نهضت كلارا ورفضت أن تُلقى عليها المواعظ من علٍ. ظلّ وارن يُحدّق من النافذة متجنّباً نظراتها.
قالت: "دعني أتأكد من أنني أفهَم. لقد اكتشفنا للتوّ شيئاً بشعاً مدفوناً تحت سطح قضيتنا، والذي ربما قصد موكُّلنا كشفه في الأصل، وفكرتك هي أن أذهب لمعاينة السجاد عوضاً عن ذلك لأنك قررت أن الأمر خطير للغاية؟".
تنهّئ كأنه يتعامل مع طفل نزق.
فقال: "أفضل ببساطة أن تبقي حيّة".
ردت: "إذن نحن متفقان، لأنني أرغب في ذلك أيضاً. لكن لا يحق لك تقرير هذه الأمور نيابة عني يا رايتون".
سأل وهو يستدار لمواجهتها: "لا يحق لي؟ يا كاسويل، أنا وريث دوقية. أجيال من أجدادي خدموا أركاديا بالعرق والدماء. أنت عامّية بلا بيت أو أرض أو حماية سوى حسن نوايا أمثالك. إذن نعم، يحق لي، وحريّ بك أن تستمعي إلى من هم أعلى منك و—".
توقف وهو يُحدّق في يده على حافة النافذة. لم تقل كلارا شيئاً.
قال ببطء كأنه يجادل نفسه: "كان هذا صحيحاً. كل كلمة قلتها الآن صحيحة. فلماذا أشعر هكذا إذن؟".
لأنّ هناك من دفن تحتك ويعرف عالماً مختلفاً. تساءلت عمّا سيحدث لو نطقَت بذلك بصوت عالٍ. أسيُمسح ذاكرته؟ أرادت قوله. لكنه كان ألبونيّاً، وله ذكريات حياة بأكملها في هذا العالم وتاريخ عائلي من الولاء للكنيسة. لم يكن هذا أمراً يمكنها إلقاؤه عليه هكذا. هذا بافتراض أن الكون سيسمح له من الأساس بسماعها.
قالت: "لا أستطيع إنكار أن لديك رتبة وأنني عامّية".
وإن كنت أتمنى عكس ذلك أحياناً.
"لكن كما أوضحتَ بإيجاز شديد، لست في خدمة أحد، وليس لدي روابط رسمية بأي بيت نبيل — وسواء أكان بيت فون رينيا أم بيت ألبوني. سأتخذ قراراتي بنفسي. إذا وضعتني خياراتي في خطر، فهذا أمر سيترتّب عليّ التعامل معه وحدي".
"لكن لماذا؟ لماذا تصرّين على تعريض نفسك للخطر؟ ليس الآن فحسب، بل من قبل أيضاً. حتى مع كل تحذيراتي، ذهبت إلى العاصمة وحدك في ذلك اليوم".
فكرت في عدة طرق للرد على ذلك، معظمها غير لطيف. أصبح الأمر مألوفاً أكثر من اللازم، ولم تكن شخصية البطل المتعجرف هي النمط الذي تقدّره.
"لأن مواجهة الخطر جزء من الدفاع عما تؤمن به. لا أطلب منك أن توافق على خياري، بل أن تقبل فقط بأنه خياري لأتخذه. أم أنك من أولئك النبلاء الذين يفضلون حبس من يجدونهم مثيرين للاهتمام داخل قفص ذهبي وحرمانهم من حياتهم؟".
انتفض وارن.
"ليس هذا... ليس هذا ما يعنيه الأمر".
"إذن ما هو؟ لأنك تتصرف بغرابة منذ أسابيع، وقد منحتك مساحتك، ولم تصلح هذه المساحة أياً ما كان هذا الأمر. لذا، انطق بما في الصمت".
صمت طويلاً لدرجة جعلتها تظن أنه سيتقوقع في إحدى إجاباته المقتضبة الخالية من المعنى.
قال أخيرًا: "كنا لنفقدك. عندما سيطر سحر ليوفريك. ظلت أفكر... لم تكوني تحركين ساكناً، ولم تقل لي الدوقة ما كان ذلك السحر الأسود، بل اكتفت بالقول إنه سيء. وقفت هناك عاجزاً، وظننت أنك ستوتين أمامي".
