الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 96

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 96 باللغة العربية على مانجا تايم.

فتحي بن الباب قبل أن تكاد ساشيل تطرق.

قال مباغتةً: "كيف علمت بوجودي؟"

كانت مذهولةً بعض الشيء. تحمّست لعودته منذ حصلت على مهارة الاتصال وأخبرها سيّد أنه سيمنحها بعض التوجيهات، ولكن نظراً لصداقتها مع سكوي وتوتّر علاقته بتيرا، تردّدت كثيراً قبل طرق بابه.

قال: "أخبرني سيّد".

أوقظه سيّدُه بينما كان منكفئاً على مطالعة المخطوطات في عالم سيّد السماويّ: "هيا بنا، لنتوجّه إلى بيتك أو نمشي نحو الغابة".

"أليس هنا؟"

"تيرا لا تحبّ ارتداء رداءها في البيت ولن أرغمها عليه من أجل الضيوف".

هذا فضلاً عن أن زمرتكم تحظى بتاريخ شائك معها. لم يخفِ بن عن ساشيل أنها باتت مؤمنةً جديدةً بسيّد، ولا أنه سيندمج معها في تدريب المهارة قليلاً، لكن ذلك لا يعني زجّهما في مساحة ضيقة معاً. كان يرى أن زمرتها هي المطالبة بتقديم عربون صلح. مع ذلك، لم يكن بن يحمل أي ضغينة تجاه ساشيل. فالمرّات القليلة التي حدّثته فيها عن سيّد حين كانت تفكّر بالتحوّل بدت فيها لطيفةً بما يكفي، وإن غلب عليها التهوّر أحياناً.

"حسناً إذن، لنذهب إلى الغابة، فصالية لا تزال نائمةً ولا أحبّ إيقاظها".

كان الوقت مبكراً نسبياً. ومع أن بن اعتاد الاستيقاظ باكراً، إلا أن وجود سيّد إلى جانبه لتسهيل الأمر كان مفيداً، وعلم أن سيّد يرغب في نجاح هذا المسعى. إن تمكّنت ساشيل من توظيف المهارة لنيل مهنة ترويض الأشجار، ومن ثمّ كسب سحر النباتات، فستصبح مصدر دعاية قيّماً، حتى وإن بدا قادراً على استقطاب جمهور مهتمّ بالحرف اليدوية الآن بعد أن تنامَت مهارته. توجّها مشياً نحو أطراف الغابة متبادلين أطراف الحديث في الطريق.

أبدى بن اهتماماً بما جرى في البلدة طوال الشهر والنصف الماضيين، فجاء الجواب مدوّياً "لا شيء يُذكر"، بينما تساءلت ساشيل عما فعله منذ غادر، فحاول بن إبقاء إجابته مبهمةً.

بين ابتكاره براءة اختراع قيّمة، وخوض اختبار أنيليا، وكونه مخطوباً بطريقة ما الآن، لم يكن متأكداً من رغبته في مواجهة تداعيات شيوع أي من ذلك. لكن ما إن بلغا الغابة حتّى شرعا في الدرس.

قال: "حسناً يا ساشيل، بما أنك مغامرة فسأخبرك هنا والآن بأثمن استخدام للمهارة، وهو أمر ستلجئين إليه في كلّ مرّة تدلفين فيها إلى الغابة".

باغته الجدّية فاستدارت إليه تحبس أنفاسها، متحمسةً لاكتشاف تطبيقات قدرتها الجديدة.

"إن أبقيتِ المهارة نشطةً، فسوف تقضي فوراً على أي حشرة تحطّ عليك محاولةً لسعك".

سألت محبطةً لأنه لا يتعامل بالأمر بالجدية التي أمملتها: "أتمزح؟"

"هيّا، لا تحسبي الأمر سخيفاً، فرُبّما كانت تلك أول طريقة استخدمتُها للمهارة. بالطبع لم يكن لديّ من أتدرب معه في ذلك الحين، لكنّ هذا الفعل قادني إلى اكتشاف إمكانية ربطها بالنباتات. ألم تحاولي بعد؟"

أومأت برأسها: "فعلت. جرّبتها مع فصالية بضع مرات، مع أن الأمر بدا غريباً بعض الشيء... هكذا أحسب؟ وحاولت مع نباتات البيت أيضاً، لكني أشعر أنني عجزت عن التقاط الكثير منها".

