جاء الصباح وتوجّه بن إلى المتجر للمرة الأولى منذ دهر. دفع البابين بعنف واستنشق الهواء بملء صدره.
"يا للهول، من الرائع العودة!"
"أنت دراميّ للغاية"، قالت ثيرا بقربه.
بدا أن فالك مر بالمنزل البارحة وطلب منها الانضمام لليوم الأول على الأقل بغية تلقي تدريب أعدّه معلمه لأجلها.
"ولا حتى قليلاً! هل فكرت في عدد الأشياء التي أريد صنعها الآن بعد أن ارتفعت مستوياتي كثيراً؟ ليتني أستطيع تولي مهام عدة دفعة واحدة، رفع مستوى الكاهن لتحسين اتصالي أمر جيد، لكني أريد مزيداً من المكافآت لتطوير السحر أيضاً".
كانت المشكلة في أنه بحاجة لتطوير الاثنين معاً ليرى كيف سيعملان بتناغم مع ارتفاع مستوياتهما، ولم يكن بمكانه اختيار أحدهما دون الآخر. من الناحية الإيجابية، بدا أن السحر ينال مكافآت من مهارات صنع السابقة، لكنه طمع بالمزيد وبات عليه محاولة تسريع وتيرة عمل الكاهن لنيلها. على الأقل كانت إنجازاته السابقة تساعده في اكتساب الخبرة. بدا أنه ينال بعضاً منها كلما تحوّل أحدهم نتيجة أفعاله، وبدا أن الصلاة أثناء ارتداء شارة الكنيسة تمنح خبرة أكبر من الصلاة العادية نظراً لأنه كان بمثابة الكاهن الاعلى للكنيسة، لكن الأمر سيستغرق عاماً كاملاً على الأقل إن عجز عن ابتكار طرق أخرى لتسريع رفع مستوى مهنته.
ظل خيار إنجاز مهمة أخرى مطروحاً، غير أن خياريه لم يكونا رائعين. كان ميرياد قد أقر مسبقاً بأنه لن ينال المزيد من المتحولين لذا بدت فكرة جمع مئة منهم مستبعدة، ولم يستطع الاهتداء إلى نوع الإنجاز الذي يمكنه إتمامه بمعية، لكنه سيطلب من سيده منحه بعض الأمثلة لاحقاً ليستكشفها. مع ذلك، كانت تلك مسألة لوقت لاحق. أراد في الوقت الحاضر استعادة إيقاع العمل في المِصهرة.
"إذاً، ماذا أعددت لي يا فالك! هل من طلبيات تظن أن بمقدوري التعامل معها؟"
"ليجلس كلاكما الآن، سنعمل اليوم على بعض مهاراتكم المختلفة".
لم يملك بن حين سمع هذا إلا أن يفرغ قليلاً من حماسه. ها قد ذهب حماسه للعودة إلى المِصهرة أدراج الرياح. مع ذلك، كان فالك معلمه وكان عليه الوثوق بتقديره، لذا سارع إلى التقعد في واجهة المتجر برفقة ثيرا. مشى معلمه نحوهما وناول بن خمسة عشر كتلة معدنية، بحجم قبضة يد كل منها.
"أيها الفتى، عليك البدء في تفحص الكيفية التي يتفاعل بها اتصالك مع السحر بشكل أعمق قليلاً. حاول الآن سحر جميع مهارات ثيرا وسأتفحص النتائج لاحقاً".
"أمم، بالتأكيد، لكني لا أقر سوى بخمس منها ولا يمكنني تمييز المهارة حقاً ما لم أشعر بهما وهما يستخدمانها بفعالية".
"آه، ظننت أنك كشفت له بطاقتك بما يكفي"، قال معلمه والتفت إلى ثيرا.
"لا بأس على ما أظن، يمكنني دائماً معرفة ما إذا كانت سونيا مستعدة لمشاركتك لاحقاً".
"أليس إطلاعـي على بطاقتك خياراً وارداً؟"
سأله بن، لكن فالك اكتفى بالضحك.
"أحب الاحتفاظ بمهاراتي لنفسي، ولا أرى أي مستقبل لا يجعلك معرفتك بما أملكه سبباً إضافياً للصداع. أعتقد أن علينا فعل شيء آخر وسأجعلك تتدرب في المنزل إن كانت سونيا مستعدة لذلك".
