الباب الثاني، الفصل السادس: يسمونها شجاعة أحياناً ما كان تيبيريوس متأكداً أأيشتم كوينتوس لغبائه أم أيمدحه لشجاعته. كان من واجب البايموس بيلوس تقديم القواعد السليمة لبقية الرجال، ويكون منارة للبسالة والتفوق. غير أن هذا؟ أإلقاء نفسه في مثل هذا الهجوم الانتحاري؟ لم يكن هذا مدرجاً في الوصف الوظيفي تماماً. وتجاوز هذا حتى أخطار كون المرء أول الواصلين إلى قمة السور. ولكن، على ما ظن، لا يمكنه اتهام كوينتوس قط بأنّه لان أو ضعف.
راودته الفكرة بطبيعة الحال. وكانت إحدى تكتيكات عديدة جرى النظر فيها للحصار بوجه خاص. غير أنه حتى مع صلابتهم المكتشفة حديثاً، بدت الفكرة عسيرة التسويق بعض الشيء. ومحاولة تنفيذها في سيناريو كهذا... راقب محبوس الأنفاس من برج المراقبة المشيّد عَجَلاً بينما صاروخ بايموس بيلوس الخاص به يشق عباب الهواء، وتسطح ريش خوذه في مهب الريح. تفادى الرامي وابل المقذوفات والتوى في منتصف الهواء، واتسعت عيناه دهشة.
وأذهله ارتباكه فترة كافية لمنعه من تفادي كتف كوينتوس حين اصطدم بصدره. وطارت المنجنيق المصغرة من قبضته عند الاصطدام. أمسك القائد بذراع [الكشاف] في الجواء، واشتبك معه بينما شرعا في السقوط. وكان هبوطهما أسرع بقليل من المتوقع، ولعل ذلك عائد لأي مهارة استخدمها العدو ليبقى معلقاً في الهواء لتلك الفترات الطويلة. غير أن ذلك لم يَعْنِ قط أنه كان بطيئاً. تشابك الاثنان معاً، ووظّف كوينتوس عقود خبرته في ساحة المعركة بينما تلوى خصمه وتأرجح في قبضته كأفعى.
وما كان بوسع القائد سوى التشبث وإبعاد رأس تلك المنجنيق المصغرة عنه. ولم يحظَ حتى بفرصة استلال نصله. اصطدما بالأرض مع نفخة غبار بدلاً من الاصطدام المحطم للعظام الذي توقعه تيبيريوس. وراقب بالقدر الكافي ليرى المزيد من قوات الاحتياط تندفع نحو موقع الهبوط بصرخة نصر لا علاقة للرومان بها. ومن بينهم مجموعة من الفيالق تختص بالتثبيط وإسقاط الوحوش الكبيرة، وفي أيديهم الشباك والحبال.
حول تيبيريوس انتباهه إلى ما تبقى من ساحة المعركة. أُنجز ذلك الخصم. ورغم أنه لم يُخدع بأن الرجل قد هُزم، فلن يهاجم خطوطهم في الوقت الحالي. وإضافة إلى ذلك، فقد وثق بقدرة كوينتوس على تولي أمر نفسه. تقدم أحد كشافه وأدى التحية ببراعة.
"أيها القائد. وصلت القوات المساعدة. ويريد قائدها معرفة المكان الذي ترغب في تواجدهم فيه. أعليهم المساعدة هنا أم التعامل مع بقايا قوات البارون؟"
نظر تيبيريوس إلى المنظر السخيف بصراحة لأربعة مغامرين يواجهون أكثر من ثلاثة آلاف جندي فيلقي روماني. وبلغت أعدادهم من الكثرة حداً يجعلها مضحكة بالفعل، مع أنهم استغلوها بلا شك بالقدر الأفضل الممكن. والسؤال هو: أستحدث خمسمائة إضافيون فرقاً؟ أم سيقف هؤلاء المجندون الجدد في طريقهم فحسب؟ هز القائد رأسه.
"لا. اجعل الكتيبة الثالثة تتراجع لاعتراض الفارين واحتوائهم."
واختار إحدى الوحدات الأكثر تضرراً لإرسالها في أثر الجيش الآخر. ومع ما في المسير من إنهاك، لم يراوده شك في أنه سيعتبر استراحة مقارنة بالقتال الفوضوي أمامه. خصوصاً إذا أخذ بعين الاعتبار سهولة التعامل نسبياً مع جنود البارون العاديين. أدى كشافه التحية إقراراً بينما أشار تيبيريوس إلى إحدى التلال المحيطة بساحة المعركة.
