سمح بن لثيرا بالتوقف للنوم والأكل لضع ساعات فقط قبل شروق الشمس، وما هي إلا فترة قصيرة حتى انطلقوا في طريقهم مجدداً، ليعاودوا السرعة بين السحب، ولا يهبطوا إلا عندما تحدث أبيل.
"أنتم تقتربون من موقع آخر. ربما على بعد أربع ساعات؟"
أربع ساعات ليست سيئة. كانوا يضيقون الخناق عليه ببطء ولكن بثبات، فالمتحول سريع لكنهم جميعاً أسرع بفضل تكفل ثيرا بالنقل، إذ كانت تحملهم أقرب إلى الأرض دون توقف، وكان الارتفاع المنخفض مجرد إجراء استقصائي بسيط لما رأى أبيل جديراً بالإشارة إليه. وبما أنها كانت بلدة هذه المرة، محددة رابع مستوطنة بدت لها خالية بجميع المقاييس حين تسابقت عبرها باستخدام إبداعاتها، لكنها ظلت تتطلب نظرة عابرة على الأقل بحثاً عن ناجين، حتى وإن كان عليهم فعل ما بوسعهم لإجراز سرعة.
فكل تأخير يعني أن شخصاً ما قد يموت في مكان ما في الأمام، لكن أي معلومات استخباراتية كان من الممكن جنيها من أي شخص لم يُقتل كانت ستكون لا تُقدر بثمن، حتى وإن اكتشف بن سريعاً وكالعادة أن الأمر لم يُكتب له. محلقاً فوق أسطح المنازل، مد روحه إلى أقصى مدى ممكن، على أمل العثور على شخص ما، أي شخص، لكن المكان بدا مجدداً خالياً ومقفرماً، تماماً كالبقية، وهي نتيجة جعلته يكز على أسنانه قبل أن يتحدث.
"لاشيء، لننتقل إلى التالي. إن كان فواست هنا قبل ساعات قليلة فقط فهذا يعني أننا أقرب، لذا يا ثيرا، أتعتقدين أن بإمكانك الإسرع أكثر؟"
"سيجعل ذلك من الصعب عليّ رد الفعل ويشكل ضغطاً أكبر على طاقتي السحرية، لكن نعم، أستطيع إن ساعدتني."
"فهمت."
سارع أثير تفكيره للتعويض عن زيادة السرعة وشعر بالتسارع الفوري وهو يبدأ بضغ طاقته السحرية في مخزنها، حيث وفر معدل تجدده هامشاً كافياً للمساعدة في تعويض ما تفقده أثناء تقدمهم، مما ساعدهم على إحراز المزيد والمزيد من التقدم مع مرور الوقت إلى أن ظهر شيئ ما في الأفق أخيراً، تاركاً حفرة غائرة في معدته. في مكان سبق له زيارته باختصار من قبل، كانت مدينة تلوح في الأفق. ليست مدينة رآها من تلك الزاوية قط، لكن عقله كان مثالياً وقادراً بسهولة على إعادة ترتيب المباني التي رآها من داخل حدودها ليخبره أنه كان داخل نطاقها في الماضي وليدعه يعلم تماماً ما تركه هناك.
بوابة، الشبكة التي يستخدمها الناس في جميع أنحاء العالم والشئ ذاته الذي سيمنح المتحول إمكانية الوصول إلى الكوكب بأسره. هل سيستخدمها أم سيشق طريقه بالقتل عبر المكان كما فعل في المرة الأخيرة؟ تساءل بن. إن كان يتم التحكم به بنشاط فلا بد أن هناك نوعاً من المدى بينه وبين أي شئ يتحكم به، مما يعني أنه لن يكون منطقياً السماح له بالمرور حين يؤدي ذلك إما إلى كسر التأثير أو خلق مساحة لزوال التأثير، ولكن ماذا لو كان الأمر أكثر سلبيّة؟
ماذا لو أعيد هيكلة عقله بطريقة ما ليجعله عبداً مطيعاً بدلاً من ترك أي شئ فعل هذا به بحاجة إلى توفير أوامر جديدة باستمرار؟ إن كان الأمر كذلك، فيمكنه الذهاب إلى أي مكان لتنفيذ الدور الذي مُنح له، ومن كل ما رأيناه، فهو مُجبر على القتل. اللعنة.
