كان بن يطير في الهواء بقوّته الذاتية، مندفعاً على الطرق الترابية ومخترقاً نظرات الشياطين الفضولية على طول الطريق، بينما كان يدير تفاصيل رحلته بدقة وهو يمضي. ورغم قدرته على ذلك، لم يستخدم سحره للطيران سوى بضع مرات فقط، وظلت تجربة التحليق غريبة عليه، إذ بدت وكأنها شيء يحدث له لا شيء يفعله بنفسه، رغم ما تحمله من بهجة خاصة، وعيبها الوحيد هو كثرة الأنظار التي ستلاحقه في طريقه.
إنه اهتمام لا يرغب فيه عادة، وكان كفيباً بمنعه من فعل شيء مشابه في موطنك أو أي بلدة أخرى يمر بها، ولكن مقارنة بالسرعات التي تمنحها إياه ساقاه، بدا واضحاً أن الطيران هو الوسيلة المثلى للرحلات الطويلة، وبفضل قوة مخزنه السحري الإجمالي وقدرة سحره، لم يكن بحاجة للتوقف حتى بلغ وجهته، عائدًا إلى الحقول حيث تُستغل أرواح الملوك المحرمين، محتاجًا إلى بديل. لم يكن الأمر يخلو من مكاسب إضافية يمكن أن يجنزها من هارو، فما دام يستمر في إعادة بناء عقل الملك بعد أن يستنفد كل ما يستطيع، فسيتمكن من مواصلة استخراج المزيد من الخبرة للاستخدام، لكن ذلك لم يغير حقيقة أن الجودة كانت تتراجع بوضوح بعد انقضاء وقت كافٍ.
مهما حاول بن إعادة ضبطهم، بدا أن الجوانب النفسية التي يخلفها على أرواحهم تترك آثارًا لا يمكنه محوها، فعمليات الإعادة النهائية لم تعد تسمح لتلك الملوك المسجونين بالحفاظ على مواقفهم المتعالية عندما يرونه معتقدين أنها المرة الأولى منذ أن قضى عليهم، مما يترك رعبًا غريزيًا لا يملك القدرة على محوه حاليًا، وهو ما أساء إلى مكاسب الخبرة التي يمكنه جنيها من تحطيمهم. وهذا يعني أنه إذا استخدمتهم لفترة طويلة جداً، فهناك احتمال بأن تصبح إعادتهم إلى حالة منتجة أمراً مستحيلاً في نهاية المطاف.
وكما يبدو لي، أعتقد أن أي ملك أستخدمه لا يزال قادرًا على منحني الخبرة حتى لو استخدمت واحداً منها حتى الموجة التالية، لكن الأفضل عدم المجازفة، وقد يتغير ذلك بسهولة إذا رفعت مستوى عقلي مرة أخرى. أصنع بضعة ملوك عقل إضافيين لطبعهم على أفكاري وربما أقترب من الغاية.... يا للهول، إذا رفعت مستوى العقل المرعب قبل إيقاظ الاتصال فسأبكي بحرقة. مع هذه الفكرة المرحة في رأسه، وصل متسائلاً لفترة وجيزة عما إذا كان سيعيش تكرارًا لتلك المرة الأخيرة التي زاره فيها، لكنه وجد أن الأمر لن يتكرر.
لم تكن أي درياد تعمل في تلك الحقول لتخلط بينه وبين بلوم عن طريق الخطأ عندما كان بلوم هناك بالفعل، برفقة ثلاث نساء مختلفات عن اللائي التقاهن بن في المرة الأخيرة بجانب الروح العظيمة، وكانت أحهنّ مركزة كلياً على بعضهن البعض. لمჩظه أحد، ففكر بن لفترة وجيزة في الاقتراب بما يكفي لدخول عقل الروح ليرى ما إذا كان أي شخص قد كلف نفسه عناء إجراء تلك المحادثة حول المودة الفانية معه أم لا، لكنه قرر في النهاية أنه، بالنظر إلى الوضع الحالي، لا يريد معرفة ذلك.