"أما القوات المساعدة... فاجعلها تصطف خلف تلك التلَّة مع أقواس مشدودة. تأكد من اتخاذها مواقعها خلال..."
توقف ليفكر "...ثلاث دقائق."
ابتلع الكشاف ريقه لكنه أومأ.
"حاضر سيدي."
وعليه، اندفع الجندي الفيلقي بعيداً ليجد أحد أخصائيي الاتصالات وشرع في نقل الأوامر على عجالة. وعاد تيبيريوس إلى المعركة ليقيم حالة الأمور. وما زال كوينتوس و[الكشاف] خارج الصدارة، فحول انتباهه إلى مكان آخر.
رقض ما يسمى بـ"المزارعون"
من الكتيبة الثانية فاقدي الوعي على الأرض، وبدوا تماماً كأنهم نائمون. ولربما ظنهم موتى لولا خلوهم من الجراحات وعلو صدورهم وهبوطها بوضوح. واندفعت مجموعة من الرجال لتبعيدهم عن المعركة بينما حاول [ساحر العناصر] في الأعلى إرسال سهام لهب في أثرهم. واستقرت المقذوفات في دروعهم المرفوعة، لتفحمها لكنها عجزت عن إشعالها بالكامل. وظن أن الرجال قد أجهدوا أنفسهم ببساطة. وبدَا صد ذلك العمود الهائل من الجليد عملاً ليس بالهين بالتأكيد.
ومع ذلك، فحتى لو خرجوا من المعركة الآن، فقد أثبتت المجموعة الصغيرة جدواها أكثر مما رجا. وربما يسمح لسبتيموس -أو بالأحرى، كارما- بتدريب رجال إضافيين. إن وجد راغبون. والأفضل من ذلك، بدا أن تضحيتهم أتت أكلها. وبات الساحر يطير منخفضاً أكثر من ذي قبل، والعصا ثقيلة في ذراعيه بينما تارجح في الهواء. ووحي شحوب وجهه الطفيف وقلة تعاويذه النسبية بأنه يشكل خطراً أقل بكثير من السابق.
وترك ذلك خصماً آخر ينبغي التعامل معه: المحارب ذو الدرع الأسود المنيع ظاهرياً ضد أسلحتهم وهجماتهم. وحتى بضع سهام المنجنيق التي أُرسلت صوبه كانت ترتد ببساطة أو تحطمت ضد درعه الشرير. وبدا منيعاً تماماً ضد أي ضرر بدي يمكنهم إرساله صوبه. وطوال ذلك الوقت، واصل شق طريقه وإصابة الرجال مع كل تلويحة بمزرابته.
"أيها الضباط،"
صاح تيبيريوس بحزم.
"أريد أفكاراً. كيف نتعامل مع المحارب؟"
لم يشترك التريبونيون عادة في قرارات تكتيكية كهذه. وتركز اهتمامهم بدرجة أكبر على عمليات المعسكر اليومية وعافية الرجال. ومع ذلك، امتلك تيبيريوس سبباً وجيهاً لالتماس مشورتهم. وبصرف النظر عن القادة الأفراد، كان التريبونيون هم المعنيين أساساً بتتبع مهارات وتخصصات كل رجل. وإن عرف أحد قدرات الأفراد الذين تتألف منهم قواتهم، فسيكونون هم هؤلاء. وعلاوة على ذلك، نفدت أفكاره.
واحتج إلى أفكار جديدة، حتى إن لم تكن صادرة عن تكتيكيين وعسكريين. تتبع ضباط الفيلق نظرة قائدهم قبل أن يعيدوا تركيزهم نحو الرجل ذاته. ولربما كان ذلك لإظهار الاحترام. أو ربما لافتقار معظمهم لمهارة [العين الثاقبة]. وفي كلتا الحالتين، شرعت الأفكار تتدفق.
"لعلنا نجرب ضربه بكبش محاصرة؟"
اقترح أحد الضباط.
"نغرقه. إن استطعنا مناورته إلى مسطح مائي، فأشك في أن ذلك الدرع الثقيل سيجعل السباحة سهلة."
