الفصل 300 الحكيم الصامت (3)
صار حضورنا أشبه بحضور المشاهير بعد العرض اللطيف للصغار على البحيرة. صار الناس يعرفوننا أينما ذهبنا. بناءً على ثلاث أو أربع شاعات سمعتها يبدو أنهم يظنّوننا عشيرة قديمة ظهرت على السطح. قصة تشبه تماماً تلك التي رويناها لثرثارٍ ما. ما يجعلني أوقن أنه الرجل من وراء الشاعات. أظنه يظنّ أنه يساعدنا حقّاً. لكن لو عرفت أين ذهب ذلك اللعين لطاردته وضربته بملعقة. بفضل ذلك نادراً ما غادرت البيت في الأيام القليلة التالية.
بينما واصل الصغار الخروج وجلب المزيد من الخردة كل يوم. في غضون أسبوع امتلكت من الخامات ما يكفي لبناء بيت ناهيك عن بعض الأسلحة. بينما واصلت تفريغ كل الأعشاب عند لاو شون الذي ظل يتركّب حبوباً أحدث فأحدث أو يساعد ريس في صنع نوع أفضل من الورق ما أدى إلى كتابة المزيد من الكلمات التي و-- كان الأمر برمّته مجرد دوامة لولبية ضخمة من النجاح. رغم أنني كنت سعيداً لتمتّع الصغار بوقتهم.
كنت أدرك أيضاً أننا لن ننجو تقريباً من التورّط مع الحكيم. وربما عاجلاً حتى ممّا أريد. لم استطع حتى أن أحزر أين كان ذلك الأحمق لونغ تاو إذ كان لا يظهر إلا وقت العشاء ثم يختفي فوراً طوال بقية اليوم والليل. الشخصان الوحيدان اللذان ظلا في البيت بثبات فهما ريس وشين فنغ وأنا. حتى أن لاو شون غادر بضع مرات راغباً في اختبار حظّه في البحيرة. فضلاً عن ذلك أنا متأكد تماماً من أنني مطارد.
لماذآ؟ لأنني أجد خردة عشوائية بجوار سريري كل صباح. وكلها تبدو قديمة. ليست كنوزاً وليس حقّاً. أعني لكانت كذلك لو كان هذا على الأرض إذ بدت كل هذه الأشياء وكأن عمرها نحو مائتي ألفي سنة. لكن ما عدا أعمارها لم يكن فيها شيء مثير للإعجاب. بقيت مستيقظاً مرة حتى مستنفراً ومبقياً على حواسي السماوية طوال الليل ولم أستشعر شيئاً. ومع ذلك وجدت ملعقة خشبية عتيقة بجواري عند الصباح.
بما أن العجوز لم تكن تتفاعل وحتى لونغ تاو لم يكن يقول شيئاً. أنا متأكد تماماً من أن أياً منهما لم يكن يعلم. ما يخلص بي إلى استنتاج واحد: أنا مطارد. ممَّن؟ كان عندي تخمين. لكنني أخفيته في أعماق روحي إذ شعرت أن الاعتراف به سيموج كموجة صوتية في جسدي كله فيجعلني مشلولاً. على هذا اكتفيت بتلقّي الهدايا والتزمت الصمت متسائلاً عما إذا كان سيملّ ويتركني وشأني.
"معلمي."
أقبل عليّ شين فنغ قبيل الفطور.
"أنا. أريد الذهاب إلى البحيرة أيضاً مع الإخوة والأخوات..."
كان يتلوى في مكانه متجنباً نظراتي.
"أنا. لن أعدو إلى الداخل أعدك! أنا. سأبقى على الجانب وأراقب فقط!"
أضاف بعد أن صمتُّ. وفي تلك اللحظة ظهر ريس وكأنّه كان يستمع (لأنه كان كذلك).
"ما رأيك أن آخذه معي؟ أريد أن أرى كيف تبدو أيضاً."
"حسناً."
أومأتُ. لم يكن هذا الاثنان معروفين تماماً وخاصة ريس لذا لن يكون الأمر سيئاً للغاية.
"ابقيا آمنين ولا تقبلا شيئاً يعطيه إياكما أحد."
"حاضر يا معلمي!"
بينما كان الاثنان يغادران استطعت سماع صوت شين فنغ يتردّد بنعومة.
"شكراً لك يا أخي ريس! أنا. سأشتري لك حلوى! لقد اشترت لي الأخت شو واحدة بالأمس وكانت لذيذة حقاً!"
"حقّاً؟ هل يمكنني اختيار الواحدة؟"
"بالطبع!"
