الفصل الثالث عشر من الكتاب الثاني: من سيوف إلى محاريث حدّق كوينتوس في المشرف مطولاً، طويلاً جداً. طويلاً إلى الحدّ الذي جعل الرجل يتململ تحت نظراته. وحين تكلم أخيراً، كان صوته مطليّاً بهدوء مميت.
قال: "تلك فكرة حقاً. بيد أني — وسأتحدث بوضوح — لا أرى أيّ مبرر يجعلنا نقدم على حماقة كهذه؟"
بدأ المشرف يعرق وقال: "حسن، أمم... عادة، يبدو الأمر مستحيلاً. ومثيرًا للسخرية تماماً."
سأل كوينتوس وهو يشير نحو المناجم بملامح جامدة: "أليس هنا؟"
لقد مات المئات من الفيالق وهم يقاتلون تلك المخلوقات في المرة الأولى. وكانت تلك أعظم خسائر تكبدوها في هذا العالم، وتفاقمت حدتها لافتقارهم إلى رجال أكفاء يعوضون صفوفهم.
عدّل الرجل نظّارته وقال: "قد... تكون الخيار الوحيد. فالسحرة الذين أبقوا الغول محبوسة قد رحلوا، وإيجاد بديل لهم سيكون... عسيراً. في الواقع، أغلب الظنّ أن السبب الوحيد الذي حال دون خروج تلك المخلوقات حتى الآن هو إفناؤك لعدد هائل منها."
"أتريد إيحائي بأننا لا نستطيع دفنها ببساطة؟"
هزّ المشرف رأسه بعنف: "كلا. لن يجدي نفعاً. ليس للأبد على أي حال. ودون رونيّات القمع كالتي كانت منقوشة من قبل، ستجد تلك المخلوقات سبيلاً لحفر طريقها إلى الخارج. وإن لم نمنحها مساراً تسلكه، فلا سبيل للجزم بما إن كانت ستشق طريقاً خاصاً بها في مكان آخر."
جزّ كوينتوس على أنيابه متذمراً وهو يستعيد وطأة التواجد في ذلك القبو. وحصار الوحوش القادرة على الزحف فوق الأسقف بمخالب ضارية تكفي لتمزيق رقبة رجل... لم يكن يتمنى تلك التجربة لأحد.
حاول المشرف التخفيف عنه بالقول: "من الناحية المشرقة، لن تكون أعدادها طاغية كما كانت في السابق. قد يكون الأمر أكثر سهولة للتحكم فيه. بل ويمكنكم استغلالها لزراعة الخبرة!"
عبس كوينتوس: "زراعة؟ أتقترح أن نغرس جثث الغول في الأرض؟"
حدق إليه المشرف بعدم استيعاب: "كلا، إنه... إنه مصطلح يُطلق على نشاط يُستخدَم لاكتساب قدر هائل من الخبرة بسرعة."
أومأ كوينتوس: "فهمت. وتزعم أن إبادة وباء من الوحوش المتوافرة بهذه السهولة سيُعدّ "زراعة" بالنسبة لنا؟"
أومأ المشرف: "بالضبط!"
أمعن كوينتوس التفكير. فمن جهة، تبدو الفكرة بالغة الخطورة. وإن فكرة إطلاق خطر كهذا عمداً هي أمر عبثي بحق. ومن جهة أخرى، نبع جزء كبير من الخطورة من مباغتة الهجوم التامة. وإن توفر لهم مزيد من الوقت للاستعداد وتوزيع الرجال في مواضعهم... ربما تنجح الخطة. كما استحق الأمر النظر في المنافع. وإن صدق المشرف، فستغدو هذه خطوة حتمية لتأمين ستونستر. وفوق هذا، تحمل طاقة كامنة لتسريع نمو الفيلق.
فقد عايشوا بأنفسهم حجم الفرق الذي يحدثه مستوى واحد في قدرتهم القتالية. وسيكون من الحماقة تفويت فرصة ذهبية لزيادة الخبرة، حتى وإن رافقتها مخاطر. صحيح أن بوسعهم رفع مستوياتهم بقتال المخلوقات في الغابة، لكنهم قد يبيدون الحياة هناك برمتها قبل كسب مستوى إضافي.
سأل كوينتوس: "...أهذا عدد الغول الدائم؟ أسنظل نخوض معركة بهذا الحجم بلا انقطاع؟"
عاد الرجل ليتململ بعصبية: "حسن... ليس تماماً... تدرك أن لأي عقدة شبيهة إجراءات متبعة لتطهير جزء من الوحوش مرة في السنة على الأقل. ولكن، المقاتلين الذين يُبعثون لتنفيذ هذه المهام مشغولون بالحرب، وكان البارون السابق شحيح ذات اليد..."
