كانت ثيرا تطير بين الغابات، وتثب بين منصات حجرية وتراكيب مانا حاملة لها، وشعرت وكأنها تتربع على عرش العالم. بدا كل شيء أكثر طبيعية. تحركت المانا وفق إرادتها، وبدت أقل اعتماداً على عصاها مقارنة باليوم الذي أيقظت فيه سحرها. لم تكن تشعر بحاجة إليها بتاتاً في التعاويذ الصغيرة البسيطة، ولم تتركها في يدها إلا للتعاويذ الكبرى وهي تندفع فوق الأراضي البرية، تجر خلفها كل شيطان تستطيع الإيقاع به على طول الطريق.
كانت تسمعهم، جيشاً فعلياً ينجذب بسحرها، يدقون بأقدامهم خلفها للحاق بالتعذيب الجاذب لهم، وقد فقدوا عقولهم تقريباً من القوة الخام الكمنة خلفه، ولم تستطع أن تنكر شعورها بالمتعة. وحتى لو لم تحقق الصحوة التي أملتها، فقد نمت قوتها بما يكفي لصنع الفارق. حتى ما كان بن يقلقه أكثر من غيره، تلك الحواس التي لم تملكها بعد واقترح بنيتها العقلية الجديدة ضرورة وجودها، لم يشكل مشكلة.
كان أمراً يمكن تجاهله ببساطة، يطفو عرضاً على أفكارها بشكل يثير حيرة طفيفة، وبمجرد أن أدركت ما يحدث صار تجاهله سهلاً أيضاً. استحق الأمر العناء، وشعرت بقدرتها على قهر العالم.
حدثت نفسها قائلة: "لكن من الأفضل أن أبدأ بهذا الجمع أولاً، قبل أن ينجح أي منهم في التخلص من التأثير"، واستدارت بسرعة لتواجه السرب وتلقي تعويذتها.
تحورت الحياة لتغدو موتاً، وامتزجت اللانتمائية به، مستمدة من جوانبها الأكثر تدميراً لتجعل الوحوش التي تتبعها تتعفن وهي تراكضها، وتتحلل أجسادها وتتداعى حتى وهي تواصل المطاردة إلى أن تعجز عن الحركة، ولا ينتهي بها المطاف سوى بالتلاشي تماماً لتغذي الغابة التي سقطت فيها.
<ارتفع مستوى سحر اللانتمائية الساحق> <ارتفع مستوى تعزيز المانا الروحية>
صوت رسم الابتسامة على شفتيها لما يعنيه، مزيد من القوة يضاف إلى اسمها لتستمتع بها، مع أمل في المزيد قادم. وحتى لو عجزت عن اختراق المرتبة الثالثة في النهاية، فقد أرادت مستوياتها؛ وكلما كان أسرع، كان أفضل. ظل هناك الكثير مما أملت أن تنموه ومهارات أخرى أملت إيقاظها، ومع هذه الفكرة، هبطت إلى أرض الغابة أسفلها، ووضعت حاجزاً بسيطاً حولها وهي تشق طريقها عبر تلك الغابة المظلمة.
تلك الغابة المحتفظة بجمالها الطبيعي. فكثيراً ما كانت، حين تخرج إلى الأراضي البرية، تركز على تدريب سحرها وصيد ما تستطيع من الشياطين، لكنها وهي هناك، وجدت مهارات تستطيع صقلها بينما تستمتع بالبيئة على حقيقتها، فتأخذ نزهة وتستمتع بما تعثر عليه. وفي حين حمل ذلك الجزء المعين من الغابة بوضوح بصمات ما خلفته مئات العوالم التي اتخذت من ذلك المكان وطناً، بأشجار ونباتات ذات خلطة تنبئ ب استحالة صدورها عن مصدر واحد، كانت هناك نباتات بارزة لم تستطع إلا الاستمتاع بها.
لحاء أزرق ساطع لشجرة تحمل أوراقاً ذهبية، زهرة تتوهج بتاتلات بضياء أبيض خافت، وشحيرة تبدو كالزجاج تقريباً، شفافة لدرجة لم تجعلها تعرف أنها حية إلا بفضل مجمل مهارات الحواس التي تمتلكها. سواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ، كانت الطبيعة أكثر هدوءاً قرب أي مستوطنة تقصدها، سواء كانت مدينة أو بلدة أو قرية. وفي حالة الأراضي المؤلفة من شعب واحد، كانت النباتات النامية حولهم تتألف عادة من بعض النباتات التي هرب بها أجدادهم.