"كما ترى، ما زلت هنا يا رايتون".
قطب جبينه وعدّل أكمامه.
"أنت لا تفهمين. عندما تصوّرت الأمر — موتك — انتابني شعور بالخطأ فادح لدرجة لا يمكنني وصفه بالشكل المناسب. إنه أمر مزعج للغاية، وبصراحة، كنت أحاول منذ ذلك الحين تحديد الخلل في داخلي وإصلاحه على الفور. لكنني فشلت حتى الآن، لذا أفضّل عدم تكرار تلك التجربة".
نظرت كلارا إلى عينيه المتعبتين، فرأت نفسها. كم ستشعر بالوحدة الآن، لو أن وحش ليوفريك قتل وارن؟ قتل الشخص الوحيد الآخر الذي كان يعرف حقاً من تكون، خارج هذا العالم؟
قالت مخففة حدة صوتها: "أستطيع التعاطف مع سبب تصرفك بهذه الطريقة. لكن القلق لا يمنحك الحق في السيطرة على حياتي".
لم يقل شيئاً. وضعت يدها على كتفه.
"يا رايتون، أنا ذاهبة إلى أ مكان. سأقاتل من أجل ما أؤمن به، نعم، لكنني تعلمت درسي من ليوفريك. أنا أوافقك الرأي جزئياً في الواقع — ما كان لي أن أذهب إلى أليسيا وحدي حينذاك. ولن أكرر هذا الخطأ. أنت على حق عندما تقول إن افتقاري للرتبة يجعلني أكثر عرضة للخطر، وأنا أخذ ذلك بعين الاعتبار في قراراتي. لقد طلبت من اللورد كونراد مرافقتي اليوم، أليس كذلك؟ لدي أيضاً الليدي إيريس لدعمي، والبروفيسور موريس، وإما. ولدي حتى مدّع عام حسن النية لكنه لا يُطاق أحياناً يحوم حول كتفي كلما انحنيتُ فوق حاجز. أود القول إنني محميّة تماماً، لذا يمكنك التخفيف من قلقك".
أغمض عينيه وفكر طويلاً.
"من الجيد أن تدركي حماقتك السابقة على الأقل. أما بالنسبة للوضع الحالي... فقد أثبتّ أنك عنيدة بشكل مزعج".
قالت كلارا: "أنكر تماماً أي ادعاءات بتطابق هذا الوصف معي".
انطلقت ضحكة خافتة، تلتها فترة من الصمت. نظر من النافذة مجدداً، ثم عاد بنظره إليها.
"ما زلت أعتقد أن حساباتك للمخاطر معيبة، وأن قرارك متهور. الأفضل أن تسمحي لي بأن أكون واجهة الدفاع، حتى لو استخدمنا أفكارك. لا داعي لتعريض نفسك للخطر بطيش".
"اعتراضك مَسجَّل".
أومأ ببطء.
"ومع ذلك، أقبل بأن الخيار لك وحدك".
قالت: "جيد. شكراً لك. أعتقد أن هذه هي اللحظة التي اعترف فيها بأن لديك قدراً من البراعة في صياغة الحجرة للنبلاء بحيث يمكنني تعلم شيء منه. قليلاً".
"طبيعي. ولمعالجة ادعاءاتك السابقة".
ضيق وارن عينيه.
"أحوم؟ أنا؟ هذا سخيف ولا أساس له على الإطلاق. لن أنزل بنفسي إلى هذا الحد..."
تنحنح وتوقف، واهتزت زاوية فمه.
ابتسمت ساخرة: "من الجيد أن أراك تجادل مجدداً. لا أريد منك المشي على قشور البيض لمجرد قلقك بشأني يا رايتون".
سخر قائلاً: "أتقولين إنك تشتاقين للإهانة يا كاسويل؟".
"أقول إن هناك شعرة معاوية بين الثقة والتكبر، وكنت تتجول مؤخراً في الجانب الخاطئ منها".
عقدت ذراعيها.
"لا أمانع الغطرسة ولا المزاح. سأقبل يقينك الذي لا يُطاق أي يوم على شخص ينهار في اعتذارات بمجرد أن ينظر إليه أحدهم نظرة جانبية. ما لن أقبله هو معاملتي بتعجرف. أريد أن أُعامل بالاحترام الذي يستحقه الند".
