"برر"، هكذا تمتمت ثيرا فور اجتيازهما البوابة المفضية إلى المدينة التالية مع إشراقة الصباح، بينما غطتها طبقة سميكة من الثلج تشهد على مدى قربها من الشمال مقارنة بالأماكن الأكثر اعتدالاً التي اعتادا قضاء وقتهما فيها.
"حسناً، كنت أود حقاً تلقي تحذير حقيقي بشأن هذا. كان بإمكاننا على الأقل حزم ما يناسبنا من ملابس".
قال بن وهو يُجسّد سترة سميكة لها وأخرى أخف له لدرء البرد: "أخبرتك أن على النقابة بذل جهد أكبر لتزويدنا بكل المعلومات ذات الصلة عندما ترسلنا في مهمة ما. كان هذا الأمر يستحق المعرفة مسبقاً".
مع ذلك، لم يكن هناك ما يُفعل حيال ذلك آنذاك، ولم تكن المشكلة مما يصعب عليه حلّه فوراً، ففعلا ومضيا يخوضان في الثلج بحثاً عن نقابة المدينة، ليجدا نفسيهما في مبنى أخلى بكثير من البقية، إذ كان الوقت في تلك الأرجاء لا يزال مبكراً وما زالت الشوارع بحاجة إلى الكسح، مما شكّل إشارة كافية للآخرين بالبقاء في منازلهم، فلم يبقَ سوى اثنيهما وموظف واحد حين دخلا، بينما كان هناك رجل ضخم كالييتي ينتظرهما ليتقدما منه ويُخرجا بطاقتيهما.
قالت ثيرا مُحافظة على نبرة ودودة رغم الصعيد القارص الذي تسلل حتى إلى داخل ذلك المبنى: "صباح الخير. أعتقد أن قدومنا متوقع. فقد أُرسلْنا إلى هنا لإنجاز مهمة تشييد وأُخبِرنا بأننا سنحصل على تفاصيل إضافية عند وصولنا. هل هناك أي احتمال لوجود رئيس النقابة؟".
أومأ الييتي قائلاً: "ذلك أنا"، مفاجئاً إثنيهما لرؤية الرجل يعمل عند الاستقبال ليترك له الرد على ذلك التفاعل.
"مُنِح بقية الطاقم فرصة الحضور متأخراً ريثما يتم كسح الطرق، ولا فرق إن كنت أملأ أوراقي في الأمام أو في الخلف. على أي حال، يسعدني جداً حضوركما، وآمل فقط أن تقدرا على المساعدة. تعالا إذن، سأطلعكما على تفاصيل العمل".
قادهما الرجل نحو طاولة قريبة، وجلس مرتدياً نظرة خفية تُعبّر عن شكوكه في قدرتهما على تقديم مساهمة تذكر في أي شيء يتطلب إنجازه، حتى وإن احتفظ بهذا الرأي لنفسه.
"باختصار، استقبلت مدينتنا حالياً نحو ألف نازح من اليوتون، وهم يُمثلون نحو عشر قرى ظلت دائماً قريبة نوعاً ما، لكنها انطوت على نفسها إلى حد كبير حتى وقت قريب. نحن بحاجة إلى توفير مساكن لهم".
أومأت ثيرا دون أن ترى مشكلة حتى الآن بينما واصل رئيس النقابة كلامه: "يبدو الأمر سهلاً بما يكفي".
"لن يكون كذلك. هل تعرفان الكثير عنهم؟".
أجاب بن: "إلى حد ما. لقد التقيت ببعضهم. هل هناك أي مشكلة ثقافية؟".
"باه، لكان التعامل مع ذلك أسهل. كلا، إن كنتما قد التقيتم ببعضهم، فيجب أن تعلما شيئاً عن السحر الكامن الذي يتعاملون معه".
ضيّقت ثيرا عينيها وسألت: "ما هي المشكلة بالتحديد في ذلك؟".
"المشكلة هي أنه سحر جليدي، وتلك مشكلة تخص الجميع. قد نكون في أقصى الشمال، لكن لا ينبغي أبداً أن نشهد شيئاً قريباً من هذه الثلوج التي عانيناها خلال الشهر منذ قدومهم إلى هنا، فوجودهم يعيد تشكيل البيئة بطريقة يصعب على بقية السكان الأصليين هنا التعامل معها".
