قبل الفصل الثاني والعشرين: زوار غير مرحب بهم. كان يعلم أن أمراً ما لم يكن على ما يرام. شعر بهذا منذ لحظة وصوله. كان من الواضح أن لدى الأقزام تاريخاً مع روما، ولم يكن تاريخاً عابراً. لقد أضمروا لحضارة الموتى السابقة ضغينة عميقة لدرجة أن قصة خيانتهم لا تزال على كل شفة ولسان حتى يومنا هذا. لقد تغلغلت في القصص الأساسية لتاريخهم، إن كانت تلك الجداريات مؤشراً على شيء. ومع ذلك، ألم يتعرفوا إلى الرومان حين ظهروا على عتبات دارهم؟
التكتيكات، والدروع، والزي... حتى وإن لم يعش الأقزام طويلاً بما يكفي ليشهد أي منهم رومان الأمس، فلا بد أن شيئاً من مظهرهم أو ثقافتهم كان معروفاً. وإلا فإن موضوع كراهيتهم لم يكن سوى بعبع بلا طيف ولا شكل، وبعيد كل البعد عن الواقع لدرجة تجعل وجوده غير عملي. لكن ذلك الخوف... لقد أكد الأمر. إنهم يعلمون حقاً. القادة الأكبر سناً يعلمون على الأقل. لقد تعرفوا إلى الجيش الواقف عند عتباتهم على حقيقته.
إذن فلماذا سمحوا له بالدخول؟ أمن أجل التثبت؟
"مستحيل".
سخر قزم أحمر الشعر وسط السكون. لقد أعادت مهارة القنصل النظام إلى قاعة الشيوخ، لكن ماركوس كان لا يزال يلمس مشاعرهم وهي تغلي تحت ستار رقيق من الهدوء.
"روما ميتة. لقد اندثرت منذ آلاف السنين. ماتت بسبب ضعفها وجبنها".
سطع خوف المتحدث من خلال مشاعره الأخرى كمنارة، رغم محاولاته الباسلة لإخفائه. ولم يرتجف صوته حتى. كما كانت هناك جرعة واضحة من الإنكار تتخلل كلماته. تفقد ماركوس بقية الشيوخ فوجد ذلك الإنكار منعكساً لدى آخرين، في نحو نصف الأقزام مجتمعين. أمر مثير لاهتمام. إنه انقسام إذن. خلاف حول الطبيعة الحقيقية لخصومهم.
تابع ماركوس: "سواء أكان مستحيلاً أم لا، فقد حدث. لا بد أنكم رأيتم الراية الذهبية للعقاب. ودروعهم. وأسلوبهم القتالي المميز".
قال أحد الشيوخ المنكرين: "العقاب رمز شائع".
هتف آخر بحدة: "بالضبط! ومن يكترث إن ارتدوا أزياء الخونة؟ لا أهتم بأي شكل بأولئك الدخلاء الراغبين في نبش التاريخ القديم. متطفلون يرون زمن محنتنا أيام مجد يستحق التطلع إليها".
تأمل ماركوس قائلاً: "فهمت. وأفترض أن عودة مهنة [الجندي] ليست مؤشراً على أن هؤلاء الدخلاء قد يكونون حقاً كما يزعمون. ولا وجود مهنة [الإمبراطور] الأسطورية. أم أن شعبكم ربما فاته ذلك الإعلان العالمي؟"
تفاقم الإنكار. وتدفق خوفهم على ماركوس كالموج. وبقي النصف الآخر من الأقزام صامتين يحدقون فحسب. ورأى القليل منهم يقبضون بقوة على الخناجر وقد جمدت أجسادهم وتصلبت. حسنًا، لم ينقضوا عليه فوراً على الأقل. تلك أخبار جيدة. تمتمت أصوات قليلة فيما بينها. أصر البعض على دفن رؤوسهم في الرمال، لكنه بات من الصعب عليهم صد الواقع بعناد. والآن، تحول تركيزهم إلى روما ذاتها، وإلى كيفية التعامل مع الموقف الماثل أمامهم.
رفع القنصل يداً طالباً الصمت مجدداً. وانزلق التوجا المصنوع من القلادة الفولاذية على جلده كالحرير الناعم مع كل حركة.
أعلن القنصل ستونغريب باختصار: "لن تكون لنا أي تعاملات مع الرومان".
قطب ماركوس جبينه: "بينما أتفهم التاريخ الذي يدفعكم لاتخاذ هكذا تصريح، لا يسعني إلا أن أنصح بخلاف ذلك المسار. ففي حين قد يسمح الرومان لدولة صديقة أو حليفة بالبقاء على حدودهم، فلن يمنحوا اللياقة ذاتها إن رفضتم الانخراط".
أصدر قزم ذو شعر بلون الفحم أنة غاضبة: "وكأنهم يملكون القدرة على منع هكذا مسار. لقد فشل شعبهم وطريقة حياتهم. إنها حضارة ميتة. وحتى لو بُعثت جثتها من جديد بسحر شعوذة طائش، فسيظل مصيرها كما هو".