"تتطلّب النباتات صبراً حقاً حين تتصلين بها؛ فالتواصل بطيء، وحتى حين ترتقى المهارة، لن تعودي قادرةً على رصد أي أفكار مألوفة، بل ستغدين أقدر على تفسير مشاعرها واستشفاء دقائق عواطفها. هكذا يبدو الأمر معي على الأقل. وبما أنك في المستوى صفر بعد، فلماذا لا تحاولين الاتصال بي أولاً؟"

مدّت يدها فأخذتها وفعّلت مهارتها. استعاد بن شعوره يوم اكتشفها لأول مرة؛ فكلّ ما رصده منها في تلك اللحظة كان مزيجاً من التوتر والحماس، ولم تخترقْ فكرةٌ واحدةٌ ذلك الحاجز. حافظ على ثبات ذهنه تماماً في هذه اللحظة، فما من شيء يثير ردّ فعل عاطفيّ لديه على أية حال، ولكن بعد دقائق معدودات من شعوره بساشيل وهي تُنقّب في رأسه، فعّل العقل الخفيّ ليرى ما سيفول.

"مهلاً، ماذا فعلتَ للتو؟ أأُلغيت مهارتي؟"

قال ضاحكاً خفيفةً: "لا، أمتلك مهارةً تُدعى العقل الخفيّ. أمضيت وقتاً طويلاً مع عدد مختلف من الناس والأجناس محاولاً كبح تسرب أفكاري حتى تطورت. أقطعتِ الاتصال تماماً؟"

"بدا الأمر وكأنني لم أكن متصلةً بك قط".

أمر مثير للاهتمام. كانت مهارة العقل الخفيّ عنده في مستوى اتصالها نفسه. لم يتوقع قدرتها على قطع مهارتها بالكامل دون أن تفوقها مستوى. ألعله نتاج تفاعلها مع مهارات أخرى منحته دفعاً؟ فلا شيء يوجد بمعزل عن سواه، وحسبك بالتفاعل القائم بين الاتصال والتطويع. إن كان الأمر كذلك، فهو يراهن إما على التركيز أو على العقل المركّب ليكون المتسبّب في ذلك، لكنه خمّن استحالة التيقّن دون اختبارات دقيقة لشيء لا يعدو كونه فضولاً عابراً لديه.

"حسناً، كُوّنتُ فكرةً جيّدةً عن شكل مهارتك على الأقل. وللمقارنة، دعيني أتصّل بك لترَي كيف يبدو الأمر في المستويات العليا".

اتّصل بها بنفسه الآن وسمع الأفكار تتدفق في رأسها هنيئةً قبل أن تنأى عنه.

"لماذا يبدو عقلك هكذا؟"

سألت وقد بدت مرتبكةً واضحةً.

"وقاحة".

"كان ذلك أسوأ من الاتصال بفصالية! فعلى الأقل بدت مشاعرها غريبةً بعض الشيء، أما هنا فكأن في رأسك شخصين!"

أخبرها: " مجرد عرض جانبي لإحدى مهاراتي الأخرى، لا تقلقي حيال ذلك".

"كم مهارة غريبة لديك؟"

"ما زلتِ وقحةً، لكن..."

فكّر في مهاراته الحاليّة فحضرت ثلاث أخر إلى ذهنه قبل أن يجيب: "لا توجد أخريات تثير الانتباه أثناء تدريبنا على الأقل".

