دوى قرع المطارق على الفولاذ في ارجاء المعسكر، وخفف جلد الخيام من حدة صخبها وحدها قليلا. انحنى ما يقارب مئة من جنود الفيلق على السندان وطاولات العمل منغمسين في صناعتهم. امتلأ الهواء برائحة العرق والدخان في سحابة كثيفة ونافذة. لم يجد كوينتوس صعوبة في العثور وسطهم على غاريث. تجول هذا الكيان الضخم الشبيه بالدُب بين المحطات، مقيماً عمل الرجال وقاطعا إياهم أحياناً بتصحيح.
عندما اقترب كوينتوس، اعتدل الحداد متباهيا بطوله الفارع وتقدم نحوه بخطى مثقلة.
— كوينتوس.
ماذا تريد؟ أومأ كوينتوس برأسه للرجل احتراماً.
— أيها الحداد المعلم.
جئت لأتفقد حال عتادنا. تمتم غاريث.
— أفهم.
حسن، تعال وانظر إذن. قاده الحداد إلى خيمة عند أطراف محطات الصناعة. رقدت داخلها أكوام من الدروع، والصفائح، ومعدات أخرى، مرتبة حسب حالتها الإصلاحية. وُضعت في أحد الأقسام القطع المتضررة بوضوح والتي تحتاج إلى إصلاح. وفي قسم آخر، استقرت معدات صنعت بالطراز المعياري جرى إصلاحها أو صناعتها من جديد. وفي القسم الثالث... تفحص كوينتوس أحد الدروع الراسية فوق كومة الأسلحة. حمل الدرع ذاته الملامح المستطيلة المقوسة والحافة المعدنية للدرع القياسي، وبدا معدنه المشغول حديثاً براقاً وخالياً من الشوائب.
لكن عوضاً عن اللون الأحمر المعتاد، برز شعاره الذهبي المجنح على خلفية من الجلد الأسود تحيط بها تفاصيل حمراء من كل جانب.
— جلد النمر الظلي، قال غاريث متوقعاً فيما يبدو سؤال قائد المئة.
خفيف، متين، ويتقن تشريب التعاويذ. ناهيك عن أنكم تملكون من هذه المادة اللعينة ما يفيض عن الحاجة. ناول أحد الدروع إلى كوينتوس. بدا خفيفاً بشكل مذهل، حتى أثقل من الدرع الذي يحمله حالياً.
— ألن يحترق هذا الجلد تحت الشمس؟
سخر غاريث.
— يحترق إن كنت لا تحسن العمل به.
ومن حسن حظك أن أحد الدباغين القدامى في البلدة تفضل بتعليم رجالك بعضاً من حيله. نظير بعض مشاريع البناء، بالطبع.
— مم.
استوعب كوينتوس الكم الهائل من الدروع في الكومة.
— كم عدد ما تم صنعه؟
— ما يكفي للجيش بأسره.
أومأ غاريث برأسه نحو العتاد.
— هذا غيض من فيض ما صنعوه.
يفترض أن ننتهي من آخرها هذا الأسبوع.
— مم.
إذن يبدو أن تلك المسألة قد حُسمت. أصدر الحداد الضخم صوتاً مبهماً عجز كوينتوس عن تفسيره. رفع حاجبيه.
— أليست كذلك؟
— حسن، إن كان إمكانك تسمية صنع هذه الأشياء اللعينة "حسماً"، كرر الحداد المعلم، دافعاً أحد الدروع بقدمه.
الصنعة ممتازة، ليست هذه مشكلتي. بل التعاويذ. معظمها يحمل تعويذة، لكن الجودة... تجهم كوينتوس. فكلما أطال الحديث مع الحداد حول تصميم رماح جديدة تحسن من رماح الفيلق القياسية، اتضح له جلياً أن صناعة العتاد في هذا العالم تزخر بما يفوق عالمهم. وتحديداً، الإمكانات التي تتيحها التعاويذ. بدا أن تعاويذ الاستدعاء أو الطيران على رماحهم لم تكن سوى غيض من فيض. فقسم كبير من قوة المغامرين ذوي المستويات العالية يستمدونه من عتادهم.