صرخ القزم أحمر الشعر: "هذا صحيح! لقد عمرنا طويلاً بعد الخونة لعشرة آلاف سنة! عشرة آلاف! وقضينا ذلك الوقت في تعزيز قوتنا وتحصين معاقلنا! نحن أعظم بكثير مما كانوا عليه يوماً!"
كانت الواجهة الواثقة متصدعة كشبكة عنكبوت بخيوط الشك. رفع ماركوس حاجباً.
"أرى ذلك. أقوياء إلى الحد الذي جعل العفاريت تشكل تهديداً حتى لكم ولشعبكم، تماماً كما كانت للبشر".
وقبل أن يتمكن أحد من الرد، تابع ماركوس: "في الواقع، بعد أن رأيت قاعة المدخل لديكم، ليس لدي أدنى شك في أن اقتحامها سيكلف أي مهاجم ثمناً باهظاً. رغم أنني... أتسااءل عما إذا كانت جبالكم برمتها محصنة بهذا القدر. وعما إذا كانت ستنجو من التعرض للتهديم لتتحول إلى مجرد أحجار رصف وطوب".
"مجدداً مع التهديدات! بالنسبة لشخص ينادي بالسلام، يبدو أنك مصمم حقاً على دفع شعبك نحو الحرب!"
هز ماركوس رأسه نافياً: "شعبسي؟ لا. كما قلت، لست عمرانياً. بل مجرد طرف ثالث. ورغم أن عدم عودتي سيرسل رسالة واضحة تماماً إلى الإمبراطور".
دس تلك التعليقة الأخيرة كنوع من بوليصة تأمين. فهو يرغب حقاً في الخروج من هنا سالماً. أخذ نفساً عميقاً. سيفضل تيبيريوس هؤلاء القوم كحلفاء أو شركاء تجاريين في الوقت الحالي، وكدولة تابعة تحت راية روما لاحقاً. كان يعلم ذلك جيداً. لكن كلما تعلم ماركوس المزيد، ازداد قلقه من أن تلك الخيارات لن تتوفر. ليست خيارات بمقدوره إدارتها بنفسه على الأقل. كان واضحاً تماماً أن الدبلوماسية العادية لن تجدي نفعاً هنا.
وعلى الرغم من مهاراته المذهلة في التعامل مع الناس وخبرته الواسعة في مثل هذه الأمور، إلا أنه استشعر مدى عمق هذا الضغينة. لم تكن هناك طريقة تجعل الأقزام يتغاضون ببساطة عن تاريخهم مع روما، ويتركون الماضي خلفهم، ليعملوا مع النسخة الأحدث للإمبراطورية. وحتى لو استطاع بطريقة ما حمل قادتهم على تقبل فكرة كهذه، فهل سيتمكن من دفع بقية السكان للقبول بها؟ تلك قصة أخرى. الأمر الذي كان...
إشكاليا، أقل ما يقال فيه. وبقدر ما كان هؤلاء الأقزام يختبرون صبر ماركوس في هذه اللحظة، فهذا لا يعني أنه يريدهم موتى جميعاً. والأدهى أن أي قدر من التملق أو اختلاق الأعذار للفيلق سيكون حلاً مؤقتاً وواهنًا للغاية. يكفيه أن يتخيل القنصل ومجلس شيوخه وعود ماركوس باللين والإنصاف على أنها اعتراف بالضعف. كدليل على أن روما، في وضعها الحالي، تقف حقاً على أرض مهتزة. مهتزة بما يكفي لتحطيمها بضربة مسددة بعناية.
بالطبع، لم يكن يعتقد أن الأقزام سيفوزون بالحرب. لكن مجرد خوضها سيضمن وقوع قتلى أكثر بكثير مما ينبغي. لا، إنه بحاجة إلى حل مختلف. إن لم يكن التحالف مع الأقزام بوعود الصداقة ممكناً، فلربما توجد طريقة أخرى. فهم، بعد كل شيء، خائفون بالفعل. فلماذا لا يستغل ذلك الخوف؟ بدأت خطة ترتسم في مخيلة ماركوس. فالتفت ليواجه بقية الحضور، محتفظاً بابتسامته ومحافظاً على استرخاء سلوكه قدر الإمكان.
"يبدو أن هناك سوء فهم. سوء فهم شديد للغاية حول طبيعة السلام الذي أحمله".
بدأ يتجول حول المنصة مجدداً، متحدثاً بصوت خفيض بما يكفي ليدفع الأقزام إلى الانحناء للأمام كي يسمعوه.
"هذا السلام... لقد عُرض على المجموعة الأولى من البشر الذين صادفهم فيلق الإمبراطورية حين وصولهم إلى هذا العالم. ولأنهم قبلوا ذلك السلام، فقد ازدهروا".
قطب شيوخ ذو شعر بلون الفحم حاجبيه: "وصلوا؟ تقصد أن..."
