الفصل الخامس من القسم الثالث: العون يا سيّدنا تأمّل الملك جيرالد قاعة الاحتفالات الفخمة الماثلة أمامه. رجال وسيمون ونساء حسناوات يتزينّ بأحدث الأزياء العصرية التي يمكن للمال شراؤها. ألوان براقة تتبدل درجاتها مع كل التفاتة، وأكفان منتفخة لا تقارن بحجم قبعات مررتها وتنانيرهم الضخمة، ومشاشد مسحورة تقلّص الخصور إلى مقاسات شبه مستحيلة... حقّاً، كانت هذه النخبة من النبلاء تتمتع بذوق رفيع.
لكن رغم حشود الحاضرين والنبيذ الذي يتدفق بسخاء، ظل فم الملك مشدوداً في خط رفيع. لقد كان مستاءً. من بين الذين دعاهم إلى هذه المناسبة، لم يحضر سوى ثلثيها تقريباً. ثلثا العدد فحسب! كان الأمر بغيضاً حقّاً. من يجسر على رفض دعوة من الملك؟ الكثيرون، على ما يبدو. فبينما ترك كل رعاياه المفضلين وأشهر نبلاء المملكة كل شيء ليلبوا الدعوة طبعاً، لاحظ غياباً ملحوظاً من جانب نبلاء الغرب.
وكان يسهل رصد القلة التي حضرت بسبب ملابسهم البالية الأقل بهاءً. ارتدى كثيرون منهم أزياء عسكرية أو لباساً رسمياً بسيطاً، وكأن الأمر اجتماع هام أو جنازة لا مناسبة بهيجة للاحتفال والمرح. لقد كانوا منفصلين تماماً عن الواقع. وكأنهم لا يأبهون بما يراه البلاط في أمرهم. حتى مواقفهم كانت كئيبة. بدا أنهم لا يستمتعون بالطعام أو الشراب، بل يتعاطونه كأنه ضرورة لا مفر منها. وكادوا لا يرقصون أبداً.
وعمد النبلاء الأكثر تحضراً إلى تجنبهم، خشية أن يبهت بريق أزيائهم الزاهية بسبب تلك الغمامة القاتمة التي تحيط بهم. لحسن الحظ، بدا هؤلاء النكدون راضين تماماً بالانعزال بأنفسهم. فراحوا يتجمعون قرب أطراف القاعة، ويتبادلون أطراف الحديث بهدوء. لم يشعر جيرالد بمثل هذا الإهانة قط. فقلة الحضور كانت سيئة بما يكفي، لكن تصرفات هؤلاء النبلاء شكلت إهانة صريحة. لم يتظاهروا حتى بالحماس أو الاستمتاع بأوقاتهم.
ونظراً لمدى جحودهم الواضح لضيافته، فقد شعر بصدق أنهم أسوأ جرماً حتى من أولئك الذين لم يحضروا البتة. قبض كفه بغضب. وفي ذهنه، كانت مسودات رسائل لاذعة للعائلات تُصاغ بالفعل. ربما يكتشف البعض أن أعداءهم باتوا يحظون فجأة بقدر أكبر من الحظوة والنفوذ مقارنة بما سلف. بينما سيُجرد آخرون من ألقابهم تماماً. سيتيح له ذلك منح المزيد لأنصاره الأكثر وفاء. وهناك عديد من نبلاء الطبقة الدنيا ممن بدو مبهرين للغاية وكانت تذوقهم للنبيذ رفيعاً.
ولا شك في أنهم سيؤدون دوراً أفضل في حفظ صورته في الغرب مقارنة بهؤلاء الحمقى. وإن اشتكى أحد... حسناً، سيجد مستشاروه أسباباً إضافية لتبرير أفعاله. فهم يفعلون ذلك دائماً. جرع الملك آخر قطرة من نبيذه. وظهر خادم عند كوعه وبدأ يعيد ملء الكأس قبل أن يكاد يلامس مسند عرشه. فأشار إلى الموسيقيين ليعلمهم برغبته في أغنية مختلفة. شيء أكثر حيوية ليحارب مزاجه العكر.