عبس كوينتوس مع استرسال الرجل في الحديث. ومهما حاول تجميل الإجابة، لم يكن صعباً قراءة ما بين السطور. فقد أُسقطت تدابير السلامة في مقابل تعدين أكثر كفاءة. مرّة تلو الأخرى. لقد سمع القائد هذه القصة من قبل. فدائماً ما يطمع أي سياسي أو سيد محلي في استنزاف موارده إلى أقصى حد دون اكتراث بالغد. وتُتخذ قرارات متسرعة لتقليص النفقات فيموت البشر بسببها، وأغلبهم من الجنود المُرسلين لتنظيف الفوضى الحتمية.
هذا ما يحدث حين يقرر الولّاة تشييد مدرج إضافي أو حمامات مترفة لأنفسهم دون تمويل الحاميات الحدودية حقاً. مع ذلك، ثمة أمر آخر لم يدركه تماماً. حلقة مفقودة أخرى لم تستقم. لماذا لم يستغل البارون هذا الأمر كفرصة تدريبية بنفسه؟ إن كان بحاجة إلى جنود أشسّاء — أو أي شخص آخر، إن شئت الدقة — فلماذا لا يزرع الغول؟
حين طرح السؤال على المشرف، تكدر وجه الأخير: "فكرنا في الأمر. لكن... لا يستحق العناء لمعظمهم. فالأعداد الهائلة التي تفرخها أي عقدة ضخمة كهذه تجعل استئصالها مستحيلاً حتى على عدة فرق من المغامرين لفترة حقيقية. وأما ذوو المستويات المرتفعة... حسن، فهم لا يكسبون ما يكفي من الخبرة لتبرير هذا العناء. بل يأتون فقط لعمليات تطهير عابرة. أضف إلى ذلك الخطر الكامن في وقوع خطب ما، وحينها..."
رفع كوينتوس يده قاطعاً حديث الرجل ليطيل التفكير في المشكلة. ألهذا الحدّ كانت الغول بالغة الخطورة؟ بأعداد غفيرة، بلا شك. ولكن بقوة مستعدة، وبعض التحصينات، ونقاط اختناق ملائمة، وربما تلك الرماح والمقاليق الفاخرة الجديدة لإبقائها بعيدة عن الأسقف... سيتقلص الخطر بدرجة كبيرة. لا سيما إن أداروا تناوب الرجال بكفاءة.
أقرّ كوينتوس: "سأدرس الأمر. اكتب تقريراً عما تحدثنا عنه. واضمنه جداول زمنية لاحتمال اختراق، وأعداد الغول المتوقعة، وأي أرقام أخرى قد تفيد."
استقام المشرف وقال: "بالتأكيد يا سيّدي!"
وبدا مرتاحاً لتكليفه بمهمة: "فوراً."
وما إن فرغ من ذلك، حتى ترك كوينتوس الرجل. إذ احتجّ إلى مخاطبة القائد الأول للكتيبة المسؤولة عن ستونستر بشأن مقترح المشرف، وربما تيبيريوس نفسه. وكلما أمعن في التفكير، تبيّن له بوضوح أنها قد تكون فرصة ذهبية. فرصة تمكنهم من ردم الهوة بينهم وبين أي أعداء محتملين. تساءل عرضاً عن مدى شيوع وجود كثافة سكانية عالية للوحشية على هذا النحو. وأقرب ما صادفوه حتى الآن كان سرب العناكب الذي اجتاح الغابة إلى جانب زعيم تلك المنطقة.
أيعني هذا وجود زعيم منطقة في المناجم أيضاً؟ وإن كان كذلك، فلماذا لم يقضِ عليه أحد بعد؟ هزّ كوينتوس كتفيه لنفسه. ربما كان عليه التحري عن هذا لاحقاً. لكن ليس الآن.
* * *
وما إن أنهى شؤونه في ستونستر، حتى حشد كوينتوس فرقة أخرى. وليست فرقة من مجرد متدربين. بل كانت مجموعة محنكة من الفيالق. تفحص رجاله بنظرة ثاقبة. ارتدى كل منهم رداء خشناً مرقطاً بالأخضر والرمادي يخفي الأشكال تحته مع الحركة. وفي ما عدا تلك التفصيلية الفريدة، تطابقت بقية معداتهم تماماً مع تجهيزات جندي الفيلق النموذجي.
