الفصل الثاني والعشرون من الباب الثاني: حمّام ساخن لم يكن حمّام هابرزفيل شبيهاً بالحمّامات العامة، بل بدا كأنه متحف فنون بُني حول بركة ضخمة. ملأت المياه الصافية وسط المكان واصطدمت بأعمدة طويلة ارتصت على حوافّها. ازدانت كل مساحة بالرسوم الجدارية والمنحوتات، وارتجت انعكاساتها بلطف بينما استرخى المستحمون وسبحوا. بين كل المبنى التي شيدها الرومان، كان هذا الأكثر تزيقاً وروعة، باستثناء معبد مارس قيد الإنشاء بالطبع.
تحدثت هذه الفخامة عن مدى أهمية هذه الأمور في وطنهم. أو لربما دلت على ملل الجنود وفراغ أيد ممن مالوا منهم إلى الفن. شعرت رجلا ماركوس كأنهما خيطان من العجين المبلل حين بلغ مدخل الحمّام. لم تكن الجري سوى تمرين معتدل، لكنه بذل وسعه للتركيز على استقامته طوال الطريق. بما أن [الجري] لم تكن سوى مهارة شائعة، فقد كان واثقاً تماماً من أن ذلك قد كفاه لبلوغ المستوى الأول. على أمل ذلك.
خبأ ملابسه ومقتنياته سريعاً قبل أن يسحب مغرافة من أحد قدور الزيت الفخارية الماصّة بالجدار. دلك الزيت على بشرته، ثم كشطه بإحدى الأدوات المعدنية المنحنية المتروكة بالجوار. كانت تلك إحدى العادات الغريبة التي لم يستوعبها ماركوس تماماً. إن أرادوا النظافة، فلم لا يستخدمون الصابون كسائر البشر؟ لكن الفيلق أصروا على طقس كهذا لكل من قصد الاغتسال، فخضع للأمر. بعد الفراغ من ذلك، خطا ماركوس إلى داخل الحمّام الفعلي.
دعته المياه بطريقة جذابة، حثّته على الانزلاق في أحضانها الباردة. ومع دفء أشعة الشمس المتسللة من سقف المبنى المفتوح، لاحظ أن المكان يبدو أفرغ من المعتاد. ومرة، فاق عدد أهل البلدة عدد جنود الفيلق المسترخين داخل الحمّام وحوله.
— يا ماركوس!
ناداه جندي مألوف الوجه من حافة البركة، رافعاً إحدى يديه من الماء ملوحاً بالتحية. وانفرت شفتاه عن ابتسامة ودودة.
— أهلاً، كاسيوس!
جاءت ابتسامة ماركوس صادقة. لقد مضى وقته طويل منذ أن رأى زميله الحكواتي.
— أظن أنك لا تمانع انضمامي إليك؟
— مطلقاً يا صديق.
التفت كاسيوس إلى جندي ثانى يجلس بجانبه.
— أتمانع أنت؟
هزّ الجندي الآخر كتفيه بلا مبالاة.
— افعل ما تشاء.
أبقى ماركوس الابتسامة على وجهه. كان واضحاً بما يكفي أن رفيق كاسيوس هذا كان أحد المعارضين الذين لم يحملوا وداً كبيراً لماركوس. انضم الشاعر إلى الجنديين، منزلقاً في الماء بتنهيدة رضا. كانت الحرارة باردة نسبياً، لكن ذلك ناسبه تماماً. فبعد كل ما مرّ به طوال ذلك اليوم، بدا الأمر منعشاً. مع أن الفيلق ربما لم يسمع بتعويذات التدفئة والسحر قط...
— بما كنت مشغولاً يا صديق؟
وكزه كاسيوس في جنبه.
— تبدو كمن نبت شعر على صدره منذ آخر مرة رأيتك فيها.
— لك أن تقول ذلك.
تمتم ماركوس، مرجحاً رأسه إلى الوراء لحظة لاسترخاء.
— ظللت مشغولاً.
ألّف الأغاني، وأكتب القصص، وأصارع وحوش الأعماق في حلبة تحت الأرض. الأمور المعتادة. ارتفع حاجبا كاسيوس قبل أن يطلق ضحكة مدوية. صفّع كتف الشاعر بقوة وهزّه، وهي حركة جعلت عضلات ماركوس تتوتر من جديد.
— يبدو هذا كقصة شيقة حقاً!
ألا تظن أنك مستعد لمشاركتنا إياها؟ ابتسم ماركوس.
— حسنناً، لم أنتهِ من صياغتها كأغنية تستحقها بعد، لكني...
حسنناً، أظن أنني مستعد لمشاركة المسودة.
— هذه هي الروح!
