دفقة من الماء البارد أعادت ماركوس مرغماً إلى وعيه. سعق وأصدر أصوات اختناق، متلوياً على الحجر الصلب الذي اتخذه فراشاً على ما يبدو، بينما حاول استعادة وعيه. عيناه الغائشتان بالكاد ميزتا زوجين من الأقدام المنتعلة بالصنادل أمامه، قبل أن تطبقا بإحكام تفادياً لسطوع شمس الظهيرة.
قال أحدهما: "تباً، يا رجل."
كشفت أسنان ماركوس عن ألم، فصوته العالي أرسل طعنات من الألم عبر جمجمته.
"أعلم. أخبرتك أنه في حالة سيئة."
"سيئة تعبير لطيف. مستحيل أن نحضره إلى الإمبراطور بهذه الهيئة."
تمتم ماركوس: "ماذا... ماذا يجري؟"
ورغم إصابته بأسوأ مخلفات سكر في حياته، نجح في الكلام بلا تلعثمة أو صعوبة تُذكر. تلك ميزة حياة كاملة من التدريب وكاريزما بالغة الارتفاع. وضع أحد الفيلقين دلواً فارغاً كان يحمله.
"نحن هنا لنعيدك إلى هيئة بشرية معقولة. كنت في نوبة سكر طوال أسبوع."
"أسبوع؟!"
حاول ماركوس الوثوب إلى قدميه بذعر، ليزلق فوق بركة الماء تحته ويكاد يشق رأسه على الحجار. وسمع الرجلين يقهقهان فوقه.
"كلا، أمزح فحسب. مضت ثلاثة أيام فقط. لكن لديك مقابلة مع الإمبراطور اليوم. أم أنك نسيت؟"
أطلق ماركوس أنّة. استطاع تذكر ومضات باهتة من غناء أمام حشود الفيلق، والإشراف على عراك سكارى، ومنافسات غير محسوبة العواقب، وما شابه. لكن ثلاثة أيام؟ كان وقتاً طويلاً كي يفقده هكذا ببساطة. وبعد فوات الأوان، استوعب الجزء الأخير من كلام الفيلقي.
"لدي... مقابلة؟"
"أجل. وإن لم نحملك على التحرك الآن، ستتأخر."
انحنى أحد الفيلقيين وأمسكه من ذراعه، رافعاً إياه إلى قدميه وهزه.
"هيا، يا صديق."
أمسك الرجلان بماركوس من جانبيه فعلياً، وقاداه بمسيرة قسرية في الزقاق. حاول الشاعر تثبيت قدميه تحته إلى أفضل حد استطاعه.
"إلى أين نحن ذاهبون؟ لمقابلة تيبريوس؟"
"في حالتك هذه؟ اللعنة كلا. سنمر بطبيب أولاً، ثم نحتاج إلى إلباسك شيئاً مناسباً. لألعن إن جئت بك أمام الإمبراطور وأنت تبدو كمن نام في حظيرة خنازير."
وحينها فقط أدرك ماركوس حقيقة حالته. الحجر الذي نام عليه لم يكن سوى حلقة في سلسلة مساكن سيئة الاختيار، إن صحت طبقة القذارة المترسبة على جسده كله دليلاً. ودلو الماء الذي أفرغاه عليه كان تحسناً بصراحة. فقد أزال القليل منه على الأقل.
سأل شارعاً أسنانه بوجه الارتجاجات التي أرسلتها خطواته عبر جسده: "متى هذه المقابلة إذن؟"
"خلال عشر دقائق. مما يعني أن عليك الإسراع بحقك."
لم يستطع ماركوس سوى الأنين.
"امنحوني دقيقة..."
أزاح الرجلين عن كتفه، وبعد لحظة أطلقاه عن طيب خاطر. أخذ يعبث بحقيبته، ونجح في إخراج كتاب تعاويذه — ممتناً لنجاحه بطريقة ما في الاحتفاظ بكل أغراضه — وراح يقلب الصفحات. ووجد بغرضه قريباً وبدأ التعويذة بثبات قدر استطاعته. كان الأثر فورياً. الأوساخ والماء والفتات العالقة بملابس ماركوس وشعره ارتفعت كأنما بقوة خفية، وتجمعت في كرة واحدة أمامه. وما إن نظف تماماً، حتى وجه ماركوس الكرة نحو جانب الزقاق، تاركاً إياها بعيدة عن طريقهم.
صفق أحد الفيلقيين استحساناً.
"اللعنة. تلك حيلة مفيدة."
تمتم ماركوس وهو يعيد كتاب تعاويذه مكانه: "ما هي إلا مكلفة."