وطبعاً، في المستويات الأدنى، يعجز المرء نادراً عن تحمل تكلفة قطع معدودة من العتاد الجيد، كما أن الميزات النسبية للإحصائيات لم تكن بذات التأثير الكبير. بيد أن الإمكانية ظلت قائمة. بطبيعة الحال، كان نفث التعاويذ في العتاد أمرا مفروغا منه لأي صانع يرغب حقا في أن تشق سلعته طريقها نحو الاستخدام. لكن كأي أمر آخر، تطلب الأمر مهارة. مهارة تستنزف، كالعادة، قدرة الصانع بحدة كلما أُضيفت تعاويذ أفضل إلى القطعة.
ومع الاستنزاف المرتبط بصناعة العتاد فعلياً، تعين أن معظم الصناعين يواجهون سقفا فعليا لعدد قطع العتاد التي يستطيعون إنتاجها في فترة زمنية معينة. هذا إن لم يكونوا صناعين من جنود الفيلق. فتماماً مثل بقية مهاراتهم، لم تبدو الصناعة مستنزفة لطاقة رجل واحد. بل توزعت على جنود الفيلق أجمعين في الجوار. وتعني هذه التفاصيل أن الإرهاق يكاد يكون معدوما في أغلب الحالات. وطبعاً، بخلاف معظم مهاراتهم، كان التمائم أمراً يفتقر إليه أي رجل من رجالهم خبرة مسبقة فيه.
وعنى ذلك أن تقدمهم في رفع مستوى تلك المهارة كان أبطأ بكثير من سواها. ولسوء الحظ، ساعد توجيه غاريث في هذا الجانب. ومع مرور الوقت، لم يساور كوينتوس أدنى شك في قدرتهم على ابتكار عتاد مذهل بحق. أحط كوينتوس الدرع جانباً.
— تبدو صالحة للاستخدام وزيادة.
— تفه.
صالحة للاستخدام؟ سخر غاريث. ربما هذه. وبعض القطع الأولى...
لكن يا فتى، أترغب حقاً في رهن حياتك على كلمة "صالحة للاستخدام"؟
أجاب ببساطة — اضطررت لرهن حياتي على ما هو أسوأ مرات عديدة من قبل. لكن في ظل ضيق وقتنا، هذا أكثر من مرضٍ.
— أظن ذلك...
حك غاريث رأسه وتنهد. مع ذلك، إياك وأن تتعرض للطعن كثيراً. لا أتحمل أن يشوه طلابي سمعتي كمعلم. أطلق كوينتوس ضحكة خفيقة، ثم أومأ برأسه نحو الخوذات.
— لنتجاوز ذلك...
— هذه مؤجلة لوقت لاحق الآن، أشار غاريث نحو الكومة الأصغر حجماً بكثير.
ومثلها بقية الدروع. ما تملكونه ليس جيداً، تذكره. لا يمنح أي منها أي ميزة إحصائية. لكنها على الأقل متينة وفي قطعة واحدة.
وتبدو "الدروع"
هي التي تتلقى وطأة ضرباتكم، لذا كانت هي الأولوية.
لفظ الحداد كلمة "دروع"
بغرابة، مدققا في نطق الكلمة بحذر. ظن كوينتوس أنه يتحفظ بطريقة ما على مصطلح الدروع، وإن عجز عن إدراك السبب. رغم ذلك، أومأ برأسه إقراراً.
— والأسلحة؟
قاده غاريث إلى الخارج نحو ساحة تدريب وأومأ بصمت نحو مجموعة من البراميل. امتلاء كل منها بمجموعة سيوف مصبوبة حديثاً، وتبرز مقابضها الموحدة من الفتحات. سحب كوينتوس واحداً منها. وما إن التفت يده حول قبضته، حتى شعر بدفق من القوة يتسرب إلى كيانه. أحس كأن يده توشك على التخدُر، كمن قبض لتوه على حفنة ثلج. لكن الشعور زال سريعاً ما إن تأقلم مع الفارق. لوح بالسلاح يمنة ويسرة، مختبراً توازنه قبل أن يستدير ويسدده بعنف لغرس نصله عميقاً في دمية تدريب مجاورة.
كان جسدها عبارة عن جذع سنديان صلب، عمودي وقطره يقارب ثلاثة أقدام. ورغم ذلك، شق النصل طريقه عميقاً في الخشب كأنه يغوص في الزبد. واضطر لوضع قدمه على الجذع لانتزاع النصل مجدداً، في مشهد أقل إبهاراً بكثير من الطعنة الأولى.
اختار كوينتوس تجاهل تمتمة جاءت من خلفه قد تضمنت كلمة "قروي".
