرها. بإمكانكم إما التصرف بناءً على غروركم التافه الأحمق والموت هنا، أو أن تكونوا أذكياء وترحلوا. الخيار لكم".