وقف بن ويده على الباب وخاطب المرافقين بصوت خفيض.
"أتستطيعان الانتظار قليلاً؟ أريد حديثاً على انفراد معه."
أومأ كل منهما وتنحيا جانباً بينما دخل بن ليجد غرفة جرداء مكث فيها فواست طوال اليوم منذ إنقاذه، جندل الفراش وشاخصاً بناظيريه نحو النافذة بيأس يغطي وجهه. بعد تحرره من عقل الشياطين المربوط به، نجح بن في محو كل أثر لذكراها وأذكار الشياطين الأخرى التي امتصها الرجل، وكانت ثيرا قد أنقذت أبيل من السم المتفشي في جسدها وتركت لبن مهمة إخبار المتحول بالحقيقة كاملة دون نقصان وتحطيم الآخر من جراء ذلك.
ومهما ظن أي شخص آخر في العالم عنه، طالما سعى فواست لتقديم أفضل ما لديه من أجل الكوكب لكنه أدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أنه فشل، واستمرت تبعات ذلك ماثلة للعيان رغم زوال العقل الشيطاني الكامن خلفها.
قال بن: "فواست."
وجر مقعداً ليجلس بجوار الآخر دونه أن يحظى منه حتى بنظرة.
"كيف حالك؟"
"سؤال بليد. كيف تراني أكون؟"
كشفت نظرة خاطفة إلى عقله بوضوح عن أعماق يأسه، إذ غشي المتحول غثيان شديد وصارت فكرة الطعام البسيطة مثيرة للاشمئزاز في نفسه. وحتى لو لم يكن مسيطراً على أفعاله، فقد استُخدم جسده لقتل وتناول الأشخاص الذين كافح طويلاً لحمايتهم وأصابته تلك المعرفة في صميم روحه، ولم يمتلك بن شيئاً يفعله لتخفيف عنه.
"فواست-"
قال مطرقاً بنظره نحو الأفق: "لم يعد بإمكاني حتى محاولة حماية هذا العالم يا بن. لم يُعلن الأمر صراحة بعد لكنك ذكي وتدرك أنه الحقيقة."
حقيقة لا تقبل الدنكار. قد لا يقع أي لوم على المتحول إزاء ما حدث، إذ كان ذلك عرضاً جانبياً غير متوقع لمهارته وقد هُلك المسؤول الحقيقي عن كل تلك الأرواح المفقودة، لكن ذلك خلف واقعاً لا مفر منه في عقولهم وعقول الملوك. إن حدث ذلك مرة، فبإمكانه التكرار. تعذر الجزم يقيناً إن كان فواست قد سُلبت إرادته لمجرد قتل منافس، أو إن آلاف الشياطين التي قتلها من قبل قد عرضته لخطر أكبر كما ظن بن، لكن تكرار الأمر لم يكن مخاطرة بمقدورهم تحملها.
وإذا انتهى به المطاف مروضاً من جديد فلن يضمن أحد توقفه مرة ثانية، وحتى لو بدت شياطين المرتبة الأولى غير ضارة بالنسبة إليه، فشياطين المرتبة الثانية شكلت خطراً ماثلاً وداهماً. وحتى لو أمن جانب المساعدة في القضاء على الحثالة، فعند حلول الموجة التالية وجلبها الشياطين المستيقظة، لن يملك خياراً سوى التنحي جانباً. حقيقة كادت تمثل حكماً بالإعدام على الرجل. لقد صابر باستمرار في وجه الصدمات التي تركتها الحرب في نفسه لامتلاكه القوة وإيمانه بصوابها، لكن كل ما سعى لأجله بات هباء منثوراً.
تحولت المهارة التي رفعته فوق سائر البشر إلى سم أزعج عطاءه وخلّفت شعوراً بالعجز ينهش قلبه بالقدر نفسه من الندم والخزي اللذين غمرتاه جراء ما جرى حين فقد السيطرة على جسده وروحه.
تابع فواست بضحكة جوفاء: "وكيف يُفترض بي أصلاً مواجهتهم؟ هؤلاء الناس الذين كُلفت بحمايتهم، لا أعرف حتى عدد من قتلتهم. أتجرأ على سؤالك يا قارئ العقول، كم عدد الوفيات الواقعة على عاتقي؟ وكم من أرواح مُنعت حتى من الراحة لارتباطها بروحي؟"
"ليست أي من وفياتهم على عاتقك يا فواست. لم يكن بمقدورك معرفة إمكانية حدوث ذلك، ولا حتى أي شخص آخر."