أعاد تلويح النصل، وبدت الأمور مثبتة في مكانها. كانت المقبض مريحاً، وحافظ الواقي العرضي على ثباته. رافعاً النصل لتفحصه، تدبر استقامته ولم يلحظ حتى اعوجاجاً واحداً من الطعنة التي كانت كفيلة بتحطيم سيفه القديم. قال كوينتوس، بنبرة امتزجت بشيء من الرهبة: — أنا مندهش. نخر غاريث.
— إن أدهشك هذا، فعليك حقاً الخروج لتكتشف العالم.
إنه سيف جيد حقاً، لا شك، لكن أي صانع نصل يستحق اسمه يجدر به إنتاج شيء بهذا القدر من البدائية. لم يكن كوينتوس متأكداً تماماً. كانت النصول بدت بدائية، حقاً، لكن جودتها وتناسقها كانا استثنائيين بحق. لم يكن ذلك سوى دليل آخر على أن معايير الحداد كانت من عالم آخر. أومأ غاريث نحو البراميل.
— لا أملك الكثير من هذه.
لدي الكثير، لكن ليس ما يكفي الجميع. وقليل منها فقط ما أعده فوق المتوسط. ولديكم بضع رجال يعملون على تعاويذ مخصصة أيضاً، لكن ذلك سيستغرق وقتاً. كان ذلك مفهوماً. وبما أن غاريث رفض حتى لمس سيف، ناهيك عن العمل عليه، فقد ترك جنود الفيلق لأنفسهم في صنعها. وعنى ذلك أن أي عمل استثنائي بحق سيأتي ببطء شديد. وعنى أيضاً أن كل تعويذة منفردة صدرت من أيدي جنود الفيلق أنفسهم. واختلف ذلك عن الدروع، حيث رأى كوينتوس الرجل يتدخل بنفسه لإصلاح الأخطاء أو تقديم تحسينات.
— وأخيراً، الرماح.
هذا ما يستحوذ على معظم وقت رجالكم اليوم. أشار غاريث إلى مجموعة براميل أخرى، بعضها ممتلئ برماح الفيلق والبعض الآخر بالنمط الجديد من الرماح التي صمموها. وبدت الفروق واضحة للعيان بين الاثنين. كان الرمح الجديد أطول من الرمح القياسي بنحو قدم. وامتد مقبضه الخشبي صعوداً حتى يلتقي بنصل مثلث نحيل بطول قدمين تقريباً، ومسنون الحواف من كافة الجهات. كما بدا أطول وأسمك قليلاً مما اعتاده كوينتوس.
ومن الواضح أن التغيير جعل السلاح أكثر ملاءمة لحمل التعاويذ. ورغم كونه يبدو في ظاهره رمحاً تقليدياً أكثر من كونه سلاح الرمي المعتاد للفيلق، إلا أنه أبدى استعداداً لتجربته. التقط كوينتوس رمحاً قياسياً وبقفزة وخطوة مدروسة، قذفه لمسافة مئة ياردة أمامه. اخترق رأسه الهدف الأحمر بعمق قبل أن يتوقف، ليهتز باقي السلاح حيث غرس في الخشب. نخر غاريث.
— انحنى بالفعل.
مال كوينتوس مقترباً، مخدداً عينيه قليلاً. كان الحداد مصيباً. فبقدر ما استقر السلاح بثبات، راح الثقل الهائل يتسبب بانحناء المعدن.
— صُممت للاستخدام مرة واحدة.
ربما قابلة للإصلاح، لكنها للاستخدام لمرة واحدة. تمتم غاريث: — هدر. إن أردت شيئاً كهذا، فلم لا تجعله ينفجر؟ صمت كوينتوس. لم يتكلف عناء الإشارة إلى أن ذلك الخيار لم يكن عملياً البتة في عالمه. وعوضاً عن ذلك، التقط أحد الرماح الطويلة الجديدة. سرت هزة باردة في يده مجدداً، شعور بدأ يألفه لارتباطه بنوع ما من التعاويذ. وأصدر أمراً ذهنياً للرمح.
— ارجع.
كانت رميته هذه المرة غير مضبوطة بعض الشيء. فلم يكن توازن السلاح تماماً ما اعتاده، مما جعل عقود ممارسته تعاكسه فعلياً في هذا الموقف. مع ذلك، حط الرمح على الهدف، وإن لم يصبه في المنتصف تماماً. وبعد ثوان معدودة، ظهر مجدداً في يده. شارحه غاريث بينما كان كوينتوس يتأمل الرمح بدهشة: — احذر مكان يدك عندما يعود. إن كنت تمسكه أفقياً، فقد ينتهي بك المطاف بطعن أحدهم أمامك.