وهكذا، أطرب الاثنين بقصة كيف استكشف هو ورجال غايوس المدرج السفلي. وكيف تعرضوا كمين وأُجبروا على خوض معركتي بحر، وبالتأكيد، كيف خرجوا منتصرين. وبينما تحدث، لاحظ أن الجندي غير المهتم في البداية والجالس على الجانب الأبعد لكاسيوس صار مندمجاً أكثر فأكثر في الحكاية، حتى إنه مال إلى الأمام ليرى إيماءات ماركوس. فكر في إضافة بعض [السحر] ومؤثرات أخرى للتأكيد، لكنه عدل عن ذلك.
فبينما أحب معاملة جمهور من اثنين كما يعامل جمهوراً من مئة، احتاج ماركوس استعادة طاقته مع ذلك. لذا اكتفى الآن بجعل كلماته ترسم صورة حية أمامه.
— حسنناً.
بدأ كاسيوس فور انتهاء كلامه.
— كانت صباحيتك أحفل بالأحداث من صباحيتي بالتأكيد.
أيها اللعين المحظوظ. لم يرى سواي مزيداً من الحركة؟
— يتكلم من كاد يُدفن حياً بسرب من الغيلان.
تمتم الجندي الآخر.
— ألم تكفك حادثة المناجم؟
— ما زلت لا أصدق أنني فاتني ذلك.
تذمر ماركوس.
— من بين كل المعارك التي تفوتني...
— آه، لا تقلق يا صديق.
طمأنه كاسيوس.
— مما يبدو، حظيت أنت بنفسك بكثير من التجارب الشيقة.
ثم، أمن السيئ حقاً ترك بعض القصص لبقيتنا؟ ضحك ماركوس بخفة.
— لا، أظن لا.
مع أن الجوانب التي تركز عليها مختلفة تماماً عما اعتدته.
— لاحظت ذلك.
وافق كاسيوس بنبرة موافقة واومأ.
— تبدو قصصك دائماً مركزة على الأفراد، على أبطال منفردين.
حتى حين يوجد جماعة، تكون صغيرة وذات بطل رئيسي واضح. تمتلك أرضنا قصصاً كثيرة كهذه عن أبطال وقادة وما شابه، بالطبع، ولكن مع ذلك. ثمة إدراك لمن يقفون خلف ذلك الفرد. مثلنا. إنه يعكس الافتقار إلى تماسك المجموعة والتكتيكات التي شهدناها. اعترض ماركوس.
— مجرد أننا نروي القصص بشكل مختلف لا يعني أننا لا نعرف القتال.
ثم، تتناسب القوة طرداً مع الفرد. لمَ لا تغني عن أبطالك؟
— ولمَ لا تغني عن الجيوش التي يقودونها أيضاً؟
أم أنك حذفت تلك القصص ببساطة؟
— حسنناً...
تردد ماركوس. وُجدت بضع قصص من النوع الذي وصفه كاسيوس، لكنها كانت مجهولة نسبياً أو غير شعبية. لقد كان للرجل وجهة نظر، بغض النظر عن مدى كراهيته للاعتراف بذلك.
— أنت وهوسك بالقصص.
تدخل الجندي الآخر، منقذاً ماركوس من الاضطرار للرد.
— أكاد أوقن أن التحول لبطل قصتك الخاصة هو نصف سبب رغبتك في التطوع.
هزّ كاسيوس كتفيه.
— ماذا أقول؟
لقد انضمت إلى الفيلق سعياً وراء الشرف والمجد. وإن انتهى بي الأمر بالعثور على ما يزيد عما يجده الآخرون، فمن أنا لأتذمر؟
— على ذكر الفيلق...
اغتنم ماركوس الفرصة لتبديل الموضوع. ألقى نظرة حول الحمّام بينما واصل فرك جسده.
— يبدو أهدأ من المعتاد اليوم.
هل يجري شيء ما؟
— آه، ألم تسمع؟
سأل كاسيوس.
— معظم الفيلق في طريقه مرة أخرى.
ست كتائب تحركت صباح اليوم فحسب. جذب ذلك انتباه ماركوس. توقف عن محاولات إزالة بقايا الكراكن من شعره لينظر إلى الجندي الشاعر.
— فعلت؟
إلى أين؟
— لا أعرف بالتأكيد، لكن يبدو أن جيشاً قادماً في طريقنا من البارونية.
يحاولون وأده في مهده قبل أن يسبب أي مشاكل. عبس ماركوس. جيش؟ من أين أتى البارون بجيش؟ كان من المفترض أن تكون قواته متورطة في الغرب كسائر الأطراف. إلا إن تمكن من استدعائها بطريقة ما؟
— أي نوع من الجيوش؟
هزّ كاسيوس كتفيه.
— مجدداً، لا علم لي.
أنا لست مطلعاً على أمور كهذه. كل ما أعرفه هو وجوب بقاء كتيبتنا هنا. وعلينا البقاء على حذر من أي تهديدات إن ساءت الأمور.
— حسنناً، تبدو يقظاً حقاً.
ساحر ماركوس بسخرية.