كان يحتفظ ببعض تلك التعويذات متفرقة لمثل هذه المناسبات. لكنه يفضل حماماً حقيقياً متى أتيح له. ومع ذلك، لا مفر.
"ما زلت لا أصدق أنك أمضيت كل هذا الوقت في السكر. يوماً، نعم، لكن ثلاثة؟ تبا، يا رجل. إنجاب الأطفال ليس بهذا السوء."
بذل ماركوس جهده للتجهّم، رغم تحول ملامحه إلى تقطيب بسبب سطوع الشمس.
"لم أكن يوماً على وفاق مع المسؤولية."
حقيقة قراره البقاء مع الفيلق وبذل ما في وسعه لتخفيف هياجهم كانت أمراً غير معتاد منه بالفعل. لكن دافعها الأكبر رغبة في مشاهدة قاصتهم تتكشف من أفضل مقعد في القاعة. حقاً، ما فعله لمساعدة أقوام مثل النوفاريين المنهزمين لم يعدو كونه إضافات. أمور يستطيع الانسحاب منها في أي لحظة. مرر يده في شعره المنظف حديثاً. لم تفعل التعويذة شيئاً تجاه تشابكه أو تجاعيد ملابسه. لكنه بدا وشعر بتحسن هائل.
"الآن، ذكروني بماهية هذه المقابلة تحديداً؟"
كان الفيلقيان مستعدين لتغيير الموضوع بامتنان. فمحاكمات النبلاء النوفاريين على أشدها، وكان مفترضاً به أن يتحدث نيابة عن النبلاء الذين استسلموا إبان الغزو. المحاكمات كانت للعرض فحسب. تماماً مثل إعدام الملك، كانت أغنية ورقصة غرضهما الأساسي تمليس انتقال السلطة وإراحة البال. ومهما فعل ماركوس لرسم صورة مستساغة عن الرومان، فإن إظهارهم كأناس معقولين يحترمون سيادة القانون سيساعد بالتأكيد.
وستمنح تيبريوس فرصة مثالية للتخلص من أي نبلاء قد يثبت إشكالهم مستقلاً — وهو أمر آخر سعد ماركوس بتقديم المشورة بشأنه. رغم أن أغلب أولئك قد احترقوا عن آخره أثناء الاستيلاء الأولي. قطب حاجبه حين خرجوا من الزقاق إلى وهج النهار الساطع. كان رأسه ينبض كأن فولكان بنفسه جعل داخل جمجمته كورداً شخصياً.
تجرأ ماركوس قائلاً وهو يدعك وجهه بيد واحدة: "لا أظن أن لدينا وقتاً للتوقف عند طبيب؟ تعويذتي تلك لا تفعل سوى القليل..."
أسرع الثلاثة لإعادة ماركوس إلى هيئته المعتادة. ثم هرعوا نحو القلعة، حيث تسلل عبر مدخل الخدم ليصل متأخراً بلمسة أناقة عن المحاكمة الأولى. لحسن الحظ، كانوا ما زالوا يناقشون الشؤون الإدارية الرسمية لا شيئاً يجعل غيابه ملحوظاً. استقر ماركوس في مقعد، وأطلق تنفس ارتياح، ململماً بهدوء بضعة تجاعيد أخرى من رداءه ومستعرضاً الغرفة. ولمصيبته، كانت الأميرات حاضرات حقاً — وتنظران إليه مباشرة.
رسم ابتسامة على وجهه، متطلعاً فجأة إلى مجريات الأمور بسخط أقل حتى من ذي قبل.
* * *
بعد قضاء أشهر على السهول المفتوحة، بدت القمم الشاهقة والتكوينات الصخرية لأراضي الأورك أكثر ضيقاً واختناقاً. زوايا عمياء مثالية لإخفاء الكمائن، تضاريس وعرة تفرض على طوابيرهم الالتواء أو الانكماش، ناهيك عن غياب مساحات جيدة للتخييم... لقد سار كوينتوس عبر جبال الألب من قبل، وكان سيصف حتى ذلك المكان بالودود حقاً بالمقارنة. وكانت نجاتهم الوحيدة هي [مسار الحرب]. فإلى جانب تسريع تقدمهم وضمان قضائهم أقصر وقت ممكن في هذه الأرض الملعونة، ساعد أثرها الثانوي الغريب في تمليس مسيرتهم بشكل هائل.
