الفصل 205 ما فوق القمة (إحدى عشرة)
على بعد نحو اربعة استدرات من القلعة، او يزيد قليلا، اضطررنا حقا الى اخراج حبل، وتهوسيته بالطاقة الداخلية، ثم ربطه حول انفسنا كيلا نضل الطريق. كلا، انا جاد. تعذر رؤية اي شيء تماما. بالنسبة لي وللاطفال على الاقل. ظهر بطل غير متوقع مع ذلك، ورغم انني اردت ان يتصدر لونغ تاو المشهد ويسحبنا وحسب، فقد تطوع ريس. متحاملا بعض الشيء وقلقا بعض الشيء، قررت ان اكون الثاني في الطابور لمجرد القدرة على التوقف فورا ان حدث خطوت ما غير متوقعة.
وهكذا، بدأنا نسخة ابطأ بكثير من صعود كان شبيها بالزحف من الاصل. توبة نصوحة.
ما ان نعبر هذا الجبل اللعين، حتى اشرع في الصراخ "توبة نصوحة"
حتى يسمعني العالم اجمع. لقد اختبرت الكثير من الامور السيئة في هذا العالم، لكن هذا، وبحق، هو ما جعلني اشعر بالعجز التام. لا تزال الطبيعة الام عصية على الترويض هنا ايضا على ما يبدو، على مستوى التدريب هذا على الاقل. تحركنا بسرعة نصف ميل في الساعة تقريبا، ان حدث وتحركنا، متوقفين مرارا وتكرارا كلما صادفنا قدما او قدمين من الثلج وكجب علينا تدريجيا اما اذابته او ازاحته بالرفا.
وحين استحالة مواصلة التقدم اطلاقا بسبب هبوب رياح عاتية بشدة، كنا نكتفي بالانحناء في مكاننا، وسحب اسمك "اغطية"
امتلكناها، واستخدام فن النجاة عليها، ثم... الانتظار. وفق الاتفاق السابق، كان ريس يتوقف وينتظرنا ان عثر على ملجأ ممكن مبدئيا، وهو ما فعله على مسافة ستمئة وخمسين ياردا تقريبا. كانت فتحة صغيرة نوعا ما، منحوتة في جانب الجبل، وبمساحة تكفينا جميعا لنرقد متراصين فوق بعضنا. جلست لايت على حجري واستغرقت في النوم فورا، بينما اندمج شي زاو وداي شيو معا تقريبا وناما هما الاخرى.
جلس لونغ تاو على الحافة تماما وبشرع في التدريب فورا، كما لو كان في نزهة عادية، بينما اشعلت وان لان نيران صغيرة لتغلي بعض الارز.
سألت محاولا بدء محادثة: "ان لم يكن لديك مانع، كيف تشق طريقك وسط هذا كله؟"
اجاب: "بمزيج صغير من التعاويذ".
كانت لايت محقة الى حد ما، اذ حمل صوتا عمقا غريبا يجذب الانتباه، حتى لو لم ترغب في منحه إياه.
"تعويذة تستطلع التضاريس في نطاق ميل، واخرى ترسل حزمة صغيرة من الطاقة في اقصر مسار ممكن فوقها الى الطرف الآخر، والثالثة تنقل تفاصيل ذلك المسار إلي".
"اوه، رائع. هل هذا شيء تعلمته ام...؟"
قال: "لا. اقصد، ان التعاويذ الفردية موجودة على الارجح بشكل او باخر، لكن معظم الشامانات يبدؤون في مرحلة ما بصياغة كلماتهم الخاصة. نبدأ عادة بقالب مألوف ثم نبني عليه. لقد علمني اري... هو، امم، علمني مبادئ البقاء على قيد الحياة. ومما يدعو للدهشة انه فعل ذلك للغابة فقط وليس للجبال المغطاة بالثلوج. رغم انه يبدو منطقيا باثر رجعي".
سألت: "ماذا ستفعل في مدينة سيلفركريست؟"
كنت فضوليا تماما، في الواقع، لمعرفة ما يفعل الفتى... حسنا، لم يكن فتى حقا، بل شابا في العشرينيات من عمره بالفعل.
"... لا اعرف".
حنى راسه الى الاسفل فجأة، مغمسا اصبحه في التراب وراسمأ شيئا ما.
"اقترحت الشامان ليليا اشياء قليلة، لكن... تبدو جميعها فارغة".