— كما قلت، لا داعي للذعر بعد.
لذا من الأفضل استغلال الراحة حين تسنح الفرصة. درس ماركوس كلام الرجل بينما طفا على الماء. تحرك الفيلق لقتال قوة حشدها البارون... كان ذلك تصعيداً كبيراً. إنه تحدٍ مباشر للبارون ونوفارا نفسها، تصعيد يتجاوز حتى الاستيلاء على ستونستر. وإن هزموهم بنجاح...
— قل لي...
بدأ ماركوس.
— أترى أنهم سيعودون بعد المعركة؟
أم سيواصلون الزحف نحو البارونية؟
— اممم...
لا فكرة لدي. التفت كاسيوس نحو رفيقه.
— ما رأيك أنت؟
هزّ الرجل كتفيه.
— أتوقع أن يواصلوا الزحف.
الأفضل استغلال ضعف العدو. بدأ الإدراك يتسلل إلى عقل ماركوس. نهبّ فجأة.
— يجب أن ألحق بهم.
— ماذا؟
عبس كاسيوس.
— لمَ؟
— ولمَ لا؟
إن سيطروا على البارونية، فيجب أن أؤرخ ذلك! لم يذكر أسبابه الأخرى بالطبع. كان هذا تحديداً نوع الموقف الذي تحدث بشأنه مع إليونورا. فرصة لإنقاذ الجميع من كثير من المتاعب والأرواح. شريطة أن يتمكن من إقناع البارون بخطر الفيلق بالطبع. ولكن نظراً لكونهم قادمين على أعقاب إبادة جيشه، شك ماركوس في أنه قد يجد وقتاً أسهل مع ذلك المتوقع. كان في طريقه بالفعل إلى حافة الحمّام حين ناداه كاسيوس.
— كيف تنوي اللحاق بهم؟
تجمد ماركوس في منتصف الدرجات. كان ذلك سؤالاً وجيهاً للغاية. مع سرعة سير الفيلق، لن يقدر على مواكبتهم، ناهيك عن اكتساب أرضية جديدة على حساب الجيش. هذا بافتراض أنه يعرف مكانهم في المقام الأول. هبطت معنوياته حين استقرت عبثية مهمته عليه. لكن الجندي الآخر تحدث مجدداً حينها.
— لمَ لا ترافق الوحدات المساعدة؟
قد لا يكونوا قد غادروا بعد. إن كنت سريعاً، فقد تتمكن من اللحاق بهم. رف جفن ماركوس.
— الوحدات المساعدة؟
هم ذاهبون أيضاً؟
— أجل.
أول مرة سيرون فيها القتال لأغلبهم. استرخى ماركوس قليلاً. علم يقيناً أن متدربي إسناد الفيلق لم يكونوا بسرعة الجنود الكاملين. لقد تدربوا ومن المؤكد تقريباً أنهم رفعوا مستويات مهارات [المسيرة] لديهم، لكن... أدرك فجأة أنه لم يحصل على اسم الجندي الآخر قط. مد يده.
— معذرة يا صديق.
لم أقدم نفسي رسمياً أبداً. أنا...
— ماركوس، أعرف بالفعل.
لوح الجندي بيده مبعداً إياه.
— لا عاقل لا يتعرف عليك في هذه المرحلة.
لقد اكتسبت شهرة لا بأس بها بين إخوتي. ملأ الاعتراف ماركوس بالفخر. كان الاعتراف باسمه دليلاً إضافياً على أنه غرس جذوره جيداً بين الرجال. بدا أن مزيج أغانيه حول نار المخيم ومآثره آتى ثماره بوضوح.
— آه، يسرني سماع ذلك.
أخشى أنني لم أظفر باسمك تماماً مع ذلك.
— رومولوس.
قالها الرجل بحذر شديد، كما لو أنه ما زال لا يثق به تماماً. كان شعوراً شائعاً بما يكفي. بصفتهم فئة تعتمد على الكاريزما، غالباً ما نُظر إلى [الشعراء] بريبة تضاهي بائعي الخيول المستعملة. حين لم تسمح له إحصائيته الوحشية بتجاوز ذلك الريبة الأولية بالطبع. وهو أحد الأسباب التي غالباً ما أثبتت صحة تلك الريبة. مع ذلك، ونظراً لمقاومة الفيلق العامة لسحره المعتاد، فقد توقع رد فعل كهذا.
— كان الحديث معك رائعاً أيها السادة.
رسم ماركوس انحناءة سريعة وهو يبرز من الماء.
— لكن يبدو أن عليّ الانطلاق في طريقي.
أتمنى لك بقية يوم رائعة! تدفقت كلماته مسرعة بينما استعجل نحو المخرج ليرتدي ملابسه. كان اكتساب [الجري] يؤتي ثماره بالفعل. وللأسف، بدا وكأنه سيرفع مستواها بقوة قريباً جداً.