جعل غايوس الرجال يركزون على أثر أقدامهم على الأرض أدناه، وتخيل كيف ستدو بعد أن يُحضّروا هذه الأرض. كانت النتائج مذهلة. التضاريس غير المنتظمة والوعرة تملست بشكل ملحوظ وبدت أيسر بكثير للملاحة. أشبه ما تكون بالمسير عبر الثلج، حيث يضغط الرجال في المقدمة المادة البيضاء ليسهلوا حياة إخوتهم. وحين مر مؤخرة الطوابير، أفاد الكشافة بوجود بقع معدودة معبدة بالحجار.
طبعاً، “الطرق”
تركت الكثير مما يمكن تمنيه. فنظراً لمساراتها المتعرجة والتغيرات المستمرة في عرض تشكيلهم، لم يكن ما تُرك خلفهم بفاعلية أو نظافة الطرق التي اعتادها كوينتوس. لكنها كانت بداية، وستجعل مسيرة عودتهم أيسر أضعافاً مضاعفة. لكن ما أثار توتر كوينتوس حقاً هو غياب الحركة. ورغم مثالية التضاريس للكمائن والهجمات الخاطفة ومفاجأة الفيلق، لم يصادفوا ذرة مقاومة واحدة. ولا حتى روحاً.
وحتى المستوطنات المتناثرة التي صادفوها كانت مهجورة حديثاً كالأولى. كان غياب أي معارضة أسوأ من غارات الاستطلاع. نما التوتر لدى الرجال وبينه هو ساعة بساعة، في انتظار فخ ما ينطبق حولهم وهم يبطئون تدريجياً ويمارسون حذراً أكبر، مترقبين تأكيد الكشافة لخلو الطريق. لم يملكوا ترف التراخي، لكن هذه الحالة لم تكن مستدامة بدورها. مرت الأيام هكذا حتى لمحوا مجموعتهم الأولى من الأورك.
ومع ذلك لم يكن كميناً ولا حتى مستوطنة مأهولة. كانت فصيلة من البرابرة ذوي البشرة الخضراء تركض نحو أعماق الأرض القاحلة. كانت المجموعة أصغر من أن تواجه مئة من جنود الفيلق والجن الإلف مشكلة في التعامل معهم. وعندما بلغ كوينتوس موقع الاشتباك، كان قد انتهى بالفعل. جثث الأورك تناثرت على الأرض. وقُيّد عدد يسير منهم بغرض استجوابهم على أمل تقديم رؤية عما يجري. ومع ذلك، وبالنظر إلى عويلهم ومقاومتهم للقيود، لم يعلق كوينتوس أملاً كبيراً على قدرتهم أو رغبتهم في التواصل.
مر القائد ببعض الفيلقيين الذين تعرضوا لإصابات، يومئ إليهم اعترافاً بينما يتولى أمرهم الأطباء والجراحون. ثم نبح بأوامره.
"نعسكر عند الجرف الصخري شرقاً. خذوا الأسرى هناك واعرضوهم على القائد للاستجواب. وانقلوا الجرحى هناك أيضاً."
تسرع الرجال في الطاعة. اختار غايوس إقامة المعسكر مبكراً بعض الشيء اليوم، مفضلاً المعلومات المحتمل الحصول عليها من الأورك على السرعة. ولم يستطع كوينتوس إلا الموافقة على الشعور. ثمة خطب ما هنا، وحتى لو بدا الأورك أقل تعاوناً، فلربما هناك ما يمكن تعلمه من هؤلاء الأوغاد. واستخلاص تلك المعلومات سيكون أيسر بكثير إن لم يحتجوا للقلق بشأن فعلها أثناء المسير. حفر الرجال في جوانب التلال، وأقاموا أبراج مراقبة عالية، وحصنوا كل مداخل المعسكر.
واتخذوا مواقعهم فوق أعلى بقعة أرض يمكنهم إدارتها عملياً. وتعقد الأمر بعض الشيء بسبب غياب الأشجار في المنطقة، لكن ذلك لم يكن شيئاً لم يتغلبوا عليه من قبل. بحلول هذه النقطة، كان الرجال أكثر من قادرين على إنتاج تحصينات ترابية مقبولة تنافس التحصينات الخشبية. استغرقت الأمور بضع ساعات لتستقر في مكانها، وحين تأكد كوينتوس من مراقبة كل مدخل أو زاوية متدلية على الأقل، إن لم تُحتل، كان غايوس قد بدأ استجواب الأورك بالفعل.
خرج القائد من خيمة تصدر أصواتاً مزعجة نوعاً ما وطلب عقد اجتماع طاقم. وتجمعوا في خيمة القيادة ليجدوا غايوس مقطب الجبين، كصدى أصغر لتيبريوس في أسوأ لحظاته. تجمع هو وكوينتوس وبقية الضباط حول خريطة ثلاثية الأبعاد للمنطقة المحيطة. أومأ غايوس لفيلقي قريب، فتناول قلماً وبدأ برسم خطوط سريعة عبر الخريطة.