"يمكننا شراء اثنتين إذن. واحدة لك وواحدة لي."
"ياااي!"
ابتسمت بخفة وهززت رأسِي قبل أن أنسحب إلى المقرات المركزية حيث أدركت أنني لست وحدي. العجوز كانت هنا أيضاً. بدت مندهشة بعض الشيء لرؤيتي أنا أيضاً. وبما أنني عاجز جسدياً عن التزام الصمت رغم علمي أنها لا تستطيع فهمي...
"مرحباً. كيف حالك؟ ذهب الأطفال كلهم إلى البحيرة اليوم. بعضهم للبحث عن الكنوز وبعضهم للتنزّه. هل أزعجك؟ يمكنني المغادرة أيضاً. لكن لا أعري إن كنت تعلمين. يتمّ اعتراض سبيلي طوال الوقت. يواصلون سؤالي عن العشيرة التي أنتمي إليها وطرق التدريب التي استخدمتها مع الأطفال... آه إنه لأمر رهيب! لن أمانع لو كانوا ثرثارين فحسب بل يحاولون سحب إلى هذا المتجر أو ذاك أو يواصلون محاولة بيع "حبوب سماوية تأخذ تلاميذه إلى المستوى التالي". هل أبدو في الرابعة من عمري؟ أم أبدو أبلهاً؟ أم يبدو وكأن سنداناً سقط على رأسي وأنا رضيع؟"
"بفت."
"مم؟"
لا. لا لا لا لا لا. كان الأمر ضئيلاً. أشبه بطنانة ذبابة على بعد مائة ياردة مني بدلاً من شخير. لكنني سمعته... لأنه مزّق أذنيّ كالرعد. تجمد جسدي كله وكل ما استطعت فعله هو الحدق إليها وفكي متروك مفتوحاً.
"أوه استرخِ."
تكلّمت بلغة أتكّلم بها أنا أيضاً.
"ليست نهاية العالم."
"..."
"دعني أصنع شيئاً اعتدت صنعه لحفيدي حين كان قلقاً."
قالت.
"بينما تخبرني المزيد عن كيف يظنون أنك تبدو كالأبله."...
واو. إنه لأمر حقيقي حقاً على ما أظن أن عليّ مراقبة الكبار في السنّ في هذا العالم. إذ إن أولئك الذين ليسوا بما يكفي من المكر يموتون صغاراً ببساطة. الذنب ذنبي لكي أكون منصفاً. لماذا ظننت ولو للثانية الأبعد أن امرأة يبلغ عمرها نحو سبعة عشر قرناً لن تكون قد تعلّمت ببساطة أكثر من لغة واحدة؟ اللعنة. كنت أعرف لغتين ونصفاً تقريباً على الأرض. ولم أبلغ حتى نصف قرن. تباً. ربما أكون أبلهاً حقاً؟
مع ذلك تبعتها إلى المطبخ حيث رأيتها تمزّق فاكهة تشبه المانجو بينما تساقطت العصارة في الوعاء أدناه.
"ذلك الفن الذي أعطيتني إياه."
قالت.
"لقد ساعد قلبي حقاً."
"أوه. هذا. هذا جيد."
"أكان صحيحاً؟"
"ماذا؟"
"أن بإمكانك تمييز متى يعاني شخص ما من مشكلة في قلبه؟"
حدقت بي جانبياً مستخدمةً على الأرجح فنّاً ما أو آخر لترى ما إذا كنت أكذب. النظام جزء مني لذا أمتلك تلك القدرة بطريقة ما.
"نعم نعم كان صحيحاً."
أومأتُ.
"تلميذي الأول. ذاك الذي يحضر إلى العشاء ثم يختفي كطيف. لاحظت ذلك معه للمرة الأولى."
"مم. الحقّ يُقال لقد طوّرت نظرة لمشاكل القلب بنفسي."
قالت.
"وتلميذك هذا... أياً يكن ما هو حتى أنا أريد الهرب منه."
حسناً نجل. حتى يومنا هذا تظلّ لعنة سمّ القلب بالنصّ الدقيق نفسه الذي كانت عليه في أول يوم التقيتُه فيه: [لعنة سمّ القلب (؟؟؟) - لعنة حياته السابقة مستمرة لتجعل الأمر يبدو وكأنه عالة بلا مواهب] مرّ أكثر من عام وهو يمارسها باستمرار ويحسن زراعته بطرق لم أستطيع حتى تخيلها... ولم يتغيّر شيء. لقد طرح السؤال: بحق السيّد ما الذي كان عليه الأمر بحقّ الجحيم؟