كانت غريزة ثيرا الأولى هي الرفض. استعملت سحر الجاذبية أحيانا لتيسير أمورها، لكنها ظلت قوة لا تحب امتلاكها تماما، فقد ترك سنوات المعاناة تحت وطأتها أثرا جعل مجرد التفكير في فعل أي شيء بها مثيرا للاشمئزاز، رغم معرفتها بأنها ردة فعل طائشة وحمقاء. كانت ملكتها تعرض عليها تعليْمها شيئا بنفسها، ولا يمكنها مجرد الاصغاء لغريزتها. صحيح أن نظرتها إلى الملوك ككل قد أصبحت أكثر تعقيدا في السنوات الأخيرة، لكنها كانت تثق بأنايليا ثقة عمياء، بينما ضحكت ملكتها بخفة وهي تستمع إلى كل تلك الأفكار تدور في رأسها.
قالت: "أنا أتعاطف مع مخاوفك يا بنيتي، لكنها مجرد تعويذة أود منك تعلمها، لا أكثر. لك الحرية في اختيار استعمالها أو لا، لكن تعلمها على أقل تقدير لن يضرك."
قالت: "أنا آسفة، أنا أفهم ذلك. بالطبع سأتعلمها."
ابتسمت وهي تفيض حنانا ومحبة: "رائع. أؤكد لك، إن اخترت توظيفها فستخدمك حقا. رغم أن قدرا من المهارة مطلوب لها، ولهذا لا أستطيع تعليمها إلا لأبنائي اليقظين، إلا أنني متأكدة أنك قادرة على إظهارها بطريقة تقارن بي، نظرا لقوتك الخاصة."
قالت: "حسنا، إذن ما هي؟"
قالت: "تتذكرين حين اكتُشف أنصاف الشياطين، أليس كذلك؟ قبل العثور عليهم، استدرجت مجموعة من الشياطين ليلقاها حبيبك الصغير. قد يبدو الأمر كأنني عثرت عليهم مسبقا ووجهت جاذبية نحوهم فقط، ومع أنني أقر بأنني كنت على دراية بوجودهم، إلا أن ما فعلته حقا كان أكثر تعقيدا بعض الشيء. ما استعملته حينها وما سأعلمك إياه الآن هو جاذبية انتقائية، قادرة على التركيز على فصيلة، أو حتى على هدف معين إن أتقنت سحرك وهذه التعويذة حقا لجذبهم إليك، مع ترك بقية العالم بمنأى عن التأثير. رغم أنها ليست مثالية، نظرا لمستوى الشياطين المزعج صراحة في التكيف، فإن ما أبحث عن تعليمه لك هو طريقة يمكنك من خلالها جذب الشياطين انتقائيا كلما خرجت."
انتهى الدرس الذي تعلّمته بيسر فاق التوقعات نظراً لارتفاع ذكائها الملحوظ، فأتمّت ثيرا مهامّها قبل أن تعود أدراجها إلى البراري سعياً لاختبار ما تلقّته. توغلت أبعد ما تستطيع، واستعانَت بالأرواح لتحقق من خلوّ المكان من البشر قبل أن تشرع في تركيب تعويذتها وربطها بروحها، متأهبة للخطأ الذي وقع بالفعل. ما إن سُحِر مانا الخاصّ بها حتى سمعت الغابة تنبض حولها بالحياة، وأخذ كل شيء يتحرك صوبها ممّا اضطرها إلى التحول إلى تعويذة خوف بسيطة لتردعهم قبل أن يغُمروها.
حدثت نفسها: حسناً، لقد فهمت الأمر، ولم يَبقَ سوى التمرّن حتى أجيدَه، متقبّلة أن يتطلب ذلك بعض الجهد. وحينئذ، أظنّ أنه يتوجّب عليّ التحقق أولاً قبل أن أضيّع وقتاً طويلاً في هذا المكان. هل رصد أيّ منكم شياطين في الجوار؟ أجاب روح دخانيّ: القليل منها. أترغبين في أن نقودك إليها؟ لا، شكراً لك. يكفي أن أعلم بوجود بعضها بالقرب. ومع تأكدها من أن جهودها لن تذهب سدى هناك، أعادت الكرة لتجد أنها أخطأت مجدداً.
كان هناك سبب وجيه لكون أنيليا قد أخبرتها بأن الأمر يتطلب حاملاً مستيقظاً لإنجازه، وشكّت ثيرا في أنها كانت لتنجح في ذلك حتى في مستويات سحرها الظلامي الأبكر، إذ كان سحرها أضعف لاندماجه في المهارة الأخرى مقارنة بما لو استيقظ وحده، وهي النتيجة التي أرادتها حقاً في ذلك الوقت ولم تندم عليها يوماً. مع ذلك، ظلّ الإمساك بنجاحها عساراً وهي تواصل محاولاتها التي استغرقت وقتاً أطول لأنّ كل فشل كان يعني إطلاق القدر الكافي من الخوف لردع الغابة بأكملها عن اجتياحها دون إبعادهم إلى مسافة تفقدها أهدافها.