كان بإمكان رؤية اهتمام واضح في عيون الدرياد وأفعالهن، ومع الطريقة التي كنّ يلمسن بها الروح، بدا على الأقل أنهن لم يتلقين أي إشارة للتوقف. وإن علمتُ بأمر يحدث فسيتعين عليّ إخبار ثيرا، وهي بالتأكيد لا تريد معرفة ذلك. همم، فكرة مثيرة للاهتمام مع ذلك. أعلم أن الدرياد أقنعت بلوم بصنع جسد من إحدى أشجارهم لـ... حسنًا، دعونا لا نسميها أسبابًا خبيثة، ولكن بالنظر إلى أبروس، ينبغي أن يكونوا قادرين على إنتاج نسل بغض النظر عن نوع النبات الذي يختار السكن فيه، فهذا يجعلني أتساءل عما إذا كان ذلك قد يؤدي إلى سلالة من الدرياد قادرة على التكاثر مع نباتات لم تنشأ من عالمهم الأصلي و...
نعم، ثيرا على حق، يجب أن أتوقف عن لعب دور الباحث في هذا الأمر. ومع انشغال جميع الدرياد وبحصول بن مسبقًا على الموقع الذي يحتاجه من زيارته الأخيرة، مشى ببساطة داخل صفوف الأشجار حيث كانت مجموعات من الشياطين والذكور تعمل في حصاد الثمار التي تنتجها لصنع جرعات تقوية العالم، ليختار ضحيته التالية. وقف نانس، وهو ملك للشغف والجليد، مؤدياً الدور المفروض عليه منذ اكتشاف خيانته للعالم، غير مدرك لمدى الفارق الأفضل الذي يمثله له هذا الوضع مقارنة بما سيؤول إليه قريبًا عندما أخرج بن الكريستال السماوي من قاعدة الشجرة واستبدله بكريستال هارو، ممسكًا بالجديد في يده للاتصال بالملك الذي يحتويه.
بخلاف المَلِكين الآخرين اللذين رآهما، حين سحب بن نانس إلى فضاء عقله، كانت ردّ فعل المَلِك الأولى هي السجود، بالقدر الذي تسمح به هيئته على الأقل. مع أن الشكل الذي يتخذه أي مَلِك قد يكون غريباً، إلا أن الهيئة الماثلة أمامه بدَت كرذاذ ثلج كثيف يتطاير في مهبّ الريح، مع بضع أوراق شجر متناثرة مختلطة به، ممّا ينتج لا شكّ عن كيف أن الوقوع في فخّ نباته قد أعاد تشكيله، وتتحرك تلك العناصر وتترتّب لتطابق شكل بن إلى حدّ ما محاولةً جعل المشهد يبدو أكثر إقناعاً.
قال نانس له قبل أن يتمكن بن من تلفظ حرف واحد: "أنا آسف. لقد كنت مخطئاً، كل ما فعلته... أنا أستحق هذا".
عبارة تابعها بن باهتمام. لا لأنه صدقها، فهو كان بالفعل داخل عقل المَلِك الآخر وكان يدرك أنه لا يعني حرفاً منها، بل كان يأمل في مباغتة بن، إما لمهاجمته أو لخداعه ليعيد إليه حريته. كلا، ما استأثر باهتمام بن هكذا حقّاً هو أنه، بينما كان يتفحّص ذكريات ذلك المَلِك بحثاً عن أي شيء ذي قيمة، وحتى وهو بالكاد يبدأ، اتضح جليّاً أن الماثل أمامه مَلِك شرير. صفة تنطبق على أيّ من الملوك المحرّمين حقّاً نظراً لما ارتكبوه، إذ تخلّوا عن عوالمهم القديمة لإنقاذ أنفسهم قبل أن يصلوا إلى هناك ليخلقوا أنصاف الشياطين ويسيئوا معاملتهم محاولةً لتقوية أنفسهم، مفضين في النهاية بذلك وكل عالم آخر إلى حتفهم بسبب ما أدى إليه ذلك، بيد أن تلك كانت كلها أحداثاً وقعت بعد غزو عوالمهم.
