الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 961 — منظور ثيرا

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 961 — منظور ثيرا باللغة العربية على مانجا تايم.

قالت تيرا للأرواح من حولها: "أرجوكن، ليس أمام عيني"، إذ تسبب تكدسها في تشتيت انتباهها بينما كانت تبذل قصارى جهدها للاستفادة من وقت فراغها المكتسب حديثاً في قبول مهام الصيانة في الأراضي البرية.

وبما أن بن يملك بوابة متصلة مباشرة بنقابة نشطة، فقد كان ذلك الخيار الأنسب وسمح لها بالعثور على نوع العمل الذي لا توفره مكانة مثل ستونوول، فبينما كانت بلدتها تعنى بمنح المهام الواقعة في المنطقة المجاورة مباشرة، فإن أي مكان على شبكة البوابات يمكن أن يحتوي على أي شيء، بما في ذلك معلومات عن قطعان الشياطين التي تحتاج إلى تطهير، مما منحها مهمة مفيدة يمكنها إنجازها في أي من الأيام الكثيرة التي لم تعد بحاجة فيها للقلق بشأن عمل المستشفى، في ظل الطلب الفوري على خدماتها.

عادةً، إذا كان الهدف بعيداً في العمق، فلا توجد فرصة لإنجازه في اليوم نفسه إلا بوجود ساحر مكان، وأما أي شيء قريب من البوابة لدرجة تمكن من قتله في اليوم ذاته، فكان يُكتشف ويُتعامل معه غالباً، إلا بالطبع إن فاجأهم سرب من المخلوقات، ولكن حتى وإن عجزت هي نفسها عن الانتقال الآني، فقد كانت أقل تقييداً بالمسافة مقارنة بالآخرين. كانت قادرة على الطيران بقوتها الذاتية مما يعني أنها تستطيع التحرك بالسرعة التي تفكر بها، وبمساعدة طوق بن، يمكن أن تصبح تلك السرعة فائقة حقاً لدرجة أنها باتت بحاجة للحفاظ على حاجز حولها لمنع شعور الهواء والحشرات التي قد تكون فيه من تحويل رحلتها إلى كابوس، ومع قوة مانا الخاصة بها وسحرها، بدا لها أن العالم بأكمله في متناول يدها وتأكدت من أنها، بغض النظر عن المكان الذي تُطلب للذهاب إليه، ستعود دائماً إلى المنزل وقت العشاء.

وليس معنى هذا أن عمليات الصيد كانت ناجحة دائماً، فهذا أمر متوقع، فالأسرب تتحرك في النهاية، وطبيعة الشياطين الجشعة والمدمرة تعني عادة أنه بحلول الوقت الذي يصل فيه التقرير إلى النقابة، يكونون قد رحلوا منذ فترة طويلة في كثير من الأحيان، وتارة يمكن تعقبهم وتارة يتعذر ذلك. ولكن يبدو أن هذه ستكون إحدى المرات الأسهل، هكذا حدّثت تيرا نفسها، على الأقل بمعنى أنها لن تقضي ساعات في البحث عنهم.

وعلى الرغم من أنها عثرت على المجموعة على مقربة قليلة فقط من المكان الذي أُخبرت بضرورة توقعهم فيه، إلا أن التقارير الأولية بدت وكأنها استخفت بحجمهم بشدة؛ فما أُبلغ عنه على أنه مئة شيطان فقط كان ضعف هذا العدد على الأقل، إذ كانت تلك المخلوقات الغازية قد طهرت جزءاً من الأرض من أي حياة، فلا أرى أي حيوانات أو نباتات، ولم تترك سوى التراب في قاعدتها بينما كانت تقتتل فيما بينها خلال ما بدا أنه وقت فراغها.

لذا ربما لم تكن تلك المجموعة الأكثر تحفيزاً، هكذا فكرت وهي تراقبهم، سامعة أحدهم يشتم بصوت عالٍ بلغة العالم بينما تُرع نزع ذراعه من قبل آخر بطريقة لا تزال تتركها غير مرتاحة، فقد كانت تعلم أنهم بشر تقنياً، فالنظام يصنفهم على هذا النحو وهم عاقلون بلا شك، لكن سماعهم يستخدمون اللغة بدا خاطئاً من الناحية الجوهرية، حتى وإن كان إطلاق بعض الكلمات من قبلهم أمراً شائعاً بما فيه الكفاية بحلول تلك المرحلة، ولم يخرجها من أفكارها سوى روح تقف عند أذنها.

"أيتها الأميرة، هل نساعدك؟"

"لا، ليس الآن على الأقل"، هكذا ردت تيرا بمانا الخاصة بها، لئلا يسمعها أي من تلك المخلوقات الموجودة على الأرض في الأسفل، فقد كانت لا تزال محاطة بحاجزها لذا لم تكن هناك أي فرصة لتسرب أي روائح، وعلى الرغم من وجود خطر الدائم للرصد، إلا أنها كانت على ارتفاع كافٍ يجعل الأمر لا يمثل قلقاً فورياً، ولا داعي لمخاطرة كشف أمرها بكلمة طائشة، وتابعت: "إذا انتهى بي الأمر إلى الحاجة للمساعدة، فسأطلب منكن جميعاً حين يحين الوقت".