"لا يخولك أحد قول ذلك. جسدي ومهارته وكل ما كرست حياتي لأجله استُخدم لقتل أبرياء، وتظنني لا أستحق أي لوم؟ كيف بلغت هذه الجرأة بي؟ كلا. أشكرك على قدومك لزيارتي يا بن، لكن أرجوك، ارحل."
لم يتحرك بن ولم يحاول الآخر إجباره، بل سرّه تجاهله ليغرق في بؤسه رغم حرمانه من خيار سوى الاستماع.
"فواست، أتدرك كيف انتهت الموجة الأولى مبكراً؟"
"أمر يتعلق بقتل الأرواح على يد مؤامرة من ذوي النفوذ؟ أهذا ما ترمي إليه إذن؟ الإشارة إلى وقوع أمور فظيعة وارتكابها خلال الحروب لأنني آسف، ليست حجة مقنعة."
"كلا، ما أفعله هو التعاطف. مؤامرة لقتل حفنة من الأرواح سعياً وراء القوة؟ لربما كانوا مسؤولين عن ذلك تماماً لو سارت الأمور وفق ما نوى مرتكبوها، لكن هذا لم يحدث. حسناً، بحلول الوقت الذي تعثرت فيه الأمور، أنا واثق من هلاك ما يفوق القلائل جراء ما تعرضوا له، ولكن القاتل الحقيقي؟ الشخص الذي تلطخت يداه بمئات من وفياتهم هو أنا."
"ماذا؟"
أوضح بن ويداه تقبضان بقوة والمشاعر تتسرب إلى صموته رغماً عنه: "بُنيت آلة، تعمل بمانا الأحياء المكونة من مئات الأرواح لكبح بوابة، وأُرسلت أنا ومعلمي للمساعدة في صيانتها. ثم دُمِّرت. رأى منافس شيطاني آخر، أُرسل على ما يبدو ليعمل كمراقب على ما أظن، ما يجري فدمرها قبل أن يمنعه أحد، ومع حلول الفوضى على ما لعله كان أهدأ ساحات القتال في الكوكب، فعلت ما بوسعي للمساعدة. عثرت على مصدر الطاقة سليماً رغم الهجوم عليه، وتمكنت من تسخير تلك الطاقة لنفسي. الأمور التي فعلتها بها... التبذير كلمة لا تفي بوصف طريقة إنفاقي لها دون رؤية الثمن، وبإمكاني نسج مليون عذر لنفسي. لقد أثر الوصول إلى ذلك المستوى من القوة عميقاً على عقلي حينها ودون أدنى دراية مني بأن الأرواح كانت مصدر الطاقة، لكن في نهاية المطاف، تلك مجرد أقوال رددها آخرون محاولةً لتخفيف شعوري بالذنب. الحقيقة البسيطة هي أنني لو لم أتدخل، فحتى لو لم تنته الموجة هكذا، لما ماتوا."
"...إذن كيف عشت بكل ذلك؟"
أجاب بن الآخر مرتدياً هذه المرة ابتسامة فارغة: "أخبرتك من قبل، لا أملك أي آليات تأقلم سليمة. أنا ببساطة أتجاهل الأمر، أو هكذا آمل قدر المستطاع. أعمل أو أقضي وقتي مع الناس أو أعالج مليون مشكلة مختلفة لتجنب التعامل مع ذلك وغيره الكثير. لست هنا لمنحك أي نصيحة سليمة يا فواست، بل لأخبرك بهذا. مهما بلغ شعورك بالذنب، إن عجزت عن مسامحة نفسك، فلا بأس، لا أحد يستطيع إجبارك لكن عليك إيجاد طريقة للتعامل معه."
"كيف لي أن أفعل ذلك حقاً؟ أسمع ما تقول يا بن، لكنني فقدت غايتي."
"إذن سأمنحك غاية أخرى."
نهض وهو يقول ذلك، وفتح الباب ليدخل الاثنين، حيث انتظر أبيل ومعه آخر لم يلتقِ به بن سوى ذلك اليوم، وخاطب الغريب فور دخولهما.
"ادعه."
أومئا استجابة للطلب وأديا دورهما هناك، فرمقه فواست بنظرة حائرة حين تردد إشعار جديد في رأسه ليدعوه إلى زمرة المغامرين تلك.
"أنا بالتأكيد لا أستساوي إهدار وقتك علي هكذا."
أخبره بن: "أنت في المرتبة الثالثة، ولن يكون ذلك إهداراً. وأملك ما يكفي من المهام لمنع هذا الأمر من تشكيل مصدر قلق لي. لا تملك غاية مجدداً لعجزك عن الدفاع عن العالم؟ حسناً إذن، اشفه."