أوضح غايوس مشيراً إلى نقطة في أقصى الغرب: "من الواضح أن هناك دعوة لجمع الأورك للحرب. وليست أي حرب. حرب تلي مباشرة مجلساً. حرب وُعدت بأن تكون الأعظم في تاريخ قومهم. نقطة التجمع هنا، في أكثر المستوطنات كثافة بالسكان في هذه الأراضي. وكل فرد من الأورك في هذه الجبال متوجه إلى هناك."
نظر كوينتوس إلى النقطة. بدت كوعاء هائل في الجبال، مشكلة بقعة من الأرض المستوية تمتد أميالاً عدة. ورغم عدم رؤيتهم لمحتوياتها بعد، لم يساوره شك في أن الكشافة كانوا في طريقهم لإصلاح ذلك النقص.
سأل أحد الضباط: "كم عددهم؟"
هز غايوس رأسه.
"بناء على أقوال أسرانا، «الكثير والكثير والكثير». يبدو طلب تقدير الأعداد من هؤلاء الأوغاد عبثاً لا فائدة منه. لكني لا شك عندي في أنها ستكون قوة أكبر حتى من تلك التي رأيناها في نوفارا. لقد تتبع الكشافة المستوطنات التي صادفناها، وتشير أفضل تقديراتهم إلى مئات الآلاف إجمالاً."
علت التمتمات حول الطاولة. ولا عجب. فقد اعتاد الفيلق قتال خصوم يفوقونه عدداً، بالطبع. لكن هكذا؟ حتى لو وجد مئة ألف من الأورك فقط، فسيواجهون احتمالات تقارب عشرين لواحد بأعدادهم الحالية، وذلك مع احتساب الإلف بينهم. ناهيك عن كون ذلك في تضاريس غير مواتية تماماً. هذا الرقم جعل حتى كوينتوس يقطب. صحيح أنهم تمكنوا من التعامل مع الأورك بسهولة نسبية في المرة الماضية، لكن ذلك بفضل موقع حصين وعدم تركيز الأورك على الفيلق كهدف أساسي.
وإن تركز هذا الفيض من المقاتلين عليهم بالكامل، فقد تختلف القصة تماماً. وحتى لو جلب روما كامل ثقل قواته — فيلقين، رجال الدوق ريدكليف، ما تبقى من جيش نوفارا، وأي جنود يمكن للنبلاء حشدهم — فلن يقتربوا من تلك الأعداد. ناهيك عن حساب مدى تضخم القوى الأوركية خلال الوقت المستغرق لحشد قواتهم وجلبها هنا. مر كل هذا في رأس كوينتوس بينما واصل غايوس حديثه.
"لحسن الحظ، لا يبدو أن الخبر قد انتشر بين كافة الأورك بعد. هذه المجموعة سمعت بالمجلس قبل يوم واحد فقط. ورغم جهلنا بسرعة حركة رسلهم، فإننا نعلم وجود مستوطنة هائلة أخرى في هذا الاتجاه."
أشار غايوس إلى موقع جنوبهم. فحدد الفيلقي حامل القلم الموقع، ثم بدأ يرسم مساراً متوهجاً بينه وبين الوعاء الترابي الذي يمثل نقطة تجمع الأورك.
"إن كان هؤلاء الأورك لا يزالون في الطريق، فقد نتمكن من اعتراضهم ومنعهم من الانضمام للقوة الرئيسية. سيجعلهم ذلك أيسر إدارة بكثير نظرياً. وسيمنحنا فرصة أفضل لصقل تكتيكاتنا على نطاق أصغر قبل رمي أنفسنا هانئين في عرين الأسد. أراؤكم؟"
وحين أنهى، ارتفعت نظرة غايوس لتلتقي بعيون كل رجل بدوره. كانت هناك جودة حازمة وحاسمة في نبرته لم تكن موجودة عند بداية هذا المسعى بأسره. وعندما التقت عيناه الشابتان بعيني كوينتوس، منحه القائد إيماءة موافقة خفية. لم يكن الوضع واعداً تماماً. ومع ذلك، حافظ غايوس على رباطة جأشه ولم يسمح للرجال بالشعور باليأس. ومع قليل من الحظ، قد تسير الأمور في صالحهم حقاً. تبادل الجميع الحديث لفترة أطول قليلاً، مستخلصين التفاصيل الأخيرة لخيلتهم.
ثم تفرّقوا للحصول على ما يمكنهم من نوم. غداة اليوم، ستنطلق هذه الحملة حقاً.