خاطبهم كوينتوس: "أاستعدَدتم؟"
وأومأ رداً على جوقة "أجل يا سيدي"
المتلاحقة.
"حسناً. فلتتحركوا."
انطلقت المجموعة بخطى وثابة. ورغم مهارة كوينتوس الهائلة في [المسير]، استطاع هؤلاء الرجال مجاراته بكل سهولة. ولم يكن ينتظر منهم أقل من ذلك. فهم صفوة كشافيهم بعد كل شيء. ساعد استطلاعهم الفيلق على فهم تضاريس الأرض وسكانها بصورة أفضل. ومع ذلك، بقيت بقع بالغة الأهمية لم تصلها أعينهم بعد. وإحداها كانت عاصمة الإقليم — ضيعة البارون. المكان الذي لا بد لهم من مهاجمته عاجلاً أو آجلاً.
وقع المكان على مسافة بعيدة من موقعه الحالي، مما عزز فكرة أن البلدات التي استولوا عليها حتى الآن كانت صغيرة وهامشية نسبياً. وعنى هذا أنهم على موعد مع مسيرة طويلة. غير أن هذا السبب ذاته زاد من وجاهة اصطحاب مجموعة شديدة الحركة والخفاء بمثل هذه الكفاءة. ومع انطلاقهم، تأمل كوينتوس أساليبه الحالية. لقد لاحظ تغييراً تدريجياً ليس في أدائه فحسب، بل في طريقة عمل الفيلق بأكمله.
إذ تحول التركيز نحو تكتيكات الأفراد والمجموعات الصغيرة بدل الجهود الجماعية الكبرى المنسقة التي برعوا فيها. لم يكن الأمر مريحاً له تماماً، لكنه أبصر الضرورة فيه. فقد اضطر تيبيريوس لتحديث إجراءاتهم التشغيلية القياسية لتتواءم مع العصر والعالم الذي وجدوا أنفسهم فيه. ورغم ذلك، عادة ما تحدث مثل هذه التغييرات ببطء شديد على مدار قرون أو عقود، لا شهور أو أسابيع. عاش كوينتوس طويلاً كفاية ليشهد عدة أجيال من مختلف الأسلحة والمعدات، بل وحتى التكتيكات، وهي تتغير مع اكتشاف خيارات أفضل.
لكن مع ظهور النظام، تسارعت الأمور بوتيرة أعظم. ولم يعد العمل الجماعي لقرن كامل من الفيالق مطلوباً بالقدر ذاته لمواجهة التهديدات الأكثر شيوعاً. فوحدة عشرية، نعم، ولكن ما جاوز ذلك فقليل. ولا يعني هذا استطاعتهم نبذ تكتيكاتهم القديمة بالكامل. فقدرتهم على العمل معاً بكفاءة على نطاق واسع ظلت ميزة لا يتمتع بها سواهم. بل بدا أن السكان الأصليين لهذا العالم يعانون حساسية مفرطة تجاه العمل الجماعي بأي قدر مجدٍ.
غير أن تكليف كل جندي ببناء تحصينات المعسكر في حين تستطيع مجموعة متخصصة إنجاز المهمة في نصف الوقت وبجزء يسير من الأفراد... لم يعد مجدياً ببساطة. طبعاً، تمثل التغيير الجسيم الآخر في مسألة أكثر إلحاحاً: التجنيد. فلن تأتي تعزيزات أو بدائل. أبداً. ولم يعد بمقدورهم الخروج في حملة مدتها تسعة أشهر ثم العودة للتزود بالمؤن بدمائهم الجديدة من المجندين أو الضباط المخضرمين. كلا، فعلى حين يبنون تلك البنية التحتية، يتوجب عليهم التجنيد أو الترقية من الداخل.
وهذه مشكلة لعدة أسباب. أولاً، يعني الواقع أن قاعدة المرشحين للترقية أضحت أصغر بكثير. وأما أولئك الضباط والقادة في قمة التسلسل الهرمي... فأين المساحة المتاحة لنموهم؟ فحتى يؤسسوا فيالق أخرى أو حكومة رسمية، سيظل رجالهم أجمعين عالقين في مواقعهم الحالية. وهي مشكلة حقيقية، إذا أخذنا في الاعتبار نزوع بعض ضباطهم وقادتهم المتزايد لتفادي المخاطر. أدرك كوينتوس استحالة استمرار هذه العقلية.
