سألته ثيرا: "هل أنت مستعد؟"
وقد ارتدت ثوبها الآن بعدما حل يوم الزفاف، ولم يبق عليهما إلا أن يوصلا مورا قبل أن ينطلقا، فترك بن يتأملها وهو يزرر قميصه.
قال: "كدت أنتهي، لكن لا تقلقي، سنصل مبكرين على أي حال. أريد أن أفعل شيئا آخر أولا."
قالت: "إياك أن تكون ستعمل بعدما تأنقت بهذا الشكل."
أجابها وهو يسحب كرسيا إلى جوار مرآة: "كلا، ليس شيئا من هذا القبيل. اجلسي، فمنذ زمن لم تتح لي فرصة تصفيف شعرك."
داعبته قائلة: "ماذا، أتريد أن تزيدني حسنا؟"
قال: "أنت جميلة دائما. وأنا أفعل هذا ليستمتع قلبي أيضا. إنها مجرد حجة لأرى حبيبتي الجميلة بتسريحة مختلفة قليلا."
قالت: "حسنا، ما دمت ستغرقني في المديح، فكيف أرفض؟"
جلست وابتسمت، وأخذت تراقب في المرآة باهتمام ما سيفعله، بينما مرر أصابعه في شعرها ولاحظ إلى أي حد طال. فمنذ آخر مرة قصه فيها ليصنع لها عصا أقوى، لم تقترب منه إلا أطرافه قليلا، وظل ينمو طوال السنوات القليلة الماضية حتى استقر منسدلا براحة على ظهرها.
قالت: "ألن تفعل أكثر من العبث به؟"
ضحك قائلا: "كنت أفكر في الطول الذي قد يبلغه إن تركته ينمو قرنا كاملا. ربما عليك أن تضعي ذلك في حسابك مستقبلا. يمكنك لفه في أكبر كعكة شعر وأشدها إزعاجا حين تحتاجين إلى إبعاده عن طريقك."
قالت: "همم، لو كنت سأدعه ينمو كل هذه المدة، لجعلتك تصنع لي شيئا ذا تأثير مكاني أخزن فيه معظمه. وأنا واثقة بأنك قادر على ابتكار شيء جميل الشكل يؤدي الغرض."
قال: "صحيح. وقد يكون الأمر ممتعا أيضا. سأصنع لك واحدا لاحقا إن شئت، فلدي أكثر من كفايتي من حجر الفراغ."
قالت: "يا لها من طريقة صادمة لإهدار واحد من أندر المواد في الكوكب."
قال: "مهلا، حين كان جيك هنا آخر مرة، استخدمته لصنع كمية هائلة منه. وإن نفد مني، فسأستدعيه ليصنع المزيد."
ضحكت وقالت: "وأنا واثقة بأنه سيطير فرحا حين يسمع ذلك. إن فعلت، فابحث عن طريقة لتعويضه."
قال: "همم، ربما أستطيع أن أودع في رأسه كل ما أعرفه عن المبارزة، ليستفيد أخيرا من سيف الليزر الذي صنعته له منذ زمن. سيستمتع بذلك على الأرجح، ما دام ستتاح له فرصة لاستخدامه يوما."
ثم بدأ عمله، فضفر شعرها في تسريحة تشبه تاجا نصف مرفوع، لكنه أبقاه أكثر ارتخاء من الخلف، وتحركت أصابعه فيه بخفة حتى بلغ النتيجة التي يريدها.
وعندما انتهى، ابتسم وهو يراقبها تنظر إلى التسريحة في المرآة، ثم قال: "ما رأيك؟"
أجابته وهي مسرورة تماما بما صنع: "أظن أنك كنت ستجد لنفسك عملا محترما في تصفيف الشعر لو أردته. ربما ينبغي أن أطلب منك تصفيف شعري في أحيان أكثر، على الأقل في الأيام التي لا أكون فيها في الصيد أو في المستشفى."
ضحك وقال: "ها، هذا لا يترك أياما كثيرة."
قالت: "وهذا سبب إضافي يدفعني إلى طلب ذلك منك. دعني أستمتع بشعوري بالجمال في أيام إجازتي."
قال وهو ينحني ليقبل خدها قبل أن يمد يده إليها: "أنت جميلة دائما. والآن، هل ننطلق؟"
قالت: "بالتأكيد، هيا بنا."
خرجا وأوصلا مورا إلى ديلير وفونتيش، ولم يلتقطا من ألاعيب تلميذه مع الصبي إلا ما يكفي ليستنتجا أنها ستحاول إقناع شخص ما بالسماح لهما بتجديد منزله، ثم عادا إلى المتجر ومرا عبر إحدى بواباته إلى شبكة البوابات الكبرى الممتدة وراءها، وأخذا يبحثان عن البوابة التي ستوصلهما إلى المدينة التي سيلتقيان فيها، ثم عبرا إلى المنطقة الواقعة على الجانب الآخر. وكانت تلك إحدى البوابات التي أنشأها بن بنفسه.