"أو يمكننا حرقه خارج درعه. فإما أن يخلعه ويصبح عرضة للخطر أو ينضج حياً بداخله."
أومأ تيبيريوس مفكراً. ستبدو معظم هذه الأفكار غير عملية أو مستحيلة التحقيق تماماً.
ومثل الكثير منها تنويعاً طفيفاً على استراتيجية "اضربه بقوة شديدة"
التي أخفقت معهم حتى هذه النقطة بكثير.
"علينا محاولة ضربه بإحدى المنجنيقات كاملة الطاقة، لا المصغرة،"
قال ضباط آخر. درس الخيارات بأجمعها لكنه هز رأسه.
"أشك في أنه سمنحنا رمية واضحة بالقدر الكافي. تنطوي هذه المقترحات بمعظمها على ذات أنواع القوى البدنية التي حاولنا مهاجمته بها حتى الآن. وتلك التي لا تفعل ستتطلب منا محاصرته في فخ... وهو أمر لن يكون مهمة بسيطة."
عمّ الصمت المجموعة بينما عملت عقولهم. وأخيراً، تكلم ضباط آخر، وهو أحد تريبونييه.
"حسن... ثمة خيار آخر. لم أكن متأكداً أسينفعان أم لا، لكن بالنظر إلى نجاح المزارعين..."
ابتلع الشاب ريقه بينما تحول انتباه الجميع إليه. وأشار تيبيريوس إليه ليتابع، فبلّل الشاب شفتيه قبل أن يتحدث.
"ماذا لو... بما أن الهجمات البدنية لا تجدي... ماذا لو استخدمنا سحراً خاصاً بنا؟"
* * *
اصطدم كوينتوس بالأرض بارطدام صلب. ونجح اللعين [الكشاف] في الالتفاف فوقه في اللحظة الأخيرة، ليرسل كوينتوس على ظهره. لم يكن الاصطدام قاسياً كما خشي، لكنه كفى لانتزاع الهواء من رئتيه. وتساءل لفترة وجيزة إن كان الحال سيكون كذلك لو أخذ مهارة [التنفس]. طرد الفكرة العابرة من ذهنه، وأمسك بذراع الرامي بينما حاول فك تشابكها وغرس خنجر في خاصرة كوينتوس. ولوى الذراع بحركة صُممت لشلّها إن لم تكسر العضو إلى شطرين.
ورغم ذلك، تلوى خصمه بعنف وتمكن من الإفلات. وتركته النتيجة محبطاً. ومن الواضح أن الرجل لم يتعلم قط كيف يصارع مثلما فعل كوينتوس. غير أنه كان أبراح من القائد وربما أقوى كذلك. وكان الفارق في القدرة البدنية كبيراً بالقدر الذي جعل التقنية وحدها توصلهما إلى طريق مسدود. وشابه صراع [الكشاف] محاولة صراع ثعبان زلق مطلي بشحم الخنزير. ومع ذلك، لم تفعل كل تلك المراوغة سوى السماح للعدو بالبقاء في موقف دفاعي.
ولم تكن لديه دراية تذكر بكيفية استغلال الموقف حين يفلت فعلاً، بخلاف طعن القائد. ولم يسمح ذلك لكوينتوس بلحظة راحة، لكن الأمر كان ليكون أسوأ بكثير. حاول الرجل مناورته خنجره إلى وضعية أفضل بينما صار كوينتوس لنزع سلاحه. وسمع شتمة مدمدمة بينما لُوي ذراع الرجل بغضاضة مؤلمة. وأُجبر على إطلاق النصل، لكنه نجح مع ذلك في تحرير نفسه واللكم بقبضته العارية عوضاً عن ذلك. وامتص خوذ كوينتوس الضربات الواهية التي نجح الرجل في تسديدها، معتلة كانت بفعل افتقاره للحركة.
ووقن تماماً من أن الرجل سيشقق مفاصل أصابعه على معدنها ويؤذي نفسه أكثر مما يؤذي كوينتوس. وأقصى ما ناله القائد هو طنين خفيف في أذنيه مع إرسال كل ضربة شبيهة بالصنَج ذبذباتها حوله. وودّ كوينتوس لو يغير قبضته ليجرب نوعاً من الخنق، لكن أقصى ما استطاعه احتواء الرجل المتلوّي. وواصل ركل ساقي الرجل كلما فكر في الوقوف فحسب، لكن توجب عليه الحذر. فإن أدرك الرجل كيفية توظيف قوته بشكل أفضل، فقد يقع كوينتوس في مشكلة حقيقية.