ففي النهاية، كان لديها الكثير من الخيارات للاختيار من بينها بشأن كيفية القضاء عليهم، حتى عندما كان عددهم كبيراً جداً، وبدأت بواحدة تتطابق مع أهدافها، فأخذت سحر الحياة الخاص بها وحولته إلى موت. سحران بنهاية واحدة، لقد وصلت رسمياً إلى ما يمكن تسميته بالمرحلة النهائية لسحر الحياة، وكل ما هو أبعد من ذلك يغامر بدخول أراضي الأرواح، وبما أن كلاً من بن والملوك بدا أنهما يريدان منها تحقيق مثل هذا الأمر، فلا يزال يتعين عليها ممارسته.

لقد مارست التعاويذ الأكثر تقليدية حتى الاستنزاف، ولم تكن تتذكر إصابات كثيرة لم تقم بعلاجها، وعالجت الكثير من الأمراض بحلول تلك اللحظة أيضاً، ولم يبق أمامها سوى التركيز على جانب أقل استغلالاً من تدريبها عندما عكسْتُه، مستخدمة تعاويذ الموت المحشورة في دماغها ومطبقة مانا الحياة عليها، لتلقيها في الأسفل وتراقب معظم الشياطين يهلكون قبل أن يتمكنوا من إدراك أن شيئاً خاطئاً قد حدث، فلقد كانت قوتها عظيمة ببساطة، وصعب للغاية تحديها في هجوم مفاجئ كهذا.

استطاعت رؤية حفنة الناجين وهم يتطلعون حولهم محاولين فهم ما حدث، لكن واحداً فقط رفع رأسه قبل أن يلقى البقية حتفهم، وما عجزت تعاويذ الموت عن إنجازه، تولته الأرض، وراقبتم من الأعلى بينما كانت الأرض تبتلعهم وتسحقهم لتصنع منهم عجينًا دون أن تترك أي مجال للشك في هزيمتهم بينما كانت الإشعارات تتردد في رأسها.

<ارتفاع مستوى تعزيز المانا الروحية> <ارتفاع مستوى ميل الأرض> <ارتفاع مستوى تعزيز الذكاء> <ارتفاع مستوى تمكين المانا>

نتيجة جيّدة، ثمرةٌ لجهدها وما حظيت به من مزايا. ما زالت تجهل مبلغ التأثير الذي يمنحه إيّاها سوار سلطة بن، ولكن بغض النظر عن أسمائهما، راحت تجد نفسها أشدّ إقبالاً على تقبّله، غير أنّ هناك عنصراً آخر يرافقها ويحوم حولها في كلّ حين؛ أرواح الأرواح، المتخفّية بين سواها. حين طلبت منهم مؤازرة المعالجين الذين تلتقي بهم، حرصاً على راحة بال مورا وإعانةً للكوكب بأسره، وجلت أمام نفسها معترفة بأنّ الأَولى لها أن تتقبّل أيّ عون يُسدى إليها منهم بدورها.

لم تدرِ أكان مورا يبسط عليها سحره أم لا، وما كانت لتسأله عن ذلك، ولكن أرواح الأرواح؟ بدا الأمر معروفاً ألطف وقعاً بكثير. وليس الأمر أنّي أدري أسيبلغ ذلك مداه يوماً ليبلغ الغاية، هكذا راحت تئنّ في سريرتها. يا للهول، يجعل بن التجلي أمراً هين المنال. على أقلّ تقدير، فإنّ توظيف سحر الحياة بوصفه موتاً أثناء اصطيادها شتى أصقاع المعمورة يعني بما لا يدع مجالاً للشكّ تمكين المهارة من استمداد آثار إحدى السلطتين المتمكنتين منها على الأقلّ، إن لم يكن كلتيهما.

ومع حرص بن على إبقائهما محدثتين، كانت تظفر بأفضل الأثر الممكن. وفي ظلّ غياب ساحر أرواح آخر إلى جانبها يعينها على المران، كان ذاك أقصى ما يبلغه المرء، لتغدو سائر الأمور معلقة بجهدها، إلى جانب السؤال الحاضر أبداً؛ أكان بلوغ المرتبة الثالثة في الشهور المعدودة المتبقية أمراً ممكناً حقّاً.

في طريق عودتها لتقديم تقرير المهمّة والتوجه إلى منزلها مع انقضاء النهار، توقفت ثيرا هنيهة لتجلس رغبةً في الراحة. صحيح أنّ استخدام السحر لم ينضب بطاقتها ولم تقم بما يمكن اعتباره تمريناً بدنياً يُذكر، إلا أنّ الاستعانة بطوق لتسريع وتيرة تفكيرها سيظلّ أمراً مزعجاً بحال. أمر تشكّ في أن تعتاده تماماً، ممّا جعلها تتوق إلى إغماض عينيها في الواقع عند أقرب مقعد تصادفه، لتشعر باسترخاء عابر قبل أن تفتحهما من جديد في مكان آخر، وإذا بملكتها جالسة بإزائها.