"اشفِ؟ انتظر، لا تقصد أنك-"
"لاهمية كيف حدث الأمر يا فواست، لا تقتصر المسألة على اندماج سحر الحياة بتحولك، بل صرت الآن منافساً لسحر النور في عالم يستميت طلباً لمزيد من المعالجين الأقوياء عموماً وتلك القوة بين يديك لتستخدمها. أتعجز عن قتل أي شياطين أخرى؟ وماذا في ذلك، انقذ القادرين عليها."
"أتطلب مني حقاً التحول إلى ساحر نور؟"
"كن ما شئت، أنا أخبرك فحسب بما أراه الخيار الأفضل المتاح لك. لم تمت بعد ولا يزال بإمكانك فعل الكثير من الخير في العالم وإن لم يكن ذلك، فابحث عن أي شيء آخر. إن منح حياتك غاية كافية لتتجاهل ما حدث فلا عبرة بما تختاره في النهاية، عليك فقط اختيار شيء ما."
تمتم لنفسه: "...منافس لسحر النور."
وأمعن التفكير قليلاً في الخيار بينما قبل طلب زمرة المغامرين، ولدى رؤية ذلك، سمح لبن باختيار مهنته الخاصة، ودون خيارات جديدة لنفسه صار الأمر يسيراً إذ تمثل جل ما عليه فعله في مساعدة فواست على إتمام مهمته. مُحَقِّق ساقط.
<اكسبت مهنة: محقق ساقط المستوى صفر> <منحت مكافآت كبرى لتحسين الحيوية، ومعدل استعادة الحيوية، والذكاء> <ستحصل جميع مهارات التحقيق والمهارات المجدفة على مكافأة نمو كبرى> <ارتفع مستوى الوصول إلى النطاق> <بلغ الحد الأقصى لمستوى مهنة المحقق الساقط>
ما إن تناولها حتى انتهى الأمر. كانت الأفعال التي يمارسها على روح كووكس، فضلاً عما يدور في نطاقه، أكثر من كافية لإنجاز حتى النسخة المتقدمة التي استغرقت الطبقة الثالثة إتمامها. رمقته آيبل بنظرة حادة جراء هذه السرعة الخاطفة. لقد حصدت فوائد الانضمام إلى الفريق، لكنها تذكرت بوضوح الأيام الطويلة التي استغرقتها مهنتها الخاصة. شكر بن المغامر وصرفه، ثم أخرج قلادتين جديدتين من خاتميه وناولهما إياهما.
قال لهما: "بلورات مهنة شخصية. يا فواست، بفضل المهارات التي تملكها، لن تتمكن من نيل مهام السحر الأبيض فحسب، بل ستتخطى خيارات الطبقة الأولى بسهولة أيضاً. أما أنت يا آيبل، فلست أدري حقاً كم من الوقت ستستغرقه مهامك القادمة، نظراً لأن العديد منها لا يبدو موجوداً إلا من أجلك. بل ويحتمل أن تكون إحداها من الطبقة الثالثة. على أي حال، إن كانت سرعة إنجازها عالية، فمن المفيد أن تقتني بلورة في متناول اليد. اعتبريها هدية من صديق فحسب".
هتفت بابتسامة مشرقة: "رائع، شكراً لك!".
أنستها الهدية الجوّ المفعم بالجدية الذي كان يخيم على المكان، وجعلت فواست يرمقه بنظرة تساؤل.
"ولماذا هي هنا بالضبط؟"
ردت آيبل نيابة عنه وكأن الأمر أبسط ما يكون: "هاه؟ لكي ترعى مؤخرتك البائسة، يا هذا"، مما زاد من حيرة فواست.
"لماذا؟"
هزت كتفيها قائلة: "لقد رعيتني كثيراً إلى أن اعتدت هذا المكان، أليس كذلك؟".
كان تقييمها لوقتهما القصير معاً أكثر إيجابية بكثير مما توقعه المتحول، وظهرت آثار المفاجأة جلية على وجهه إزاء إخفاقاته التي تصورها في هذا الجانب.
وأردفت: "حتى لو كنت منحرفاً عجوزاً ومزعجاً، فأنت رفيق. بوسعي على الأقل محاولة مساعدتك على استعادة وقوفك لفترة ريثما أنتهي من التعامل مع قاذورات أخرى".
"أنا... أووه".
"ماذا؟ هل أنت أفضل من صحبتي أو شيء من هذا القبيل؟"
أجابها وقد خنق صوته بعد الكلمة الأولى: "لا. لا. أعتقد أنني سأكون ممتناً لو كنت مستعدة للبقاء معي لفترة قصيرة فحسب".