ومن بين المَلِكَيْن اللذين فحصهما بن مسبقاً، لم يكن ليصف أياً منهما بالمَلِك الصالح، بل وجد ذكريات كليهما سيئة للغاية، غير أنهما بمعايير ملوك ذلك العالم المجتمعين لم يعَدّاك شريرين بالمطلق. أما نانس، فكان مختلفاً. من حياكة المؤامرات لشقّ صف الملوك الأربعة الآخرين الذين وُلد معهم عالمه الأصلي، دافعاً إياهم إلى اقتتال وارتکاب مجازر أحدهم في حق الآخر بينما كان فانيوهم يفعلون المثل قبل أن يوجه الضربة القاضية للناجي من تلك المعركة، إلى تجميد كوكبه ليتوافق مع مُثُله غير آبه البتة بما يخلّفه ذلك من أثر في الكائنات والبشر القاطنين هناك، لم يكن ذلك المَلِك إلا أنانياً وممكراً.
وحتى مع ذلك، ظنّ نانس أنه يستطيع محاولة التوبة، والتظاهر بأنه يستحق عقابه حتى يحين موعد فرصة ما أو إلى أن يُظهر بن نفسه لحظة شفقة، جاهلاً أنه لن ينال أياً منهما. فكّر في نفسه قائلاً: وما يتركني فيه هذا هو التساؤل عن كيفية التعامل معه. من الواضح أنني سأضطر عاجلاً أم آجلاً إلى الشروع في تحطيمه، لكن ما أراه... أجل، إنه يثير غثياني. دعنا نستمتع قليلاً معه أولاً.
قال بن محاولاً أن يبدو صادقاً ونادماً: "ربما تستحق ذلك. لكن هذا لم يعد يهمّ؛ لم يعد أيّ من ذلك يهمّ".
سأل المَلِك غير المستعد لرد فعل كهذا والذي كان ما يزال يحاول الحفاظ على مظهر الخزي: "ماذا تقصد؟".
"ستعرف قريباً بما يكفي. ما يهمّ هو أنني هنا الآن لأعرض عليك حريتك يا نانس، هذا إن استطعت الإجابة عن سؤال ما".
"ماذا؟ أمم، أيّ سؤال؟"
كان العرض أبعد بكثير عمّا استعدّ له المَلِك، إذ لم يتوقع قطّ أن تسنح فرصة مبكرة هكذا، وشعر وكأنه يرى منفذاً لم يجرؤ قطّ على الأمل به، مع فرصة الهرب من ذلك العالم اللعين متى ما نالها. كل ما تطلّب الأمر منه هو الإجابة عن أيّ سؤال طرحه الفاني الأحمق، غير مستعدّ للقوة التي امتلكها بن. دع بن مجسم نفسه الذي صنعه يتلاشى إلى لا شيء، مستبدلاً به أربعة مجسمات جديدة لم تشبهه قطّ لكنها كانت مألوفة تماماً لدى المَلِك المراقب، وارتدّ المَلِك الشرير إلى الوراء في رعب حقيقي لا علاقة له بأيّ خداع مفتعل بينما وقف أمامه أشباح مستحيلة من ماضيه.
رفقاؤه الأربعة من الملوك الذين دفعهم لقتل بعضهم بعضاً.
همس بالهيئة التي لَوّى نفسه فيها محاولة استرضاء بن لتنقلب عاصفة فوضوية بدل ذلك: "لا. لا، لا يمكنك أن تكون هنا".
صاح بن بصوت أحدهم متحدثاً باسم البقية أيضاً: "لماذا خدعتنا!".
"لماذا خنتنا!"
"لقد أخذت عالمنا لنفسك وهذا ما تركته يؤول إليه!"
"ظننت أنك ستفلت من كل هذا!"
صاح نانس: "لا، لا، أنت مخطئ! لا أعرف ما تعتقد أنه حدث، لكن..."
لم يُمنح فرصة لقول المزيد. متنكراً في زي الملوك الأربعة الذين قتلهم نانس قبل تأسيس ذلك العالم، انقضّ عليه بن، الواحد تلو الآخر، منزلاً به العذاب اللازم للتجربة التي ابتغاها.
في العالم الحقيقي، وما زال محاطاً بالأشجار، هزّ جسد بن الحقيقي رأسه برضى. مَلِك جديد يعني خبرة جديدة، ومع كل واحد استعمله، صار حاذقاً أكثر في اكتسابها. وأيقن تماماً أنه سيتمكن من جعل جسده الحالي يصمد لفترة قبل أن يضطرّ إلى استبداله بالنموذج التالي.