"مهلاً، لا أمانع حقاً"، قاطعتْه ثيرا لمفاجأة بن.
"متأكدة؟ انطباعي السائد كان أنك لا تبدين أي اهتمام بالمشاركة".
"ربما في أول لقاء بيننا، لكن طالما أننا نغامر معاً فلا ضرر في ذلك. علاوة على ذلك، وبسبب إخباري بكل تغير طفيف في حالتك لا يمكنني إبقاء حالتي سرية بالنظر إلى معرفتك المسبقة بكل تفاصيلها الممتعة".
أخرجت بطاقتها بلا ضجيج وناولتها لبن، لتدعه يتفحصها. كانت هناك أمور قليلة أثارت فضوله، لقبها كطفلة روحية وأي تأثيرات قد يخلفه ذلك عليها ككل، وحقيقة أن تقاربها مع عنصر الأرض تجاوز المئة، وهو أمر لم يدرك إمكانية حدوثه، إضافة إلى أمر أخير.
"تمتلكين مهارة معرفة؟"
سأل بن مندهشاً. لم يستطع كبح نفسه، فقد كانت تلك الفئة من المهارات شديدة الصعوبة في الاكتناز، وتعتمد على امتلاك صاحبها فهماً كافياً لموضوع ما بينما يتجسد كل شيء بطريقة ما ليس فقط في عقله بل في روحه أيضاً. كانت فرص اكتسابها عبر الممارسة ضئيلة للغاية، وغالباً ما كانت تُفتح مع تغيير المهنة، لكن بن لم يلحظ أي شيء قد يرتبط بها على بطاقتها. قد يقضي بعض الناس حياتهم بأكملها متفرغين للتعلم، ومع ذلك لا يحالفهم الحظ لاكتسابها، ولكن إن فعلوا فقد تكون النتائج لا تقدر بثمن.
إن القدرة على استخدام المعرفة المرتبطة بالمهارة وتذكرها بلا عناء، إضافة إلى سهولة رفع مستواها فور اكتسابها جعلت امتلاكها قيّماً للغاية حقاً. بدت ثيرا غير مهتمة بالأمر من جهتها.
"كنت أقرأ أحياناً بعض الكتب الطبية التي تحتفظ بها سونيا في المنزل عندما أمل وأصادف أن اكتسبتها. وهي لا تقدم لي أي نفع حقيقي نظراً لأن لمسي لأي شخص قد يفضي إلى نتائج أسوأ مما لو لم أفعل شيئاً".
حين انتهت لاحظت رمقة بن الغريبة لها من تحت غطائها فرفع اصبعين.
"أولاً"، قال لها وهو يخفض أحدهما.
"بما أنك قادرة على لمسي ونحن نتحارب معاً، فأنا مهتم جداً بفكرة معرفة أحدنا طريقة تضميد جراحنا في حالات الطوارئ، خصوصاً إن كنا سنوغل أكثر في الخارج بغية تنفيذ صيد ليلي. وثانياً"، قال مخفضاً الاصبع الأخرى بينما واصل رمقها بغرابة.
"إنها معرفة طبية".
"وماذا في ذلك؟"
سألتْ غير مدركة لمبتغاه.
"أنت تحاولين تعلم سحر الحياة".
أدركت ثيرا فوراً ما كان يحاول قوله ومَنّت نفسها بأن وجهها كان مخفياً. كانت تحاول تعلم فرع من السحر مخصص بالكامل تقريباً للشفاء، على الأقل في مستوياته الأدنى. بطبيعة الحال سيكون امتلاك مهارة معرفة مرتبطة به أمراً مفيداً. لطالما اعتبرت نجاحها في فتحها إهداراً بحتاً لدرجة أنها لم تفكر فيها أبداً، وبدا الأمر أشبه بنكتة قاسية بالنظر إلى احتمال إيذائها لشخص ما بقدر احتمال شفائه لو استخدمتها لدرجة أنها لم تتأمل حتى مدى سهولة توظيفها لتحقيق هدفها الحالي.
