الفصل 280 بحيرة القمر (6)
مرت لحظة سكون فاصلة بين سقوط الرأس على الأرض وتهاوي الجسد خلفه لم يصدر فيها عن أحد حاضر صوت ولا حتى حرف وكأن الجميع يحاولون معا استيعاب ما جعله البرق وميضا من العجب لا بل دونه بكثير. وكان وي في صدمة مطبقة إذ لم يخطر له ببال ولا للحظة قط أن أحدا من هؤلاء الصبية يستطيع فعل أي شيء بل قطعا ليس كهذا. ما هذا الجحيم من هنا لتخرج أظهر نفسك حالا أنا جين لي الابن البكر للشيخ لوانغ من طائفة الزهور المائة وإن قتلتني فلن تنجو من عواقب لن تطيقها أبدا.
ساد صمت مطبق على التهديد اليائس الأقرب إلى الجنون فتحولت سماء وجوه الصبية من الغضب إلى الحيرة وصاروا ينظرون إلى جين لي نظرات غريبة بعض الشيء. أهو غبي تساءلت إحدى الفتيات أخيرا. يبدو كمن سيكون غبيا قالت الفتاة الصغرى. النور نحن لا نحكم على الناس من مظاهرهم قال الصبي الذي هاجم لتوه. أه. يبدو كمن سيكون غبيا مع ذلك قال الصبي نفسه بينما انفجر الجميع ضاحكا حتى إن شفتي العجوز كانتا ترتجفان وكأنما يكبح نفسه جهدا.
أتجرؤون على ضحك علي يا حثالة اقتلوهم اقتلوهم جميعا اسلخوهم أحياء من أجلي. انفجرت الزئيرات هجيجا حين رأى وي طاقة جماعة جين لي تنقض على العجوز والصبية وهمّ بالتقدم فوجد نفسه متسمرا تكاد ترجفه الخيبرة إذ التقت عيناه بعيني صبي في الخامسة عشرة على أكثر تقدير تخلف في مؤخرة الجماعة. وكأنما كانت لتلك العينين نظرة الفراغ ذاته وهي تأمره بألا يتحرك خطوة واحدة وإن فعل فلن ينجو منها.
لا بد أن أصدقاءه شعروا بالمثل فوقفوا جميعا جامدين في أماكنهم ووجوههم متطابقة يمتزج فيها الخوف بالذهول في الغالب وكل ذلك بينما ما توقعوا حدوثه لا يقع قط. ومع أن تلك الضربة كانت أروع من أن تُعيب ظنوا جميعا أن الصبي استنفذ كل طاقته بل ربما استمد طاقة الحياة في قلبه لتنفيذها وفعله ذاك كان لأنه شعر بالغضب نيابة عن سسيّده ألم يكن والدهم. متخلصا من الكذبة البيضاء التي قيلت تيقن وي أن الصبي قد أفرغ ما في جعبته ولكن الأمر لم يكن كذلك.
أربعة أشخاص لم يتقدموا حتى للقتال العجوز لو وأخوه لاو والصبي الذي بعث في نفس وي رهبة لم يستطع سيد الطائفة بثها قط وأصغر الصبية الذي كان يراقب كل شيء بفضول عارم. تقدم آخرون بغير خوف وسرعان ما علم وي أن ثمة سببا لذلك. أول من أذهله هو الصبي الذي ضرب بالسيف فلم يكن وحده غير مستنفذ بل إن وي خشي أنه بالكاد استعمل أي طاقة وهو يتقدم عبر الظلال ويشهر سيفه مرة أخرى. شعر وي بطاقة سيف متجاوبة تضيء رؤيته الخاصة فقد رأى سيافين يلوحون بطاقة السيف من قبل غير أنها لم تكن هكذا أبدا غريبة بحق.
بدا هجوم الصبي مسارعا ومتوقفا في آن واحد وقبل أن يستوعب الأمر طار رأس آخر في حمام من دم. وإلى جانبه مباشرة خطت فتاة تبدو في عمره ترتدي قفازين غريبين متجاوزة ظله لترحب بالمهاجم في خاصرته. انحنت تحت ضربة النصل وأرجعت قبضتها إلى الأعلى صوب فك الرجل. رمق وي برعب الجلد حول العنق وهو يتمزق والرأس وهو يرتد للخور إلى الوراء حتى حاذى الظهر. تهشم العنق ومات الرجل في الحال.
وإلى جانبها بقليل كان صبي أكبر سنّا بقليل يمزق ورقة ظنها وي في البداية تعويذة غير أنها لم تكن كذلك. فلم يكن ذلك الصبي مزارعا بل كان شامانا. اندلعت ألسنة لهب براقة بلون المرجان من هالة فوقه وأمطرت نارا بدا إطفاءها شبه مستحيل. دفعت الأربعة الذين همّوا بضربه إلى الخلف بل وأضرمت النار في أحدهم لترديه قتيلا ببطء. أما الفتاة أو المرأة على أقصى اليسار فضربت آخرهم وبأقسى طريقة ممكنة.
لم تكلف نفسها عناء المراوغة او الصد بل تلقت أربع هجمات كان كل منها ليكفل طريح الفراش أسابيع لوي وتفضلت عليها مطيحة برجلين حتى الموت بقبضتيها فحسب. ومع ذلك لم يكن أبشعهم أيا منهم بل الفتاة الصغرى التي توسطت خلفهم جميعا. وكلما رفعت إصبعها برفق اندلعت خيوط من الظلال والتفتت حول الشخص ليصرخوا حتى تتمزق رئتاهم حين تحفر الخيوط في لحمهم كآلاف الإبر ممزقة إياهم من الخارج إلى الداخل.
لقد كان الأمر قاسينا بطرق تناقض كل ما تعلمه وي يوما ومشاهدة كل ذلك تتكشف تركته بين رهبة ويأس مطبق. لقد كان على الأقل ضعفي عمر أكبرهم سنا وحتى لو وجد منه مئة فإنه شعّر بأن أولئك الصبية جميعهم يستطيعون هزيمته بسهولة تساوية. أفاق لرشده على حين غرة ولابد أن جين لي أدرك أنهما لا طاقة لهما بالبقاء فاستدار هاربًا ولكن قبل أن يتمكن وي من تحذير الجماعة ظهر ذلك الصبي من الخلف أمام جين لي وشده من شعره وركله خلف ركبته وجره راكعا نحو العجوز لو.
وحين دفع جسد جين لي الهزيل المرتجف مع أنه ما زال حيا أدرك وي أن الجميع قد ماتوا. ثلاثون ثانية. استغرق الأمر أقل من ثلاثون ثانية لحل ما أرّق وأصدقاءه أشهرا. ولم يبدو أن الأمر استهلك أي جهد بل بدا معظم الصبية في غاية الملل مما فعلوه لتوهم وكأنها أبسط الأمور في العالم. من بحق الجحيم هؤلاء البشر. لم تكن هناك أي سبل لكونهم عائلة منعزلة تسافر نحو بحيرة القمر من أجل الفرص.
غير أنه لم يتعرف على أي من الفنون التي نفذوها ولم يبدُ أن ثمة جوانب توحدهم بل بدا وكأنهم عباقرة أساسيون لطوائف مختلفة تماما وقد اجتمعوا لسبب ما. إلا أن... الأمر لم يكن كذلك. بدا أنهم جميعا يعبدون ذلك الرجل المدعو لو تشي فأول ما فعلوه فور انتهاء المعركة هو التقدم نحوه. لا انتظر ماذا يفعلون تساءل وي. فنغ ألم نبط لك أن تغطي عيني السيد.