بدا الأمر أشبه بلعبة توازن دقيقة أُجبرت على التدرب عليها بينما سعت لإنفاق المانا بالطريقة الصحيحة تماماً إلى أن ظفرت بنجاحها أخيراً. بدل أصوات المخلوقات العديدة وهي تندفع، وربما كانت وحوش تلك الغابة قد أُصيبت بالدوار بحلول ذلك الوقت من كثرة الذهاب والإياب الذي أحدثه سحرها، لم تسمع سوى القليل، وبالكاد شيئاً يُذكر سوى ما يكفي ليدلّها على حركة تتجه نحوها بينما خرجت الشياطين من الغابة تباعاً لتهاجم، في حين كانت ثيرا مستعدة سلفاً لتصرعها جميعاً قبل أن تستعيد وعيها بما يكفي لتقاوم، متفحصة طوال الوقت آثار التعويذة.
ورغم أن أنيليا أخبرتها بأمكانية استخدامها لجذب أجناس بأكملها أو أفراد معينة، فقد ركزت على تعليم ثيرا كيفية فعل ذلك للشياطين بأوسع شكل ممكن، وهذا كل ما نوَت استخدامه لأجله حقاً، لكنها أدركت قيمته فوراً. إن علمت يوماً بوجود شيطان بالقرب وعجزت عن العثور عليه، فلديها الآن فرصة أكبر بكثير لاستدراجه، حتى مع المخاطر التي يضيفها ذلك. لم تستطع إلا أن تعترف قائلة: يبدو أنني قادرة على توجيهه أيضاً، بدل نشره حولي في كل مكان، لكن حقيقة أن هذا سيجلب أي شياطين تقع ضمن نطاق سحري لتهرع نحوي ليس بالأمر الآمن تماماً أيضاً.
حتى وإن أبليت بلاء حسناً ضدهم حالياً، فلست ممن لم يعانِ قط، وإن جلبت منافساً فقد أجد نفسي في خطر حقيقي. هذا نوع من الأمور التي سأحتاج إلى محاولة استخدامها بحذر. ومع ذلك، لم تستطع إنكار فائدته أيضاً. لقد أدركت سبب حرص أنيليا على تعليمها تلك التعويذة، بالطريقة التي تمكنها من إطلاق سحر كامن، ناشرة إياه لتمتلئ الأرض المحيطة بها بقوتها؛ فربما لم يكن هناك في العالم بأسره من يناسب استخدام تلك التعويذة سواها.
يمكنها أداء دور النقطة المركزية كلما خرجت لاستدراج أي شياطين خفية، والقضاء عليها بكفاءة لا ترحم ما لم تصادف أي حالات شاذة. وكلما زاد عدد الشياطين التي أقاتلها، زادت قدرتي على تمرير سحري أيضاً… شعرت بنفسها تبدأ بالمرور بجانب الخطر الواضح الذي تحمله تلك التعويذة. يمكن التخطيط لمواجهة الخطر والتخفيف من حدته، ويمكنها بسهولة الاستعانة بالأرواح المحيطة بها للمساعدة في تحذيرها أو حتى القضاء على أي شيطان تجذبه، كما كانت على دراية تامة بالقوة التي تملكها.
كانت مهامها ناجحة عادة، ولا تفشل إلا إن عجزت عن إيجاد أهدافها. فلمَ لا تجعلها أكثر نجاحاً عبر جلب تلك الأهداف وما يجاوزها إليها؟ تساءلت قائلة: يا ترى كم عددهم الذي سأكون قد قتلتُه حين ينتهي هذا كله؟ أفلتت الفكرة عفوياً من شفتيها. من جهودها خلال الموجة الثانية، بدا لها أن العدد يناهز مئات الآلاف على الأقل، وهي تعمل على النحو ذاته فيما تبقى حتى الموجة الثالثة ثم أيّ نوع من المذابح الذي تمكنت منه حين حلت الموجة التالية، رسم ذلك مستقبلًا دامياً لم ترغب في تخيله، فدفعته عن ذهنها لتركيز على الأمر الماثل أمامها.
كانت تعمل لتغدو أقوى وتساعد العالم، وقد منحتها أنيليا أداة قوية لتحقيق ذلك تماماً، ولن تدعها تذهب سدى.