"حسناً، فلنتجاهل حقيقة أنني حمقاء ولنركز على تدريبك الخاص"، قالت، بينما كانت تفكر طوال الوقت بأنه، وفوق أي تدريب أو نصيحة تلقتها من عمتها، سيتعين عليها الآن وضع يدها على أي كتب تخص سحر الحياة والإسعافات الأولية وتستطيع نيلها، فضلاً عن إعادة قراءة بعض ما وجد في المنزل.
"صحيح"، قال لها فالك.
"أريد الآن اختبار أمرين. هل يمكنك استخدام السحر بمهارة لا يستخدمها حاملها الأصلي بفعالية، وهل تستطيع السحر بكل أنواع المهارات، وهل تملك القدرة على التحكم بمستوى المهارة المستخدمة، وما هو المستوى الأقصى الذي يمكنك السحر به؟ لا وقت أفضل من الحاضر فلتشرع في العمل".
عرف بن مسبقاً من تجاربه السابقة قدرته على السحر حتى المستوى الثالث تقريباً للمهارة، لكن نظراً لارتفاع مستوى اتصاله وسحره، فضلاً عن وجود فالك هنا لمراقبة مجريات الأمور فقد استحق الأمر إعادة المحاولة، إلى جانب اقتطاع الوقت لتجربة أفكار معلمه الأخرى. أمسك بيد ثيرا وتصل بها وحاول التركيز على تجاهل أفكارها وعواطفها، موجهاً انتباهه نحو كل شيء آخر استطاع استشعاره. كانت لديه ممارسة مسبقة باستخدام مهارات شخص آخر على هذا النحو في أنايليا، وأيقن جزماً بقدرته على استشعار سحر الجاذبية على الأقل، إضافة إلى مهارات الشخص النشطة حين يجلبها بوعي للسطح، لكن اتضح الآن أنه لم يتعمق بالقدر الكاف.
والآن بعد أن عرف ما تملكه ثيرا فعلياً بدأ بمحاولة العثور على مهاراتها الكامنة، مفترضاً أنه نظراً لكونها نشطة دائماً فستكون سهلة العثور عليها، وشعر بسحر الجاذبية يسطع كمنارة، رامياً لملء الغرفة بأسرها لكنه لم يتعطل سوى بسبب عباءتها. سحر ذلك أولاً ليزيحه من طريقه باعتباره الأكثر وضوحاً، ثم وضع الكتلة جانباً، مركزاً على التالية. المهارة الأكثر منطقية بعدها كانت الربط.
وبما أنها بدت كمهارة تنسج رابطاً دائماً بين الاثنين، فقد تمكن من استشعار نسختها من المهارة بمهارته الخاصة. ومع أنه لم يكن هناك مغزى يذكر من السحر بالمهارة مع توفر وصوله إليها مسبقاً، فقد ظل من الجيد معرفة إمكانية فعله، ونجح في إنجاز ذلك بلا عوائق عند محاولته. ومن هنا بدأت مشاكل بن الحقيقية. امتلكت ثيرا ثلاث مهارات كامنة أخرى احتاج لمحاولة السحر بها؛ التحدث الكوني+، والتنسيق، والمعرفة الطبية.
كانت كل مهارة بسيطة بما يكفي ومستواها منخفضاً لدرجة تيقنه من قدرته على فعل شيء بها، لكن انعدام أي سبل للتمييز بينها جعله عاجزاً، رغم تأكده من قدرته على رصد الثلاث. جزم بقدرته على استشعار التحدث الكوني+ على الأقل، كمهارة يبدو أن جميع من في العالم يمتلكون، لكن ذلك جاء فقط لمقارنته بما استشعره في داخله، وحتى حينها لم تكن ثقته تامة. سحر بها جميعاً على أي حال، لكن حقيقة عجزه عن تمييز الواحدة عن الأخرى شكلت إزعاجاً له.
وتفاقم الأمر سوءاً حين حان وقت محاولة السحر بمهاراتها النشطة. عندما حاول استخدام مهارات أشخاص آخرين أول الأمر، جعلهم يفعلون تلك التي أبدوا استعداداً لمشاركتها معه، لكن بدا عجزه تاماً عن استشعارها إن لم يكن الأمر كذلك. على الأقل في البداية. دفع ثيرا لضخ بعض الطاقة في سحر أرضها، لا بهدف فعل أي شيء به، بل بقدر يتيح له الإمساك به، وعقب سحر كتلة أخرى به تتبعها نزولاً، محاولاً العثور على باقي مهاراتها.
