الفصل 279 بحيرة القمر (5)
اختار واي مجاراة العجوز، مع أنه أشرق لأصدقائه بإشارة خفية ليكونوا على أهبة الاستعداد لتنفيذ الخططة فوراً. حتى وإن قدر تلك اللفتة، فقد كان يعلم حق العلم أن العجوز، الذي بدا في المنتصف من مرتبة تجسد الروح، لن يستطيع فعل الكثير في مواجهة مطارديهم، فما بالك بالأطفال، الذين لم يبدُ أي منهم يقترب من العشرين بعد. كان الاحتمال الأرجح أنهم، وما إن يظهر المطاردون، سيصيبهم الرعب ليطالبهم العجوز بارتباك بالمساعدة.
مزعج قليلاً، ولكن ليس أكثر من ذلك. انتابه شعور طفيف بالذنب، فما جرى لم يكن هو الخطة الأصلية؛ فقد أراد لنفسه ولرفاقه الاحتماء بتلك المجموعة والتسلل إلى بحيرة القمر ضمن حاشيتهم، لكنه لم يتوقع أن يُقتفى أثرهم بهذه السرعة. وكان واثقاً من أنه محا آثارهم تماماً. وفي دفاع عن نفسه، كانت هذه هي المرة الأولى التي يطارده فيها أحد علانية، كما كانت المرة الأولى التي يفر فيها بهذا اليأس؛
ولقد كان معجزةً، بطريقة ما، أن يظلوا هاربين لقرابة شهرين دون أن يُقبض عليهم. مع أنه لا يزال يمتلك بعض الأوراق الرابحة... إلا أن ذلك لم يكن كافياً؛ فأقصى ما استطاع فعله هو كسب بعض الوقت بينما يرافق كاي العجوز والأطفال بعيداً بما يكفي. كان لا يزال يمتلك سبيلاً للإفلات، لكنه... كان الملاذ الأخير، وكان يمقت فكرة خسارته. وخصوصاً أمام أولئك القوم. تنهد في باطنه وعضّ شفته السفلى، فيما كانت عيناه تحدقان في تلك النقطة من السماء كالصقر — وبعد خمس دقائق تقريباً التواء المكان وبدأت الأشكال في الظهور.
كان عددهم اثني عشر، بعد أن كانوا سبعة عشر في البداية. استطاع واي قتل اثنثنين، وفعل كاي المثل، بينما قتل مين واحداً. لم يهم الأمر كثيراً، فهؤلاء الخمسة كانوا أضعف الحلقة. رفرفت عباءاتهم خضراء الزمرد في الريح وهم يهبطون من سفينة الحرب المصغرة التي استخدموها في التنقل. وبالنظر إلى أن أقوى فرد بينهم كان في منتصف مرتبة النواة الدائرة، فلم تكن السفينة ملكاً لهم بل كانت على الأرجح معارة من شيوخهم.
هبطوا واحداً تلو الآخر، بينما تقدم قائدهم — وهو رجل في عمر واي استطاع نيل لقب النصل الهادئ بالفعل، بسبب صمت ضرباته المستحيل، حتى وإن نُفذت جهاراً — ليوجه تركيزه كاملاً إلى واي، غير ملقٍ نظرة واحدة على العجوز والأطفال، لحسن الحظ.
قال بصوت حاد النبرة: "لقد نجت الجرذان الصغيرة في التخفي والهرب طويلاً؛ إني لخجلان".
توتر واي، مادّاً يده نحو الغمد ببطء.
قال واي: "ما كان لك أن تطاردنا، جين لي".
"إذن ما كان لك أن تلمس ما يخصني".
"هاه. أأنت قائل بحق إن أي حجر ملقى تحت السماء يخصك؟"
قال وهو يبتسم باتساع: "أقرب لملكي منه لملكك. لمَ لم تفر كما فعلت طوال هذا الوقت؟ لقد بدأت أستمتع بمطاردتكم، أيها الحشرات المثيرة للشفقة. أوه؟ أأخشيت أن أحتجزهم لأنتزع منهم مكان هربكم؟ ها ها ها. ممتع بحق".
أطبق واي على أسنانه ولكنه عجز عن المبادرة بالضربة الأولى. فأي ثانية يكسبونها هي ثانية إضافية يستعيدون فيها تشي الخاص بهم، لذا فإن أراد الثرثرة... فلن يمنعه.