"أبيل، كم تبعد المسافة بيننا وبينه برأيك؟"
"بضع دقائق. نحن نلحق به."
"حسناً، امنحني دقيقة."
ميرياد ميرياد ميرياد! <ماذا أيضاً؟> لقد كدنا نلحق به، لكن فواست للتو بلغ مدينة بوابة ويلينوت. مهما كان ما يتعين عليك فعله لتحقيق ذلك، اغلق البوابة في أقرب وقت ممكن. الجحيم، اجعل أقرب ساحر تراب أو جليد أو حواجز يغلقها تماماً، لا يهمني ماذا تفعل. لا يمكننا السماح حتى لذبابَة بالمرور! <هذا سيستغرق وقتاً.> حسنناً، من الأفضل أن تبدأ العمل على ذلك بينما أبذل قصارى جهدي لتسوية الأمور على الجانب الآخر!
"حسناً أيها الجميع، سنبذل قصارى جهدنا هنا لكننا سنضطر للعمل بسرعة، مما يعني توقع هبوط خشن. المجموعة الأولى، اتصلوا بنقابة المغامرين وأخبروهم بوجود طارئ في المدينة، وأطلعوهم على كل ما نعرفه في أسرع وقت ممكن. المجموعة الثانية، نفس الأمر لكن بالنسبة للحراس المحليين. المجموعات المتبقية، هذه مدينة بوابات، لذا ستكون مهمتكم هي منع أي شخص من الدخول والخروج حتى ينتهي الملوك من ترتيب إغلاقها أو جلب شخص آخر للمساعدة، وعليكم أن تتذكروا، يمكن أن يبدو كأي شئ. شخص، أليف، حشرة، لا يمكنكم السماح لأي شئ بالمرور. إن أثار أي شخص أي مشاكل معكم، فأخبروهم أنكم تعملون بتوجيهات من رسول ميرياد وكذلك اثنين من الرتبة الثالثة. افعلوا كل ما يتطلبه الأمر لإيصال خطورة هذا الموقف بينما أتولى أنا وأبيل التعامل مع الوضع."
"إذن أنا على البوابة،"
سألته ثيرا.
"أنت كذلك. إن كنت تريدين تغطية البوابة بأكملها بالحجر، فأنا أقول افعليها ولا تسمحي لأي شخص آخر بتحطيمها. حتى لو هرب منا هنا، لا أريد حصوله على وصول للشبكة."
مع وجود أبيل هناك، لم يكن يعتقد أنهم سيضيعون أثره لكنه لمريد المخاطرة. كان فواست هناك، ولا يحتاج سوى للعثور عليه، وحين توقفت ثيرا فجأة عند حافة المدينة، دفعهم التغير في الزخم جميعاً إلى الأمام لسرعته، لم يضيعوا وقتاً في القفز من مركبتهم والركض، شاعرين بأقدامهم تضرب الأرض تحتهم لبضع خطوات فقط قبل أن يواجهوا حاجة ماسة لتغيير خططهم بالكامل وهو يتصل بالمجموعة ليخبرهم بذلك، متباطئين في مواجهة من كان يمكنه رؤيته بالفعل في الأفق.
فواست، المتحول الحقيقي، لوح لهم بسعادة، وابتسامة عريضة على شفتيه من عبر الشارع وهو ينادي، بادياً خفيفاً وعفوياً وسعيداً جداً برؤيتهم وهو يتحدث.
"يا له من أمر، لم أكن أتوقع رؤيتكم مرة أخرى بهذه السرعة، أكنت كذلك؟ بن، ثيرا، أبيل، ما الذي أتى بكم إلى هنا؟"
مع تجمد العالم حوله بسبب السؤال، واجه بن مشكلة مختلفة تماماً. خطأ مبني على افتراض خاطئ. عندما مشى فواست، دخل نطاق بن، مبيناً له أن كل ما اعتقد أنه يتعين عليه التعامل معه كان خاطئاً.