أخال أن ما نقله سيّد عن التحمّل والتدنيس يبدو غريباً بعض الشيء، وربّما الربط أيضاً، لكن العقل المركّب وحده ما قد يزعجها على الأرجح. مع ذلك، أتساءل ما الذي يشعر صديقتها بالغرابة فيها. لم أتلقَ ذاك النوع من ردود الفعل حين اتصلت بي بنفسها. لم يستطع كبح شعور طفيف بالفضول فقرر التحقق بنفسه إن سنحت الفرصة، غير أنه أراد منها في الوقت الحالي تلمّس شعور المهارة في المستويات المتقدمة، فشرع في تجربة مختلفة بعض الشيء.

أخذ يدها مستعداً لتجديد الاتصال، لكنّه فعّل أولاً العقل الخفيّ، محاولاً توظيفه على مسار فكريّ واحد عوضاً عن حجب كل شيء، وبدا أن ذلك أدى الغرض. خاطبها هواجساً: أفضل؟، فأتته إستجابة بالإيجاب. أمضى دقائق معدودة محاولاً تركها تستوعب الإحساس دون التمحيص المعمق بأفكارها نظراً لعجزها عن إمساك زمام عقلها بعد، قبل أن يمضي إلى أمر آخر رغب في اختباره منذ أن أتمّ الاختبار.

إن كنتِ مرتاحةً لهذا، فحاولي الاتصال بدورك. فعلت ما أُمرت به، ولسوء الحظ حصلا على النتيجة التي توقعها بن. بدا الاتصال مقوّىً نوعاً ما، لكنه لم يبلغ البتّة المدى الذي خبره أثناء الاختبار. لم يكن يختبر العالم عبر حواسّها قط، ولم يشتركا في القدرة الذهنية، ولم يسعه إلا الشعور بخيبة أمل طفيفة. حتى وإن واصل شعوره بأثر مشابه بفضل العقل المركّب، فلئن تيسّر له رصّ عقل ثالث لفكر في إمكانية القيام بأمور شيّقة.

رغم ذلك، فلكل نتيجة قيمة، ولم يتكاسل بن عن محاولة فهم مدى استفادته منها متى ما تزامنت مهارتاهما بالنشاط. التغيير الملحوظ الوحيد تمثل في بداوة أفكارها أكثر وضوحاً، لكنه تطلع لتكرار التجربة ما إن ترتقي أكثر في المستويات. فدائماً ما تلوح فرصة بلوغ النتيجة المنشودة حال تقاربهما في المستوى. ترك الأمر يمضي دقائق أخرى، لكنه لمس شروع ساشيل في فقدان صبرها، فقطع الاتصال.

أخبرها: "حسناً، لنبدأ بما تبغينه حقاً إذن"، فتلألأتا عيناها.

"رائع، على أيّة شجرة نطبّقها؟"

سألت، متلفتة في الغابة محاولةً انتقاء الشجرة التي تودّ التعرّف إليها.

"اختاري واحدةً عشوائياً، فلا فرق. والآن لن يطرأ تغيير على اتصالي بك. سأتصل بها أنا أيضاً وأحكم على مدى حسن تفسيرك لمشاعرها إن بدا لك ذلك حسناً؟ لست متأكداً حقاً مما يمكنني فعله أكثر للمساعدة".

"سيكون ذلك مثالياً، شكراً".

دنت من أقرب شجرة واتصلت بها، ومدّ بن يده ليقوم بالمثل. يا للمفاجأة، استطاع بن استشعار عقلها عبر الاتصال بالشجرة وسارع إلى حجب أحد عقوله لئلا يشوش عليها. بدا الأمر منطقياً، في تقديره. فكلاهما متصل بالشيء ذاته، وإن كان الاتصال ثنائي الاتجاه أفلا يعني ذلك تشكّل مسار أطول؟ هكذا فسّره على الأقل. رغم ذلك، كان الأمر مثيراً للاهتمام وأسفر عن أثر إيجابيّ تمثل في تقوية مهارة ساشيل أثناء محاولتها توظيفها على الشجرة، مما سهّل عليها التقاط بعض الدقائق التي ربما فاتتها.

ومثلما سمحا للساعات بالانقضاء بينما كانا يتدربان.