قال واي: "الشيء الوحيد الممتع هو أن تطاردنا بخمسة أضعاف عددنا ثم تضحك من ذلك. لو كنت مكانك، لكنت زحفت عائداً إلى جحور بعيدة متوسلاً أن ينسى العالم وقوع هذا قط".
في تلك اللحظة بالضبط، أطلق أحدهم صفراً — فالتفت برأسه مفزوعاً إلى الجانب ليراها صادرة عن العجوز، الذي رمقه بنظرات متسعة العينين وممسوحة بالذهول.
"كلمات حامية لهريرة صغيرة على وشك الموت".
ولحظ الحظ، تجاهل جين الصفرة كأنه لم يسمعها، ومضى في ابتسامته الساخرة.
"ولكن لمَ ينبغي أن أخجل؟ قوة المرء تكمن في كمية الجنود الذين يمكنه استدعاؤهم لصفه، إضافة إلى قوته الخاصة. لا تلمني لأنك لا تملك سوى اثنين".
"السبب الوحيد لاتباعهم إياك هو أبوك".
ضحك بسخرية وقال: "بالحق. أليس تاج الولادة قوة للمرء أيضاً؟ لقد ولدتُ في سلالة أرفع من سلالتك — لو كنت أكثر حكمة، لقدمت ذلك الحجر لحظة رؤيتك لي واخترت الانضمام إلى صفي. ويا للأسف، العالم ملوث بالحمقى، وأنت لست سوى واحد منهم".
قال واي: "تباً، ما سمعت قط روحاً تتفاخر بوقاحة بما يخفيه معظم الممارسين في أعماق أرواحهم".
مع أنه شعر بوخز الغيرة يرتفع في قلبه. وبالحق، لو أنه وُلد لأبوين من الشيوخ في طائفته، ألم تكن ظروفه لتكون أفضل بكثير مما هي عليه الآن؟
"هه. لا يقول ذلك إلا من لا يمتلك منه شيئاً. لكن... سأمنحك فرصة. إن قتلت كل هؤلاء العوام، فسأمنحك يومين من التقدم".
"... ماذا؟"
أطبق واي على أسنانه حتى اسودّ بصريته.
"لك أن تسخر مني ما شئت، لكن أن تدنس قلبي هكذا؟ حسناً. حتى وإن كان عليّ الموت اليوم، فسأنتزع ذراعاً واحدة منك على الأقل، أيها النذل غير التائب".
"هاه! أتختار شيئاً أحمق كهذا عوضاً عن مجرد قتل بعض الجرذان العشوائية المثيرة للشفقة؟"
لم يكن جين هو من تكلم هذه المرة، بل أحد أتباعه. وحينها، انطلق هدير، مشحون بغضب وكراهية تقترب من الجنون.
"أتجرأ على وصف المعلم بالجرذ؟"
وكأنما فور خروج آخر حرف، توقف العالم عن الحركة. التقط واي وميض ضوء ضئيل وهو يمزق نسيج الواقع ذاته؛ وما هي إلا لحظة حتى طار رأس مفصول عن رقبة ليحلق عالياً بينما تدفق رذاذ من الدم نافراً ليتناثر في كل مكان. وخلفه، شق وميض الضوء جرفاً في التراب امتد لنصف ميل، مقتلعاً الأشجار والتلول في طريقه. وبدأت الريح تعصف كأن الطبيعة ذاتها غضبت من ذلك العرض، بينما لم يملك واي إلا أن ينوح في صمت، فاهماً فكيه المفتوحتين — شأنه شأن الجميع تقريباً.
التقطت عيناه الجانب الذي يقف فيه العجوز، حيث لمحة بالكاد الصبي المراهق وهو يعيد السيف إلى غمده. وبدت على محياه نظرة اشمئزاز مطلق ومقت تام وهو يتابع الرأس الساقط ببطء ليتدحرج على الأرض. ومع ذلك، لم يبدِ أي من الأطفال تفاعلاً يذكر، رغم أن نظرات الغضب المتلاشية كانت ترتسم على وجوههم أيضاً. غير أن ذلك كله لم يكن مهمّا. تلك الهجمة، وكان واي يعلم من قرارة قلبه، ستقتله حتى لو استخدم كل ما استعمله طيلة حياته.
ستخترق دفاعاته كافة، وتنسف أوراقه الرابحة أجمع، لتتركه بلا رأس تماماً مثل ذلك المسكين الملقى هناك. وهو ما أثار سؤالاً وحيداً في ذهنه. يا هذا. بحق الجحيم؟!