سأل بن مرجحاً أنه الحل الأبسط وما يمكنه صنعه لكل واحد منهم بنفسه ببعض الوقت، غير أن الأمور بدا أنها لن تكون بهذه البساطة: "أليس لديهم دعامات لقمع سحرهم؟".
"أحضرنا أشخاصاً إلى هنا لصنعها لأي شخص لم تكن بحوزته بعد قدومهم إلى هنا، لكن ذلك لا ينفع إلا إذا عزموا على ارتدائها. وهو ما يفعلونه على الأقل حين يخرجون هنا وهناك. ولكن عند ذلك فقط. من الواضح أن ما يكفي منهم يخلعونها حين يعودون إلى المأوى المؤقت الذي نقيمهم فيه الآن، لذا فحين يحل الليل ويأوون جميعاً إلى أماكنهم، نشهد هبوطاً هائلاً في درجات الحرارة يتعين على الجميع التعامل معه، وبرودة تستمر حتى اليوم التالي. لقد تحدث إليهم الناس بشأن المشكلة، وأنا منهم، لكن عدداً لا يائل يلتزم بحلها، لذا إن لم نتمكن من الوثوق بهم في تغيير سلوكهم، فنحن بحاجة على الأقل لمنازل لهم قادرة على حبس سحرهم بما يكفي لئلا يظل مشكلة تخص بقية السكان".
تمتم بن وهو يستعرض الحلول في ذهنه: "إذن فهي مسألة بناء منازل لهم للمساعدة في احتواء أسحارهم، أليس كذلك؟ أمر مثير لاهتمام، لكنه ممكن. في تلك الحالة، هل يمكننا رؤية المكان الذي يقيمون فيه حالياً لكي نعرف ما الذي نتعامل معه؟".
"آه، هم منتشرون حالياً في أنحاء المدينة كافة في المساحات المتاحة التي وجدناها، لكن هذا لا يجدي نفعاً بتاتاً. نحن بحاجة إلى مساكن ملائمة لهم، لا مجرد شيء يسدّ الحاجة. لديكم أيضاً قطعة أرض مخصصة للبناء عليها. وما إن يصل شخص آخر لإدارة النقابة، حتى أتمكن من دلالتكم على الطريق".
ما إن وصل عامل جديد للاهتمام بشؤون النقابة، حتى قاده رئيسها إلى الخارج، واجتاز به الشوارع نحو أطراف المدينة حيث مُهِّدت بعض الأراضي للبناء، ولم يكن ينقص المكان سوى وصولهما ليشرعا في تفحصه، بينما طفق بن يملي على نفسه أبعاد تلك القطعة وما يتوجب عليه فعله فيها. إذا كان بصدد التشييد خصيصا لإيواء ألف وافد جديد فلن تكون تلك بالمهمة الهينة، غير أن الهاجس الأكبر تمثل في سحرهم الجليدي الكامن وكيف سيؤدي ذلك إلى عواقب شتى إن لم يفلح في السيطرة عليه أولا؛
فعلى حد ما آلت إليه الأمور، أخذت بيئة المدينة تتغير بفعل وجودهم المتفرق في أرجائها، فما بالك بما سيحدث لو انحصروا في مكان واحد مع استمرار الكثيرين منهم في كبح سحرهم بالشكل المطلوب؟ أخال أن المناخ المصغر الحالي سيزداد ضغطا وفظاعة لكل من يقطن في تلك المنطقة المحددة حولهم، غير أنه يتعذر التنبؤ بما إذا كانت لهم تأثيرات أخرى تمس المدينة برمتها ما لم نختبر بأنفسنا ونرى مآل الأمور.
لا بأس مع ذلك؛ فأنا قادر على حل هذا. في الواقع، لم يتطلب الأمر سوى تطبيق حل استنباطه منذ أمد بعيد دون أن يلمس له قيمة حقيقية تُذكر حتى تلك اللحظة؛ إذ كان عليه إسقاط تعويذة تميمة المقاومة على المباني ذاتها. أمر فعله مرة خلت في دياره، فقط ليرى إن كان مستطاعا، ولم يلمس أي جدوى من مواصلته بعدما ثبت أثره؛ فقد نجحت التجربة، غير أن التحدي كان مما يتجنبه معظم السحرة، لا لدقته التقنية بل لحجم العمل الهائل الذي يستلزمه، والذي يختلف عن أي عباءة صُنعت لصد أثر كامن، إذ يصعب التوقف في منتصفه طلبا للراحة.