وتوافرت سبل وفيرة لكسر ذراعيه أو ساقيه إن تساهل أكثر من اللازم. وهبط بعقب حذائه العسكري على ساقي الرجل المكشوفة. وكمد [الكشاف] حين لامست المسامير النحاسية المثبتة في نعل الحذاء قدمه، مما تسبب في ثني ساقه. وسرعان ما دحرجهم كوينتوس وبذل قصارى جهده لتثبيت الرجل من جديد، موظفاً وزن درعه قدر الإстаطاعة. وانطبقت ذراعاه بإحكام حول عنق الرجل بينما سمع دكّة الفيالق الجارية وحتى بضع صرخات غير بعيدة جداً.
وغمرت كوينتوس موجة من الارتياح. وعمل القائد بلا توقف لإبقاء هذا الرجل طريحاً. وقريباً، سينال الدعم الذي اشتد احتياجه إليه ليوقفه مرة واحدة وإبدأ الأبد. وسماوي التفكير كوينتوس لكسر من ثانية. لكنها كفت. وقبل أن يعي، ما كانت ذراعاه تقبضان سوى على الهواء إذ انسلّ [الكشاف] كأنه بلا عظام من قبضته. وشعر كوينتوس بغرس خنجر في خاصرته. والتهط ألمأً وهو يتدحرج مبتعداً. وحين التفت ليواجه خصمه، كان الرامي قد بلغ منتصف الطريق لونهض.
وتنفس بصعوبة طفيفة، وتلطخ وجهه بالتراب بينما تقاطر الدم الطازج من خنجره. ورمى كوينتوس بابتسامة لم تبلغ عينيه.
"تباً. أنت مصر حقاً، أليس كذلك؟"
التف الرجل ليواجه أوائل الفيالق بينما انقضوا عليه. واستدار وغرس نصله في عنق رجل بحركة سلسة واحدة. وانهار الجندي على الأرض حتى بينما استدار [الكشاف] ليطعن آخر.
"لحسن الحظ، يبدو أن أصدقاءك ليسوا مزعجين بالدرجة ذاتها."
وشعر كوينتوس برمح موت الرجال البارد ينغرس في جوفه -وهو إحساس اعتاد شعوره متقطعاً طوال المعركة. وصار تفتيت شوكة اليأس أيسر الآن بعد أن اعتاده أكثر. غير أن رؤية الرجل يموت أمامه مباشرة جلبت الأمر إلى صدارة ذهنه. وسقط زوج آخر من الفيالق أمام طعنات الرجل بينما تدافع كوينتوس واقفاً. ولم يقاتل هؤلاء الرجال في تشكيل قط. بل وظّفوا شبَاكاً مرصعة بالأسواك وفخاخاً متنوعة، ليقاتلوا كصيادين يحاولون محاصرة وحش عظيم.
وبدا جلياً أن هؤلاء الرجال انتموا بدورهم إلى وحدة متخصصة. ومع ذلك، لم يكونوا بفاعلية المزارعين ذاتها. ومهما بلغت سرعتهم، كان خصمهم أسرع من أن يسهل الإمساك به، فاندفع مراوغاً ودون الشباك والحبال وأي شيء أُلقي في طريقه. ولم ينجح كوينتوس شخصياً في إسقاطه إلا عبر مزيج من المباغتة والحظ الخالص.
"اصطفوا أيها الحمقى!"
صاح كوينتوس وهو يندفع إلى الأمام. غير أنه حتى بينما غادرت الكلمات فمه، سقط رجل آخر. ودون [المتراس المنسق] لمساعدة الرجال في الدفاع، تساقطوا كالملّ. والأدهى أن هجوم الرامي لم يمنحهم فرصة لبناء سور في المقام الأول. وكان متجهاً مباشرة نحو سلاحه المنجنيقي الساقط. جزّ البايموس بيلوس على أسنانه واندفع قدماً. وشعر بتفعيل [مسرب الحرب]، ليعجل حركاته نحو العدو بينما أتاحت له [القدم الثابتة]
تجاهل التضاريس المندملة بمعارك أمامه تماماً. هذه المرة، رآه [الكشاف] قادماً فرقص مبتعداً. لكن ليس بالقدر الكافي. وانزلق جلايديوس كوينتوس من غمده بحركة سلسة واحدة بينما حذرته [حدس ساحة المعركة] من هجوم قادم. وانحنى منخفضاً حتى قبل أن يعي الخنجر الذي انطلق مسرعاً صوب رأسه، ليقطع نصله الحاد ريش خوذته. غير أنه قبل أن يحظى الرامي بفرصة التعافي، لوّح كوينتوس صوب ساقه بقوس صلب خاطف البصر.