قدم له غاريث مزيداً من الإرشادات حول قدرته على تفعيل أمر "رجوع"
واحد فقط في كل مرة، وكيفية إلغاء وظيفة الرجوع واستبدالها بوظيفة تفجير بعد إلقائه. وبدا أن جزء التفجير أثار حفيظة غاريث شخصياً لإضافته إلى التصميم، ظناً منه على ما يبدو أنهم لا يثقون بتصميمه لتعويذة الرجوع. وما إن فرغ، حتى أعاد كوينتوس الرمح إلى برميله مؤمئاً برضا.
— شكراً لك أيها الحداد المعلم.
ما كان ليتحقق أي من هذا لولا عونك. نحن مدينون لك.
— إن أردت حقاً ردي، فتأكد من استمرار أولئك الفتيان في التدرب، شبك الحداد ذراعيه مؤمئاً نحو جنود الفيلق المكبين بجد على الحدادة.
لن أسمح لطلابي بالتراخي الآن. مع أنني أقر بأنهم علموني شيئاً أو اثنين أيضاً. أومأ كوينتوس برأسه.
— بالطبع.
سأحرص على توزيع هذا العتاد وتدريب رجالنا على استخدامه. وإذن، إن لم يكن هناك شيء آخر...
— أه، ليس هذا كل شيء، ابتسم غاريث بخبث.
تري، قرر أحد مهندسيكم عقد رهان صغير معي. وأظنك مهتماً بالنتائج. ثم شرع الرجل في اقتياد كوينتوس نحو طاولة تعج بمجموعة مجنونة ومخادعة بذكاء من الفخاخ. كانت أغلبها صغيرة نسبياً بمفردها، لكنها فعالة ومبسطة التصميم. أطلق كوينتوس صفيراً خافتاً.
— أهذه تصميماتك؟
أومأ غاريث باعتزاز.
— سهلة الاستخدام، وسهلة الصنع.
أسهل مما ابتكرة قومكم على الأقل. وأكثر إنسانية. تفحصها كوينتوس بينما شرع الحداد في شرح طريقة استخدامها. والغريب أنه كان مصيباً. فقد صُممت جميعها لتكبيل الأسرى وشل حركة أحدهم، باذلة جهوداً مضنية لتفادي إلحاق الأذى بأي شخص تصيبه الفخاخ. وكان ذلك اعتباراً نادراً ما يُؤخذ به في الحروب. وفسر سبب استعداد الحداد للتجربة. قرر قائد المئة اختبار الأجواء: — أتعلم، أيها الحداد المعلم...
نظراً لهذه التصميمات، قد أضطر لطلب مساعدتك في تصميم بعض أسلحة الحصار الجديدة هذه. أرى أن أمثالك يُهدرون في أمور كهذه. هز غاريث رأسه: — همه. محاولة لطيفة. لست مهتماً. على الأقل مع هؤلاء أشعر أنني أصمم صندوق ألغاز. قطب كوينتوس حاجبيه، لكنه لم يلح في الأمر. أثبتت الفخاخ نجاعتها القصوى في الغابات. كان إخفاء فخ في المروج أمراً بالغ الصعوبة، لكن ذلك لم يردع غاريث عن المحاولة.
وتكفلت إضافة بضع تعاويذ بسيطة بجعل الأمور أصعب بكثير في الكشف عنها أو، عند تفعيلها، بالتفتح في متاهة أشد تعقيداً من حبال التعطيل والألواح وما شابه. بينما كان يتفقد المجموعة، كان عقل كوينتوس منهمكاً بالفعل في التفكير بالتطبيقات المحتملة. الأماكن التي يمكنهم نصب الفخاخ فيها لتحقيق أقصى فاعلية أو الإعدادات المختلفة لاستخدامها... رغم أن الجانب غير القاتل حد بعض الشيء من كفاءتها.
اختلس نظرة نحو الحداد وهو يرفع آلة غريبة الصنع من زنبركات معدنية ملتوية. ربما تحولت معظم هذه الاختراعات إلى أسلحة فتاكة بتعديلات معدودة فقط. وصُممت لتكون سهلة الإنتاج... ربما سيجعل بعض الرجال يجرئون على تجربة ذلك. مع أنهم قد يتجنبون إخبار غاريث بالأمر.