ردد: "ند".
وهناك ظهرت ابتسامته القديمة، باهتة لكنها ماكرة بوضوح.
"حسناً جداً. في هذه الحالة، لن أمنعك من التخبط في نظرياتك الشائنة غداً، إن كانت تلك رغبتك. التدخل لإنقاذك من نفسك عندما تنفصلين تماماً عن الواقع سيكون تمريناً فكرياً ممتعاً بالنسبة لي".
ضحكت كلارا، وضحك وارن معها. ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الدفتر الذي أعطاه إياها بيدرو.
"بالحديث عن المحاكمة، بما أنك لم تعد تتصرف كأحمق، فهناك شيء يجب أن تعرفه".
كان صباح اليوم الثاني أشد حرارة من سابقه، وتأسفت كلارا لافتقار "بازيليكا أداليت"
إلى بلورات التبريد. حين اتخذت ووارن مقعديهما على الأريكة اليسرى، كان جوستان قد استقر بالفعل في قفص الاتهام، يبدو في أبهى صورة بزيّه الأرجواني والأحمر الجديد. كان وقوراً، ظهره مشدود وعيناه شاخصتان، لكنه لم يبدُ عليه التوتر. طرق الكاتب الأرض ثلاث مرات، فساد الصمت في القاعة، ودخلت الأميرة ميخائيلا، ورداؤها الأخضر يجر خلفها. صعدت إلى الأريكة، رتبت تاجها وطرحتها، ثم نظرت مباشرة إلى جوستان.
أعلنت بنبرة أكثر ثقة من الأمس: "انعقدت محكمة السلطان-باسيلوس الآن. أيها الأمير جوستان، هل عثرت الدعوى على الأمير سليم؟"
نهض جوستان وانحنى: "نعم، أيتها القاضية الموقرة. ينتظر الأمير سليم في الخارج، وسيمثل أمام محكمتكم بإشارتكم."
"إذن ليحضر."
ضرب الكاتب ذو اللحية عصاه بالأرض.
"تستدعي القاضية الأمير سليم، ابن الدم الإمبراطوري، ربيب الإنكشارية، العليم بشؤون الإدارة، ليدلي بشهادته!"
خطا سليم عبر الأبواب مرفوع الرأس. كان رداؤه الأرجواني يلامس الأرض، وعمامته أضخم من عمامة جوستان، يعلوها ريش أحمر. ارتسمت على طرف شفتيه لمحة اشمئزاز، كأنه أُرغم على فعل ما هو دون مقامه بمجيئه إلى هنا. ألقى نظرة عابرة على جوستان، ثم على كلارا ووارن، وأخيراً على المنصة. حين بلغ وسط القاعة، لم يسجد، ولم ينحنِ حتى.
قال: "ميخائيلا."
ساد صمت مطبق. انقبض وجه جوستان، وتبادلت كلارا نظرة مع وارن. أوه، ستكون هذه جولة ممتعة.
رفع الكاتب صوته: "عليك مخاطبة القاضية بـ..."
لوح سليم بيده رافضاً: "أعرف تماماً كيف تُخاطب القاضية. لكن القاضية حاكم ذو مقام، تُثبته خدمته للإمبراطورية. أختي طفلة، تلعب بالرداء لأن الوالد أراد إشغالها. قد يميل الأمير جوستان لمجاراتها، لكن لا تتوقعوا مني ذلك. الأجدر بها العودة للعب مع قططها، بدلاً من التعامل مع شؤون الدولة."
انكمش كتفا ميخائيلا، لكنها لم تنهزم.
قالت: "أرسلت رجلاً ليكذب عليّ."
رد سليم: "وماذا في ذلك؟ حين تكون المسألة دون اهتمام أصحاب الدم، نفوّض غيرنا. تسمم تاجر توابل مسألة تخص التجار والقضاة، لا من هم في مقامي."
ضيقت ميخائيلا عينيها: "هل ترفض سلطة المحكمة؟"
"أي سلطة؟ ما تسمينه محكمة، أسميه مهزلة."