"آه، اغفروا لي. لن تكونوا على علم بذلك. فهؤلاء الرومان ليسوا من تتذكرونهم. ليسوا مجرد صدى ضعيف لححضارة طالها النسيان في عالمنا".
بسط ماركوس يديه على وسعهما.
"إنهم أقرب إلى روماني التأسيس في العصور الغابرة، لا أولئك المستكينين والضعفاء الذين تظنون أنكم تعهدتموهما. معتادون على القتال والموت في أراض نائية بلا أي نظام يعينهم".
"هؤلاء هم الرومان الذين صادفوا بلدة حدودية صغيرة، منذ أقل من عامين. أولئك الذين عرضوا سلامهم على نوفارا بأكملها وعلى العفاريت في الأراضي الواقعة وراءها. أولئك الذين، حين رُفضوا، أطاحوا بذلك الملك الفاسد وأبادوا عرساً بأسره. والآن... باتت الأرض في سلام مرة أخرى".
زأر أحد الشيوخ: "هذا ليس سلاماً. ليس حقاً. إنه سلام الخضوع!"
التفت ماركوس نحو القزم ونظراته حادة: "أفضل من سلام الموت. فهو بديلكم الوحيد".
ترك الكلمات يتردد صداها في القاعة، متوقفاً لفترة طويلة. كان بعض الشيوخ محتقنين بغضب عارم حيال الإهانات والتهديدات التي أرسلها ماركوس في طريقهم. أما البقية... فكان معظمهم مقطبي الجبين، رغم محاولاتهم الحفاظ على واجهات جامدة. لم يكن يريد حقاً تهديدهم جميعاً. لكن ربما كان هذا هو الأفضل في الواقع. كان عليه اختراق جدرانهم بطريقة أو بأخرى. وإلا... فلن يتبقى أحد. استدار ماركوس في حركة دائرية، ملتقياً بعيني كل قزم على حدة.
"هناك خياران. التاجر مع الرومان. قبول سلامتهم ومعاملتهم كحلفاء، بغض النظر عن تاريخكم. حينها سيُسمح لكم بمواصلة حياتكم بشكل أو بآخر، ومنحكم السيطرة على حكم أراضيكم. أو... القتال، والتعرض للغزو".
"أتظننا بهذا الضعف؟"
كان صوت القنصل منخفضاً وخطيراً. ولم يتغير تعبير وجهه بعد. لكن ماركوس شعر وكأن القزم القوي يخفي سخطه الخاص تحت تلك الواجهة.
قال ماركوس ببطء: "لا أظنكم ضعفاء. بل... نُسيّن فحسب. أكثر مما تتصورون".
"حقيقة أنكم لا تتذكرون ما يعنيه السلام بالنسبة لهم تعد دلالة كافية على ذلك".
شعر بالأقزام ينتفضون عند كلمة "سلام".
ممتاز. لقد حقق التأثير الذي كان يسعى إليه. لأن الشيوخ كانوا محقين. لم تكن هناك فرصة لسلام حقيقي. كانت المسألة مجرد مسألة وقت قبل أن توسع روما أراضيها مرة أخرى. ومهما رأى ماركوس من حروب، فلم يطور قط أي شغف بها. ألقى نظرة أخرى حول القاعة.
"سأتاركم لتفكروا في كلماتي. لكن، قبل أن أذهب... اسمحوا لي أن أترككم مع تحذير أخير".
شبك ماركوس يديه خلف ظهره، منتصباً بكامل قامته. وأطلق مهارة [الحضور المغناطيسي] ليضمن تركيز انتباه القاعة بأسرها عليه تماماً. لفترة وجيزة، فكر في إمساك عوده، لكنه عدل عن الفكرة. فقد أخبره الحراس بتفضيلات الأقزام الموسيقية. وهكذا، اكتفى بالنقر بعقبه، ليتردد صوت النقر في الغرفة بإصرار قاسي يشبه موكباً جنائزياً.
ومن هذا الذي يجرؤ، صاح زعيم الحرب، على الوقوف في طريقي؟ ما هم إلا المزيد من أولئك الرجال الضعفاء، لنكر عليهم ونقتلهم.
كانت كلماته منخفضة وعذبة. ردد المراثي منشدًا ومتحدثًا في القاعة التي سكنت فجأة.
وهكذا سخروا، وهكذا سخروا، تلك الوحوش التي تهابها الأمم، غير أن الصمت يسود أراضيهم الآن، ولا يسمعه سوى العظام والرماد.
توقف ماركوس لحظة، ثم عزم على ترسيخ المعنى في الأذهان.
وهكذا سخروا، وهكذا سخروا، أولئك الأقزام القدامى من الغابرين، حتى أتى عليهم طبل الرجال السائرين، كما أتى من قبل.
حين انتهى، صمت ماركوس. وتلاشى آخر صدى لخطواته ببطء، تاركًا القاعة في صمت ينذر بالسوء.
وانحنى، وقال: "هذا كل ما لدي. أرجو أن تتدبروا تحذيري جيدًا".
ثم استدار وراحت سبيله.