وكانت المدينة صغيرة نسبيا قياسا إلى المدن الأخرى، لكنه رأى في الحال أنها تعج بالحركة. فلم تكن هناك نقطة غزو قريبة، ما جعلها المكان المثالي لإجلاء سكان المدن والبلدات والقرى الأخرى إليها، ولعل الحرب نفخت فيها حياة ما كانت لتحصل عليها لولاها، فظل يتأملها وهما يسيران في شوارعها. ومع تدفق الناس الذين انتقلوا إليها خلال السنوات القليلة الماضية، كان من الطبيعي أن يجد مزيجا من الأنواع، لكن بن لم يستطع إلا أن يلاحظ كثرة السكان من الجان المظلمين، فتساءل إن كان ذلك هو سبب اختيار هذه المنطقة.
فإذا كانت هناك جماعة كبيرة من الجان المظلمين تقيم فيها أصلا، وكان من المفترض أن يقام زفاف تقليدي للجان المظلمين، فلم يكن من الصعب تخيل أنهم اختاروا أسهل مكان يمكن ترتيب زفاف كهذا فيه، إلا إذا كان الأمر كله قد حسمه كون جينيت من هذه المدينة. وظلت تلك التساؤلات تحوم في رأسه حتى بلغا وجهتهما المقررة، وهي مقهى صغير طلب غريد أن يلتقيا به فيه أولا، على أمل أن يكشف أخيرا السر الذي يخفيه.
من دون أن يكتشفا أن الأمر يتعلق بنوع من الطوارئ. ربما يريد فقط أن يقدمني إلى الجميع بوصفي الرجل الذي كاد يموت معه. قد يحدث ذلك. كان إغراء قراءة أفكار السلطعون قويا، لكنه قاومه، واختار بدلا من ذلك مجموعة من الطعام والشراب ليتناولاها في الشرفة ريثما ينتظران. وقد وصلا مبكرين، فأتاح لهما ذلك رؤية الشوارع، وتمكنا من معرفة اللحظة التي وصل فيها غريد وجينيت والفتاة الأصغر سنا التي لم يكن يمكن أن تكون إلا ابنة غريد.
بدت في عمر قريب من عمر آبيل، على الأقل إذا قورنت هي به من الناحية البيولوجية، وكان واضحا أن الفتاة ورثت معظم ملامحها عن أمها الراحلة. فقد كان تكوين جسدها بشريا إلى حد صادم إذا قورن بتكوين غريد، أما الصفات التي ورثتها عن أبيها فقد ظهرت فيها بطريقة أخرى. فمثل السلطعون تماما، كان كل شبر منها أحمر ياقوتيا، حتى بدت كأنها مصنوعة من الزجاج، وإن لم تكن شفافة تماما. كانت بشرتها وشعرها وأظافرها تحمل اللمعان نفسه الذي يميز أباها، ولم تختلف عنه سوى عيناها، إذ كانتا سوداويين عميقتين، ومع ذلك تطابقتا مع عيني غريد نفسه.
وكان مشهد الثلاثة وهم يسيرون معا يرسم وحده صورة خافتة لعائلتهم الصغيرة. رأى جيفز واقفا بأدب إلى الجانب، محافظا على مهنيته ومفسحا لهم بعض المساحة، بينما سمح غريد لنفسه بالجلوس على كتف جينيت حتى لا يضطر إلى محاولة مجاراتهم. أما جينيت نفسها فبدت صورة للمرح والإيجابية. وكان واضحا أنها متحمسة، سواء أكان ذلك ليوم زفافها أم لمجرد وجودها مع شريكها وابنته، لكن الفتاة الصغيرة هي التي أتاحت أكبر قدر من الدلالات.
كانت الفتاة، صاف، تمسك بيد جينيت وهما تسيران، وتبتسم ابتسامة خفيفة كلما تكلمت المرأة الأخرى، وتبدو مرتاحة تماما في حضورها. وبالنظر إلى أنهما، حسبما فهم بن، لم تتعارفا إلا قبل أكثر بقليل من شهر، فقد أدت عروس غريد عملا استثنائيا في التقرب من الفتاة. ولعل ذلك لم يكن مفاجئا من امرأة دفعت غريد إلى نقض عهده والعدول نهائيا عن هجران الرومانسية، لكنه أظهر على الأقل قدرتها على مخالطة الناس، وهي قدرة فشل غريد تماما في تقليدها.
كانت كل كلمة تقولها جينيت تلقى ابتسامة صغيرة على الأقل ومحاولة حقيقية لفتح حديث، لكن كلما أضاف غريد شيئا، حتى إن كان بن لا يسمع ما يقال، اتضح أن ذلك يرسم على وجهها تعبيرا محايدا وردا مقتضبا. وكانت الفتاة تبدو غير مبالية تماما، على نحو يراه الجميع بوضوح، حتى إن ثيرا لاحظت الأمر وهي تقترب منهما.
قالت: "أهذه حقا أفضل علاقة لغريد مع أي من أبنائه؟"
قال: "من المحتمل أن تكون له علاقة أفضل مع واحد أو اثنين منهم. لكن هذه هي التي تعيش معه. وهي يتيمة حديثا أيضا، لذلك ربما تحتاج إلى بعض الوقت لتعرف كيف تتصرف معه."
أشارت إلى الأمر قائلة: "يبدو أنها انسجمت مع شريكته من دون مشكلة."
قال: "نعم، هذا صحيح. لكنه سيفهم الأمر مع الوقت، وستسير الأمور على ما يرام. ما دمنا معهم، فلنحاول أن نخفف التوتر بينهما قليلا، أليس كذلك؟"
قالت: "... حسنا، هذا أفضل على الأقل من المرة الماضية التي رأيناه فيها مع أحد أبنائه."