"كيف ذلك؟"
قال: "... ظننت انني احارب من أجل شيء حقيقي. وانني، رغم خيانة مسقط رأسي، افعل ذلك لاسباب صحيحة. وان افعالي مبررة. لقد قتلت سبعة شامانات آخرين اثناء عملية الهرب والافلات من المطاردة. سبعة. كان يجب ان اعاد الى الوطن، واقطع اربا، واشنق علانية، لا ان امنح فرصة اخرى للحياة".
امم. صحيح. لقد طبع النظام بوضوح ان الفتى يعاني من اكتئاب سريري. بصراحة، ليست لدي أدنى فكرة عن كيفية مساعدته.
بعد موت ياس، سقطت انا ايضا في اكتئاب جامدي لم اخرج منه حقا، فقد قضيت السنوات المتبقية قبل مجيئي الى هنا في حالة "الغيبوبة الوظيفية"
هذه، وما اخرجني منها في النهاية كان الموت حرفيا والمجيء الى هنا. رغم تعذري عن مساعدته، استطيع التعاطف معه على الاقل.
قلت: "انا لا اعرفك. واعرف قواعد موطنك بدرجة اقل. لكن... اختارت ليليا ان تمنحك تلك الفرصة للحياة، وانا اثق في حكمها بما يكفي للاعتقاد بانك تستحقها. لذا، حتى ان كنت لا ترى انك تستحقها، فثق بها هي ايضا".
قال: "شكرا. لكن... لا بأس. لا داعي لأن تحاول مساعدتي. بل سأساعدك انا على عبور الجبل، ومتى صرت آمنا، تستطيع... تركي".
"..."
نظرة عينيه كانت نظرة غياب. كنت اعرفها جيدا، فلقد حدقت فيها في المراة لا تحصى. انه هذا التعب الذي يبدو انه يأتي من لا شيء ويستمر رغم كل شيء. انتهت وان لان من اعداد الارز وسكبت لنا نحن الاربعة وعاء. استدار لونغ تاو وانضم الينا، مطلا النظر الى ريس بحدة لبرهة قبل ان يشيح بنظره.
قال فجأة، لتعتصر الكلمات قلبي كما لو كانت بأصابع: "لا اظن ان العبور سيكون بهذه السهولة".
اوه، كم امقت تنبؤاته المشؤومة.
استوعب ريس الامر على نحو آخر قائلأ: "اتشكك في قدرتي؟"
تجاهله لونغ تاو تماما، منتقلا بنظره نحوي.
قال: "لقد كان الطقس هنا يزعجني طوال الايام القليلة الماضية. انه... شرس للغاية".
قلت: "انه جبل".
كرر كلامه: "نعم. لكنه يظل مجرد جبل. الرياح تشبه خناجر حادة تقطع اغشية الطاقة".
واضاف المعلم وهو ينهي الاوعية: "الرياح لا تفعل ذلك".
عبست وان لان وسألت: "اتظن ان احدا يفعل ذلك عمدا؟"
اجاب بغموضه المعتاد: "امم. على الأرجح ليس «عمدا». ومع ذلك، سيكون العبور... ممتعا".
انكمشت الما وجعلت حواجبي ترقص بينما احدق في شفتيه اللتين ترتسمان بابتسامة خفيفة.
قال ريس فجأة وبصوت يحمل اثرا نادرا للمشاعر: "لا تستمع الى هذا الفتى. ليس في هذا المكان أي شيء غير طبيعي على الاطلاق، لا اكثر من اي مكان آخر. ان سلسلة الجبال باسرها موطن لبعض اسرع الرياح وكانت كذلك لفترة طويلة. انها الطبيعة الخاصة لهذا المكان فحسب".
قلت: "مم. صحيح".
ليتني استطيع وثوقه، كم اتمنا لو استطيع تصديق ما يقوله. لكن لا.
ان كان لونغ تاو يقول ان شيئا ما «ممتع»، فيمكنك المراهنة بكل ما تملك على انني على وشك ان اتصبب عرقا.
اما السبب؟ انا متأكد تماما من قدرته على التخمين على الأقل، لكنه لبعدم تصريحه المباشر... لقد التقطت اشياء عدة خلال العام وما زدت قضائه مع العجوز المسخ. عندما يتعلق الامر بتهديد حقيقي لحياتي، فهو لا يبدو غامضا على الإطلاق بل يكون استباقيا تماما في تحذير.
عندما يتعلق الامر بشيء «سيهزنا»
فحسب ويكون «ممتعا»؟
أجل. انه يستمتع برؤية رد فعلي تجاه رؤيته اكثر من سماع سردي له.