"لست عروساً لمارس، ولا أسيرة لاسم فيستا، لكنني حملت البارحة سيف الحديد والنار. لا تحدثني عن القدر أو عن الحق والباطل، بل ضمني إليك حتى أستعيد قوتي."
أومأ برضا. تدل الكلمات على أن الأغنية لم تكن رفيعة المستوى تماماً، لكن ذلك كان مغفوراً. كان اللحن جذاباً للغاية. حتى إن جيرالد وجد نفسه ينقر بقدمه على وقع الإيقاع مع استمرار العزف.
[تم الاستيلاء على ممر كورواين بواسطة ائتلاف أور-ثراك مار!]
شقّ صوت ضربة قبضة الملك على عرشه أرجاء الغرفة. انتشر الصمت فيها كالموجة. الموسيقى، والمحادثات، وقرقعة الكؤوس... لم يحرك أحد ساكناً. صكّ جيرالد على أسنانه. ذلك الدوق اللعين. بعد كل ما فعله لأجله، وكل التساهل الذي أبداه معه، وكل الفرص لتصحيح الأمور وتحسين مكانته... كان هذا جزاءه. لم يكن جيرالد يعير الشؤون العسكرية اهتماماً يذكر. لم تكن تعنيه، وكان يرى تركها لمستشاريه أفضل.
ومع ذلك، فحتى هو كان على علم بممر كورواين. كان موقعاً محصناً لدرجة تجعل صموده ممكناً إلى الأبد ولو أمام قوة صغيرة. كان أحد أنماط الحراسة الأسهل والأكثر أماناً لجندي يُنشر في المملكة. أما أن يسقط... كانت هذه خيانة. واضحة وبسيطة.
قال محذراً: "الدوق ريدكليف..."
صرير ساق كأس نبيذه بخطورة بين قبضته.
"هل هناك ما يُقلق، جلالتك؟"
تقدّم رجل بخطوات من بين الحشود الصامتة. كان يرتدي ملابس أنيقة في معطف أزرق زاهٍ، تتلوى على سطحه تطريزات فضية. تتناقض قبعة حمراء لافتة للنظر مع ملابسه بأناقة تعكس فهماً واضحاً للموضة الحالية. برزت من أعلاها ريشة فضية ضخمة لطائر لا شك في ندرته وثمنه الباهظ، لتضيف ما لا يقل عن قدم واحدة إلى قامته الإجمالية. خلع الماركيز موروزوف قبعته وانحنى بعمق، مبتسماً بوداعة.
"ربما يمكنني المساعدة."
بدأ النبلاء يهمسون دفعة واحدة، كخلية نحل تُطنّ بسبب هذا التطور. كانت أراضي الماركيز موروزوف تجاور أراضي ريدكليف، ولم تكن العلاقة بين الاثنين جيدة تاريخياً أبداً. وخصوصاً إذا ما أُخذ بعين الاعتبار تنافس العائلتين المتكرر في سوق الفضة، إذ كان المعدن النفيس صادراً رئيسياً لكليهما. والأهم من ذلك، أن النبلاء كانوا يحظون لحظوة بالغة لدى جيرالد. كان رجلاً اجتماعياً أبلى بلاءً حسناً في الحفاظ دائماً على صورة الملك المهيبة.
يفعل كل ما يُطلب منه. الأمر بهذه البساطة. نظر الملك إلى الماركيز موروزوف.
"آه، أيها الدوق. حقاً. يخبرني مستشاري مدى تفانيك في النهوض بالمملكة."
مال موروزوف برأسه قليلاً إلى الأمام.
"تُغدق عليّ بمديحك، جلالتك."