قالت بصوت أرفع ممّا قصدت من شدة المفاجأة وهي تهمّ بانحناءة عجلى، لتبتسم الملكة الماثلة أمامها ببساطة أمام ردّ فعلها ذاك: "أيتها الطفلة، يسرّني رؤيتك. كيف حالك منذ آخر لقاء بيننا؟"

"كنت... بخير في الغالب. يا أنايليا، يسعدني رؤيتك مجدداً أيضاً."

"آه، ولماذا في الغالب فحسب؟"

سألته ملكتها بابتسامة عارفة، بعدما تابعت جانباً غير يسير من حياة ثيرا وسمعت بما يكفي لتكوين فكرة واضحة، حتّى وإن حاولت ثيرا ذاتها إبقاء الأمر بسيطاً.

"إنه التوتر فحسب، أظنّ ذلك."

إجابة استوجبت ضحكة خفيفة، فعجزت الملكة عن إخفاء بهجتها.

"مهما كان نصيب ذلك عائداً إلى براعة رفيقك في جعل ملوك أخرى حمقاء تنظر إليه بوصفه مصدر إزعاج، فسأقول لك ألا تقلقي كثيراً. الشاب الرسول يحظى لحظوتي. لن أسمح لأي ملوك أخرى بإلحاق الأذى به، مهما اختار لنفسه من سبل النمو. لقد قدّم للكوكب من الجليل الكثير بحيث لا يتعين عليه تحمل أمثال ذلك بعد الآن."

"شكراً لك"، قالت ثيرا، إذ إنّ تلقي تلك الكلمات ممن وضعت فيها إيمانها كفيل بأن يبعث في نفسها من الطمأنينة أضعاف ما تحتاج إليه حيال أمر بذلت جهده لتدبّره.

وحتى إن بدا كل شيء على ما يرام، فهي تدرك حقّ الإدراك أنّ بن لا ينظر إلى الملوك باعتبارها قوة تعلوه، ومن ثمّ فقد نال جرّاء ذلك نظرة أدنى من الكثيرين، هذا قبل حتى احتساب مهاراته العديدة المثيرة للريب.

"إن كان الأمر هكذا، فأنا بخير حقّاً. أبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن الظنّ بي، وأسعى لجعل فخورة بك."

"أيتها الفتاة اللطيفة، أنا فخورة دائماً، وأما التوقعات فلا تجهدي نفسك بالقلق إزاءها. أعلم أنه دار حديث عن الأمل في بلوغك المرتبة الثالثة فيما مضى، بيد أننا نعلق تلك الآمال على الكثيرين. فإن لم تدركيها في الوقت المتبقي فلا ضير في ذلك البتّة."

"غير أني ما زلت بحاجة للمحاولة"، تنهدت ثيرا.

"أتساءل كم سيكون الأمر أيسر لو أنني كنت جزءاً من روح حياة بدوره. إنّ تقاربي مع الحياة لضعيف للغاية، ولا بد أنه آتٍ بأسره من جهة أمّي، ولو كانت قيمته لتتجاوز المائة لربما بلغت مرامي بالفعل."

"لربما"، أقرت أنايليا.

"ولكن، لا مبرر للخوض في هكذا هواجس. أنتِ أنتِ، كاملة كما أنتِ، ومن يدري؟ إن تجاوزت تلك العتبة النهائية بنفسك، فسيتسنى لك الشروع في استكشاف مدى سهولة الارتقاء بسحر الأرض لديك إلى المستوى ذاته."

"ها، أعتقد أنّ امتلاك هدف غير واقعي يكفي في الوقت الراهن. أوهناك سبب لهذه الزيارة؟ أيمكنني فعل شيء من أجلك؟"

"أظنّ أنه يمكنك النظر للأمر على هذا النحو، نجل. يا ثيرا، أتعلمين أنه من بين جميع أبنائي، لا أحد يحمل حالياً تعويذة متجليّة؟"

"أم، لا، لم أكن أعلم."

"ليس في الأمر عيب، فأنا على دراية تامة بأنّ ذلك يُعدّ في هذا العالم لعنة لما يفرضه من قيود على خيارات الجميع في التعامل مع الكوكب الأوسع، غير أنّ له منافعه، حتى وإن تباينة مشاعر الآخرين حياله. منافعه التي أودّ تعليمها لك."

"عذراً، ماذا تعنين؟"

"مجرد صيرورته جزءاً من سحر الظلام لديك لا يعني أنه تلاشى. إنّ زمام أمرك بيديك وقد تجليت من أجله، لذا يا ثيرا، دعيني أُعلّمك كيف توظفين تلك القوة الكامنة."