صرخ [الكشاف]. والتوت ابتسامته الباردة لتصير كشرة وهو يندفع للخلف مجدداً، ليتعثر فقط حين عجزت ساقه المصابة عن تحمل وزنه.
"وكنت هنا لأنوي تركك تعيش، لمجرد الفضول فحسب. لكن لا. لقد انزعجت الآن."
انحنى [الكشاف] دون شبكة أخرى طائشة والتقط سلاحه. ثم وثب عالياً في الهواء قدر استطاع وصوّب نحو كوينتوس.
"... لقد فرغت من هذا. قُل ودـ"
قُطعت كلماته برمح يشق الهواء نحوه. ونجح الخصم في تفادي الأول، وإن كان بأقل رشاقة من ذي قبل نظراً لإصاباته. وكانت البقية قصة أخرى. واصطدمت أعمدة الخشب والصلب الطويلة بجوف الرجل واحداً تلو الآخر. وبزق دماً، متلوياً بعنف في الهواء بقوة الاصطدامات. وتلفّت كوينتوس ليررى المزيد من قوات الاحتياط قد وصلت لتعزيزه وتسارع بإبعاد الجرحى الذين حظوا بفرصة للإنقاذ.
"أيها البايموس! تراجع!"
تقدم القائد الأول للكتيبة التاسعة -البيليوس بوستيريور الخاص بهم- رافعاً رمحه في الهواء كمن يرفع مطرقة. وفي الواقع، ظن كوينتوس أنه ربما رأى فعلاً الخطوط الشبحية لمطرقة تظهر حول السلاح. ومع همهمة جهد، لوّح الرجل للأسفل، ليصطدم رأس الرمح بـ[الكشاف] الذي ما زال مترنحاً ويدفعه إلى الأرض كوتد خيمة. واصطدم بالأرض وسط الفيالق بصوت تحطم مقزز. ولم ينتظر أحد ليرى أَمات عدوهم أم لا.
ولم يهدر الفيالق وقتاً في التقدم بسيوف مشهرة. وبعد ثوان معدودات والكثير من الطعن، ما بقي من الرامي سوى جثة ممزقة تعلوها عباءة بالية. وضغط كوينتوس بيده على خاصرته بينما اندفع جندي آخر نحوه. وشرع الجندي سريعاً في علاج الجرح وتضميده حتى كادت إحدى ساقي القائد تخور تحته. وتشبعت ثيابه بالعرق وتقاطرت من جبينه. وحاول أخذ نفس عميق، لينقلب إلى شهقة ألم.
"أبخير أنت يا سيد؟"
أسرع البيليوس بوستيريور للكتيبة التاسعة نحو مكانهم. ولوح له كوينتوس ليبتعد.
"أنا بخير. لا تضيعوا وقتاً. ما زالت ثمة معركة يجب خوضها."
"حاضر، أيها البايموس!"
التفت البيليوس بوستيريور إلى رجاله.
"اصطفوا! نتحرك نحو الساحر تالياً!"
ومع رعد الأقدام، انطلق الفيالق لقتال هدفهم التالي. وبقي كوينتوس حيث كان بينما عُولجت جراحه. وحتى الإسعافات الأولية الأساسية للطبيب تركته قادراً على التنفس بأسرع مما سلف. وحقاً، كان سحر هذا العالم شيئاً عجيباً.
"شكراً لك."
أومأ كوينتوس للرجل.
"انضم إلى كتيبتك مجدداً."
"لكن-"
"سأكون بخير. اذهب الآن."
وبعد لحظة تردد، أومأ الطبيب وأسرع مغادراً. طقطق كوينتوس رقبته. لم يكن بخير بأي حال، لكنه استطاع القتال مع ذلك. والسؤال الحقيقي هو: من؟