وقد طرح الأمر مراراً على قادة آخرين، وإنصافاً للحق، ثمة منطق ما في تجنب الزجّ ببعض الضباط أو القادة في المعارك، لا سيما أصحاب الخبرات المتخصصة في الشؤون اللوجستية. بيد أنه علم أيضاً حاجتهم إلى كل جندي يمكنهم توظيفه، خصوصاً في الوقت الراهن. ولم يقتصر الأمر على ذلك. فالقادة على وجه الخصوص ثمينون لخبرتهم وبراعتهم. ولكن ما دامت المهارات ومستوياتها تتطلب الاعتبار...
فإن لم يضعوا أنفسهم بلا توقف في مواقف تجبرهم على التحسن، فسيتخلفون عن الركب. الشاسع هو الفارق بين قائد ذي خبرة عقود ومجند جديد، ولكنه لم يعد عصياً على التجاوز. ليس إن أخفق القادة في دفع أنفسهم قدماً. ومن جهة أخرى، لم يتخيل كوينتوس سوى الفارق المهول بين جندي آمن جانب التجنيد واكتفى بالسلامة فلربما لم يبلغ قط رتبة قائد، وقائد دفع نفسه نحو المخاطر واغتنم كل سانحة لتحسين مهاراته.
من يرتقي بمهارته إلى نوادر أعلى فينتهي به المطاف بمستويات بالمئات... فلن يقبل المقارنة بأحد. وإن خلا الفيلق من أمثال أولئك الأبطال الذين يدفعون أنفسهم للأمام، فلن يقوى الفيلق على مجابهة القوى الحقيقية في هذا العالم. وربما لم يلمحوا شيئاً منها بعد، غير أن كوينتوس تيقّن من وجودها. وما المغامرون الذين حاربوهم سوى البداية. وبهذه العقلية توغل في أعماق أراضي العدو، متحملاً مخاطر إضافية، ولكن لسبب وجيه.
فقد رام بلوغ عاصمة البارون. وليس بالضرورة اقتحامها من الداخل، بل الاقتراب منها بما يكفي لمراقبتها وتمحيص دفاعاتها. وإن حالفه ورجاله الحظ في تحسين مهاراتهم أثناء ذلك، فذلك فضل ونعمة. ما لبثوا أن غادروا الطرق، ليسيروا مفردين في حقول من العشب بامتلاء الخصر. وأمام الكشافين، لم يستطع كوينتوس سوى الشعور بأنه فيل أبلة يدوس في الغابة. صحيح أنه اتسم بخفاء، غير أنه لا يرقى لمستوى أولئك الرجال بحال.
ولحسن الحظ، حين أضحت المنطقة مزدانة بالصخور والأشجار التي توفر المخبأ، شعر بأنه أقل انكشافاً. وفي وقت قصير يبعث على الدهشة، بدت أسوار مدينة متوسطة الحجم في الأفق. فاصطف الفيالق على طول تلم، وحدّق كل منهم في المدينة الصاخبة. وتدفقت عربات التجار ومجموعات صغيرة من البشر دخولاً وخروجاً عبر البوابات الضخمة، مقبلة ومدبرة لشؤون شتى.
التفت كوينتوس إلى الكشافين وقال: "سنقيم نقطة مراقبة هنا. لنرَ ما نستطيع جمعه من معلومات."
فنفذ الكشافون ما أُمروا به، مخفين مواقعهم عن الأعين المتطفلة. واستقر كوينتوس في مكانه، مستعداً لاحتمال أيام من المراقبة للظفر بفكرة أفضل عن الأعداد السكانية، والبضائع الوافدة والصادرة، وغيرها من المعلومات. ومع ذلك، لم يمضِ يوم كامل حتى لمسوا ما استدعى تدخلاً فورياً. توقفت الحركة دخولاً وخروجاً من البوابة، واصطف الراغبون في دخول المدينة جانباً. وبعد لحظات، تبيّن سبب ذلك.
فقد بدأت طوابير طويلة من الجنود في الزحف خروجاً، شاقين طريقهم على طول الطرق المتعرجة. ضيّق كوينتوس عينيه. بدا جلياً أن الرجال لم يكونوا محترفين. فقد انعدم انضباطهم، وساءت تجهيزاتهم بل ومستويات أعمارهم عن سن القتال المثالي بمراحل. ولكن الأهم من ذلك كله... أنهم كانوا يتجهون شرقاً.
تابع المراقبة مع الكشافين برهة قبل إصدار أوامره: "فلنذهب. علينا إبلاغ القائد. يبدو أن الحرب على الأبواب."