نجح في ذلك، لكن العملية برمتها كانت مستنزفة وتركته يواجه ذات المشاكل الخاصة بمهاراتها الكامنة، لكن على نطاق أوسع بكثير. امتلكت ثيرا تسع مهارات نشطة، ولم يستطع من بينها انتقاء سوى سحر الأرض لكونه الأداة التي استعان بها للوصول إلى البقية. ومن هناك توجب عليه محاولة سحر البقية بلا قدرة على التمييز بين أي من المهارات التي يستعملها، محاولاً تتبع كل ما أنجزه عقلياً فحسب، وهي مهمة أصعب مما تبدو بالنظر إلى مدى ضبابية كل شيء.
شغل كامل طاقته التركيزية وعقله المركب، لكنه أفقر أي مؤمن مستقبلي لميرياد يحاول الإقدام على هذا دون الاستفادة من مهاراته الإضافية أو معرفة ماهية ما يحاولون السحر به. وبالطبع، بدا استهلال أحدهم لتجربة كهذه مستبعداً على أي حال. نظراً لأن سكان العالم نظروا إلى حالة المرء باعتبارها أمراً يجب الاحتفاظ به طسماً، لم يستطع التفكير في أن استخدام مهارات أحدهم دون موافقة الطرف الآخر لا يمكن أن ينتهي إلا بشكل سيء.
ومع ذلك فقد أنهى ذلك الجزء على الأقل واستدعى فالك لتفقد عمله.
"ما رأيك؟"
دون معلمه ملاحظة على كل مكعب والتفت إلى ثيرا.
"كيف تقارن ملاحظاتي بحالتك؟"
كانت ثيرا تتفحص كل واحد واستطاع بن رؤية وسم كل منها باسم ومستوى، باستثناء الربط والتحدث الكوني+ بالطبع، ومن ما رآه بن بدا أن كل شيء يتطابق مع ما ظهر على حالة ثيرا.
"لقد أصاب كل شيء تماماً"، قالت لعمها.
"مثير للاهتمام، لكن يبدو أن مهارتك الأعلى تتطابق مع مستويي الاثنتين اللتين يستخدمهما. نحتاج لرؤية كيف يمكنه التعامل مع مهارة بمستوى أعلى لمعرفة تأثيراتها"، تفكر معلمه لبرهة قبل أن يمد يده ويمنح بن مكعباً آخر.
"هاك، امتلك سحر موت بمستوى ستة، خذه وجرب لنرى ما يمكنك فعله".
لطالما كان مثيراً للاهتمام لبن تعلم المزيد عن المهارات التي يمتلكها معلمه، لكنه ركن جانباً ما تعلمه لتوّه وركز على المهمة المطروحة. كان فالك يمرر القليل من المانا عبر المهارة لتيسير الأمور عليه وكرر ما فعله مع ثيرا، ممسكاً بالمهارة وواضعاً إياها على الكتلة. فور انتهائه تناولها معلمه وتفحصها.
"يبدو أنك لم تبلغ سوى المستوى الرابع بهذا أيضاً، مما يعني أنه حدك الأرجح في الوقت الراهن. بطبيعة الحال، إن رفعت مستوى إحدى المهارات أو الاخرى مجدداً فيجب أن تحاول معرفة كيف يغير ذلك الأمور، لكن هذا سيففي بالغرض الآن. إنه لأمر مخزٍ عجزك عن اختبار هذا على المزيد من المهارات لمعرفة إن كان هناك أي تفاوت، فإجمالي خمسة عشر مهارة شائعة بمعظمها ليس بالكثير لمعرفة ما إن كانت هناك قواعد أخرى لذلك، لكنه جيد بما يكفي حالياً. على أي حال، لننتقل إلى الخطوة التالية".
ابتعد معلمه لالتقاط المزيد من الكتل المعدنية ولم يستطع بن إلا التساؤل عن عدد ما صنعه ترقباً لكل هذا. نهض ليتمطى، فقد كان مقبلاً على يوم حافل.