وقد صدق ذلك على أنايليا على الأقل، بأشجارها الحمراء السامقة التي تملأ حتى عاصمة الأمة، وفي حين تمتلك المجتمعات المختلطة تنوعاً أكبر، إلا أنه قد ينتهي الأمر بنسبة هائلة مما جلبه الناس الذين كوّنوها. ربما كانت ستونوول على حافة غابة بحد ذاتها، لكن النباتات التي تجلبها هي أو أي شخص آخر إلى المدينة كانت كلها مما يرى الناس صلاحها للزراعة. أما هناك، فلم يكن للأمر صلة بما يريد أي ناس زراعته بأنفسهم؛
بل اقتصر الأمر على ما يستطيع البقاء وما يستطيع الازدهار، وصدق ذلك على الحياة الحيوانية المحيطة أيضاً. في أغلب الأحيان، لم تكن تعرف حتى أي المخلوقات المرئية انتمى إلى ذلك العالم قبل وصول اللاجئين، وأيها جُلب برفقتهم، سواء عمداً أو كمتسللين محظوظين. تواجدت الحيوانات في كل مكان طالما نظر المرء بعناية كافية، حاطة بأي عدد من الأعين أو الأطراف، أو اللحم أو الحراشف أو الريش أو الصدف.
وعلّمت أن بن كان تمتم أحياناً في ذهول بشأن الأثر البيئي على المدى الطويل لهذا الكوكب، وفي حين ظنت أنه محق في قلقه، لم تستطع إنكار أن ذلك التפوه ذاته شكل جزءاً مما جعله وطناً ومما يستحق الدفاع عنه. مهما آل إليه مصير ذلك العالم في المستقبل حين تُجبر شتى أجزاء الحياة المختلفة على تدبر أمر عيشها في نظام بيئي أوسع، فقد صار ذلك العالم إرثاً لمئات أخرى فُقدت منذ زمن بعيد، لكن ذلك الإرث ذاته جعله فريداً ومميزاً بطريقته الخاصة.
<ارتفع مستوى الرؤية المظلمة> <ارتفع مستوى الإدراك المظلم> <ارتفع مستوى إدراك الحياة>
مع مزيد من الإشعارات بينما تلقت العالم بكل الحواس التي تمتلكها، تركت نفسها تتجول لفترة أطول قليلاً قبل العودة إلى الديار، وشعرت باسترخاء أكبر إثر تلك التجربة.
هتف بن من المطبخ: "أهلاً بكِ في موطنكِ!"، بينما كانت خالتها تلهو مع مورا في غرفة المعيشة.
قالت وهي تشقّ طريقها إلى جانبه، محيطةً كتفيه بذراعيها بينما كان يطهو: "لقد عُدتُ. كيف سارت أمور تسوية أوضاع ذينك الاثنين؟"
"أظنّ أنها سارت على ما يرام. كان هينث يتصرف بلطف غير معتاد مع كالي، وأنا أُصاب بالغيرة نوعاً ما في الواقع."
"ها، ربما عليك إذن أن تتوقف عن الظهور بمظهر شديد الريبة كلما رأيتها."
"هذا مؤلم للغاية، فأنا بريء تماماً على الدوام. وما أخبارُكِ أنتِ؟ أرى أنكِ تتأقلمين جيداً."
ابتسمت وقالت: "لقد اكتسبتُ بضعة مستويات، نعم. أظنّ أن التغيير يجعل الأمر أسهل. كل ما أملكه ممّا يتعلق بالسحر يبدو... لا أدري، أكثر طبيعية بكثير؟ مهاراتي تبدو صحيحة أكثر فحسب."
"مهلاً، لكن هذا رائع."
"نعم، لكني ما زلتُ لست متأكدة إن كان سيُبلغني المرتبة الثالثة في الشهرين القادمين"، تنهدت في أذنه.
"لا تفهمني خطأ، أعتقد أنني سأكون أقرب مما كنت سأكون عليه لو لم أجعلْك تتدخل في عقلي؛ غير أن هذا لا يزال يبدو مستحيلاً."
بدأ بن بصوت يحمل بالضبط ذلك النوع من الريبة التي طالبتْه للتوّ ألا يُظهرها حول هينث: "حسناً، إن كنتِ قلقة بشأن ذلك فهذه مصادفة إذن. لديّ خدمة صغيرة أودّ أن أطلبها وتبدو وكأنها تدريب جيد لكِ."
"... أيّ نوع من الخدمات؟"
"ليس شيئاً جنونياً. إن استطعتِ تخصيص بعض الوقت، فقط ساعديني في صنع المزيد من أنصاف الملوك."