جاء صوت عميق من الأعلى: "مهزلة؟"
سجد سليم على الفور. ركع الجنود جميعاً دفعة واحدة، وانحنى جوستان وميخائيلا بعمق. ثم فعل وارن الشيء نفسه، وشدّ كمّ كلارا. فتبعتهم. تعالت أصوات تحرك الحضور في الشرفات، للأسباب ذاتها على الأرجح. كان الصوت قد صدر من مكان عالٍ في الجدار، من موضع ظنت كلارا أنه مجرد شبكة زخرفية. لوح طويل من الخشب المنقوش، مثبت في الحجر فوق منصة القاضية وخلفها.
قال الصوت: "انهضوا. جميعكم باستثناء سليم."
وبالنظر إلى الهيبة التي يفرضها هذا الصوت، لم يكن ليخص أحداً غيره. انتصبت القاعة بأكملها في حفيف ثياب واحد. بقي سليم وحده ملتصقاً بالأرض، عمامته مائلة، ويداه مسطحتان على السجاد. الآن وقد سُمح لها بالنظر للأعلى، ثبتت كلارا بصرها على اللوح العالي. لم ترَ شيئاً من خلاله، وهو ما توقعت أنه الغرض. صُمم المكان كله بحيث تشعر بوجود السلطان-باسيلوس دون أن تراه قط. مما يعني أنه قادر على اختيار مراقبة محكمته وقتما يشاء، وسيبقى ظله ملقى على الجميع حتى في غيابه.
هل كان يراقب طوال الوقت؟ يا للهول، هل رآني ألقي تلك الدعابة بالأمس؟ سالت قطرات العرق على جبينها، ولم يكن الحر وحده السبب.
"سليم."
جاء صوت سليم مكتوماً بفعل السجاد: "جلالة الإمبراطور. يا والدي، لم أكن أعلم أنك... لو كنت أعلم أنك تشرّف المحكمة بـ..."
"لم تكن تعلم بوجودي، لذا تصرفت كما تتصرف في غيابي."
وقفة قصيرة، وئيدة ومثقلة.
"سلوك المرء حين يظن نفسه غير مراقب هو مرآة للحقيقة الكامنة في داخله."
لم يقل سليم شيئاً، وكانت كتفاه ترتجفان.
تابع السلطان-باسيلوس: "وصفتَ محكمتي بالمهزلة. أخبرني يا سليم. من ألبس أختك هذه الأردية؟"
"...أنت يا والدي."
"أنا. فإذا سمّيتها مهزلة، فأي سلطة تستهزئ بها؟"
لم تشتد نبرة الصوت، وهذا ما جعل الأمر أسوأ من أي صراخ.
"رُبيتَ بين الإنكشارية لتتعلم معنى العبودية، ليس لي، بل للإمبراطورية. لقد استوعبت ميخائيلا هذا بالفعل، في مثل سنها، ويبدو أنك فشلت في إدراكه رغم كل ما حظيت به من وقت للدراسة. أو ربما عرفته يوماً، ثم أدركك الركون مع تقدم العمر."
نظرت كلارا إلى ميخائيلا وجوستان بينما كان والدهما يتحدث. كانا قد تجمدا، عيونهما شاخصتان إلى اللوح العلوي ورؤوسهما لا تزال مائلة قليلاً للأسفل. كلهم يخشونه.
ضغط سليم جبهته في السجاد أكثر: "أنا، أنا أشعر بخجل شديد. ألف اعتذار لك يا والدي، وللقاضية الموقرة ومحكمتها."
قال السلطان-باسيلوس: "تابعوا الإجراءات."
ضرب الكاتب عصاه خمس مرات.
"وهكذا يقول قسطنطينوس مراد، السابع من اسمه، سلطان-باسيلوس إمبراطورية بيزوتومان، سيد إسطنبول، وأب الدم."
مال وارن نحو كلارا: "مع مخاطرة تكرار نفسي، ربما استخففت بمدى دقة هذه المحاكمة. أثق أنك تدركين تبعات حضور جلالة الإمبراطور."
أومأت كلارا. كان السلطان-باسيلوس حاكماً مطلقاً، يتمتع بسلطة شبه كاملة على الإمبراطورية.
لم يشارك أحداً في الحكم، ولم يكن مضطراً لمساءلة أحد، كانت هناك "أمّ الكنيسة"، لكن الحكومة هي من تقرر متى تستدعيها.
أيّاً كان ما سيأتي تالياً، سيكون اختباراً لبراعتهم.