كان هذا هو ما يفعله تماماً. لكن الغاية لم تكن إذكاء غرور الدوق. بل كان التأكد من أن المهمة المُسندة إليه ستُصاغ بالشكل اللائق باعتبارها الخيانة التي هي عليها حقاً.
"لكن... يبدو أن الجميع ليسوا بمثل هذا التفان تجاه نوفارا. يبدو أن جارك في ريدكليف قد خانني أنا شخصياً، بل ونوفارا بأسرها."
التوى وجه جيرالد باشمئزاز. أحدث الخبر ضجة واسعة بين الحشود المتجمعة. تباادل اللوردات والسيدات الهمسات بذهول واستهجان واضحين. ولا سيما النبلاء الغربيين الذين بدت وجوههم مظلمة ومتبدلة أكثر من ذي قبل، غير أن جيرالد لم يولهم اهتماماً يذكر.
وافق الماركيز موروزوف: "لا يمكن السماح بحدوث ذلك ببساطة."
"اقبض عليه. فوراً."
أمر جيرالد دون تردد.
"أحضره إلى مثولي ليحيب عن جرائمه."
قوبل أمره بابتسامة بسيطة وإيماءة.
"بالتأكيد، جلالتك. سيتم ذلك. سأستدعي باقي رجالي من الجبهة للقبض على الدوق. وإن كنت ترغب في إنجاز الأمر بأقصى سرعة... فأنا أعرف بعض شركات مرتزقة في المنطقة قد تتمكن من الانطلاق ابتداءً من اليوم."
"نعم، نعم. افعل ما يلزم. فقط تولَّ الأمر. سيقدم لك مستشاريّ كل ما تحتاج إليه."
لوّح جيرالد بيده مبعداً إياه. لم تكن التفاصيل تعنيه. أراد فقط تسوية أمر ريدكليف. بانحناءة عميقة أخرى وابتسامة متمسحة، سارع الماركيز موروزوف بمغادرة قاعة الحفلات. على الرغم من خيبة الأمل لرؤية أحد الضيوف الأكثر شعبية يغادر مبكراً هكذا، كان الأمر معذوراً. فهو يعتني بأمور مهمة، بعد كل شيء. على الأقل هناك من يأخذ أوامره على محمل الجد. أطلق جيرالد تنهيدة قبل أن يرتخي على عرشه من جديد.
الآن وقد عولجت المشكلة، شعر وكأنه يستطيع الاستمتاع بالتجمع مرة أخرى. بدت أصوات المرح تعود ببطء حتى استعاد الحفل كامل زخمه، مع تدفق الموسيقى والنبيذ والمحادثات بحرية. كان موضوع خيانة ريدكليف على كل لسان كأحدث قيلولة في البلاط. قال البعض إنه كان مشبوهاً دوماً. وقال آخرون إنه سيكون مصدر راحة متى ما زال. واتفق الجميع على أن بغض موروزوف للرجل قد أثبت صوابه بشكل تجاوز كل توقعاتهم.
تطلع الملك شوقاً إلى قطف رأسه. *** سار تيبيريوس داخل الخيمة ليجد الدوق ريدكليف في داخله بالفعل. وقف الرجل جانباً، تاركاً المكتب الصغير والكراسي في منتصفها خالية. استدار الدوق على وقع خطوات دخوله وانحنى بعمق.
"الإمبراطور تيبيريوس."
نطق الرجل اللقب وكأن طعماً غير مألوف يقف على لسانه، طعم لم تكن تثبت له محبته بعد. لكن حقيقة استخدامه للقب من أساسه دلّت بوضوح تام على إدراكه لمكانته في هذا الاجتماع. أومأ تيبيريوس.
"الدوق ريدكليف."