وبمقارنة الأمر بصنع دعامة لأحدهم، فأين الجدوى إذن؟ هذا على الأقل ما تساءل بشأنه حينئذ بعد الفراغ من اختباراته، لكنه بات يدرك الجاذبية فيه الآن. فعلى عكس السحر الأسود الكامن الذي قد يخلف عواقب وخيمة إن أُهمل تدبيره، كان أي سحر مادي ذي أثر كامن أيسر بكثير، إذ يمكن لحامله تقبله ببساطة دون مبالغة في القلق ما دام لا يلحق أذى مباشرا بأحد. صحيح أن الكثيرين بدوا وكأنهم يرتدون دعاماتهم طوال الوقت، لكن إن كان كافيا منهم خلعها للنوم، فذلك لأنهم عجزوا عن إدراك الأثر السلبي الذي يفرزونه على بقية المدينة المجاورة في ظل تعايشهم هم أنفسهم مع الأمر بلا مشكلات.
وظل هناك خيار دفع ملوكهم للحديث معهم مباشرة بشأن ذلك لتوضيح الأمور، غير أن طبيعة العلاقة بين القوى السماوية وبشر هذا العالم جعلت منه خيارا شديد التطرف لا يود اللجوء إليه ما وجد إلى ذلك سبيلا. سنرجئ هذا الخيار لإن استمرت المشكلة قائمة؛ فلنبدأ الآن إذن. رسم في مخيلته نموذج المنازل التي يبتغيها قبل أن يتصل بـثيرا، دافعا إياها لتجهيز الأرض عبر حفر قبو واستخلاص ما تيسير من معادن البيئة لبناء هياكل المنازل، بينما تجسد الباقي لاحتياجاته مع انبثاق مجمعات سكنية صغيرة شبيهة بالشقق، تكفي لإيواء أسر قليلة براحة، واستمر التشييد لاستيعاب أولئك الألف ساكن، إلى جانب وحدات إضافية تحسبا لقدوم آخرين، بينما انخرط بن في العمل، مثبتا التعويذة المنشودة ومطورا التصميم الأصلي.
فمهما بلغت جودة العمل آنذاك، واعتبارا للظروف كافة، فقد بقي متسع وافر أمامه لتطويره. فحين وضع تلك التعويذة أول مرة، كانت مهاراته غير مستيقظة ومعرفته ضحلة مقارنة بما بلغته اليوم؛ فلم يكن قد تعلم نظام الحلقات، ولا أنشأ نظامه الشخصي، ولم يكتشف بعد معدلات المانا التي تملك القدرة على تحريف أثر التعويذة، ناهيك عن جهله بمعدل السحر لتعظيم قوة تعويذاته. بدا الأمر وكأنما صاغه في طفولته مقارنة بمستواه الراهن، لذا حرص على الارتقاء بالتعويذة نحو مرتبته الجديدة، متطلبا لمسة أخيرة لبلوغ غايته.
داخل كل هيكل، جسد بن بلورة مانا صغيرة متعددة الألوان لتغذية المنظومة برمتها طاقةً، مانعاً التعويذة من أن تكون عبئاً يديره السكان أنفسهم، ومسمحاً للتعويذة بالانطلاق لتبرهن عن نجاعتها وتمضي بالعمل قدماً، إذ صار البناء يسيراً من تلك النقطة؛ فبُنيت الهياكل، وأُضيفت الحجارة، وجُسد العزل حيث لزم الأمر سعياً لبيئة مريحة، لُتستكمل بألواح وبخشب زائف جُسد كغيره لصنع محيط أدفأ وأكثر راحة.
ولم يبق سوى التفاصيل الصغيرة؛ الخزائن، والأثاث، وسائر التجهيزات. استُحضِر كل ذلك بالمانا، واضطر بن للاغتراف من مخزون ثيرا رغم تضخم مخزونه الخاص، نظراً لحجم ما حاول إنجازه في زمن قياسي، إلى أن مُلئت الغرف المنجزة بكل ما يحتاجه المرء لمعيشته اليومية وراحته، حتى اكتمل كل شيء أخيراً وبات جاهزاً لساكنيه الجدد. ما يعني أن علينا إتمام تأكيد سريع على عمل كل شيء بنجاح.