خطا حول الطاولة ليجلس بينما تحرك مساعده لوسيوس ليقف خلف كتفه. ثم أشار تيبيريوس إلى أحد الكراسي المقابلة له. مع الحركة، أومأ الدوق واتخذ مقعده. بعد لحظة، انفتح باب الخيمة مجدداً ليفسح المجال لهيئة الشاعر ماركوس الموشحة بالأرجواني والذهبي. انحنى الشاعر بعمق وكأنه يؤكد الطابع الدرامي لدخوله.
"الإمبراطور تيبيريوس! آه، والدوق ريدكليف أيضاً! إنه لمن دواعي سروري أن ألقاكم مجدداً. آمل أن تكون عائلتكم بخير؟"
ابتسم الرجل بابتسامة مفرغة من العداء وهو يتحرك بسرعة ليشغل كرسي الضيف الثاني. أما الدوق، فحافظ على تحفظه.
"إنهم بخير. والأهم من ذلك، أنهم في أمان."
اتسعت ابتسامة ماركوس.
"رائع. أنا مسرور للغاية لأن الأمور قد سارت على ما يرام."
تنهد الإمبراطور في قرارة نفسه أمام حركات الرجل البهلوانية. على نحو ما، خاض في نفسه شعوراً بأنه ينبغي له أن يكون ممتناً. كان ماركوس واحداً من القلائل الذين لم تتغير تصرفاتهم أو سلوكياتهم قيد أنملة خلال اليوم أو اليومين الماضيين. ربما يعود ذلك لكونه عامله دائماً كإمبراطور منذ البداية، بدلاً من كونه ليغاتوس. من ناحية، بدا الأمر راسخاً ومألوفاً. ومن ناحية أخرى... حسن، كان ذلك ماركوس دائماً.
لم تكن لتيبيريوس أي مودّة تجاه الشاعر المتأنق، لكنه أثبت فائدته وولاءه مراراً وتكراراً. وكان هذا الاجتماع بحد ذاته دليلاً على ذلك. تنحنح تيبيريوس قبل أن يقرر ماركوس الخوض في مزيد من الحديث العابر.
"أيها الدوق. لدينا الكثير لنناقشه."
أومأ الدوق ريدكليف.
"بالتأكيد. يبدو أن الأمر كذلك."
"لقد قررت الوقوف إلى جانب روما."
كانت عبارة، وليست سؤالاً.
"نعم."
كشّر.
"على قدر ما أكره الاعتراف بذلك، ليس لدي خيار يذكر في الأمر. لقد أُجبرتُ على اتخاذ هذا القرار بطريقة أو بأخرى—سواء منك أو من... سيدي السابق. حقيقة يبدو أنك واعي لها تماماً."
أطلق تيبيريوس نفخة ساخرة.
"رجل صادق. يمكنني احترام ذلك. بغض النظر عن حماستك حيال الأمر، آمل أنني لن أضطر لتذكيرك بالعواقب إن فشلنا."
"حقاً. لدي مصلحة راسخة في نجاحكم. يبدو أن الطريقة الوحيدة لضمان عدم وصول رأسي إلى المشنقة—والطريقة الوحيدة التي لا تتضمن الهرب من البلاد برمتها على أي حال."
نطق الرجل بالحقيقة. استناداً إلى فهم تيبيريوس للموقف، كان الدوق في ورطة حقيقية قبل أن يقرر الانحياز لجانب روما. قد يكون دعم محاولتهم لغزو نوفارا المخرج الوحيد المتاح أمامه. بالطبع، لم يعنِ ذلك أن الرجل لن يحاول خيانة تيبيريوس لاحقاً. بل على العكس، كان متأكداً تماماً من أن الفكرة ستراود ذهنه في مرحلة ما عاجلاً أو آجلاً، إن لم تكن قد فعلت بالفعل. ولهذا السبب كان سيتخذ الكثير من الاحتياطات ويراقب الرجل عن كثب.
أعلن تيبيريوس: "إذن يبدو أننا متحدون في هدفنا. والآن... يجب أن نناقش مسألة ولائك."