كان الأمر نفسه في الموقع الخامس. اثار تحقيق فوست ظاهرة للعيان، متخذاً اشكالاً مختلفة لتحقيق غايته، لكنه طار في النهاية ما إن حصل على ما يحتاج اليه ليشرع في رحلته نحو الموقع التالي، تاركاً البقية في وضع مشابه بينما فتح كوين بوابات اضافية للعبور، واخذهم في طريقهم نحو ما يفترض أنه محطة وصوله الاخيرة المعروفة، تاركاً اصابع بن متشابكة بتفاؤل بينما بدأ المتعقبون بحثهم.
قال احدهم بينما بدا البقية موافقين: "وجدناه".
ثم تابع: "لقد كان هنا".
حسنًا، هذا شيء مفيد. يعني هذا انهم لن يضطروا للعودة أدراجهم على الاقل، ولا حاجة للبحث في اي مكان بين النقطتين عما اذا كان قد أُسقط في هيئته الجوية، أو الأسوأ من ذلك، حيث ربما انحرف عن مساره، لكنه ترك مشكلة مختلفة قائمة في الاتجاه ذاته ويتعين معالجتها قبل أي شيء اخر.
"ومن هنا، هل طار مجدداً؟"
"لا، ان كنا على صواب، فيبدو انه تابع سيراً على الأقدام."
لحسن الحظ. لحسن الحظ. حسنًا، نأمل ان يقرر الاستمرار هكذا طوال ما تبقى من الطريق، لكن لننطلق الان. اربعة منكم يتخذون المقدمة، وإذا طارئ ظهر، سيتولى البقية تغطيتكم. عنى هذا مسيراً عبر الغابة بلا سبيل لمعرفة المدة التي سيستغرقها، ليغدو أطول بسبب حجم مجموعتهم، لكن لم يكن امامهم خيار. وبينما استطاع فوست التحرك بأقصى سرعة تسمح بها ساقاه، كان عليهم الانتباه لبعضهم البعض اثناء تقدمهم، وحفظ وتيرة ثابتة، والاهم من ذلك، اخذ استراحات، مع اقتراب اليوم من نهايته معلناً عن توقف طويل.
مع التغطية المستمرة التي توفرها قمم الاشجار، لم تكن الغابة مضيئة يوماً، لكن كان جلياً تماماً ان الشمس بدأت بالغروب، ومع عدم اظهار المتعقبين اي مؤشر على توقفهم قريباً، أدى بن دوره كقائد، مقدراً ان الوقت قد حان للتوقف قبل ان يشتد الظلام.
نادَى ما ان بلغوا مساحة خالية بما يكفي لنصب الخيام: "حسنًا ايها الجميع، سنقيم مخيمنا هنا هذه الليلة".
ثم أردف: "تختار كل مجموعة عضوين منها للوقاية، على أن يتولى أحدهما النصف الاول من الليل والاخر النصف الثاني. استُثني المتعقّبون من ذلك نظراً لأهمية دورهم، ولكن عند الضرورة، فإن أي شخص سواهم ممن لا يقف حراسة اليوم سيكون في حراسة الغد. طاقاتي عالية لذا سأظل مستيقظاً طوال الليل. ان احتجتم لأي شيء، فقط أخبروني، ولكن ابدؤوا الان بترتيب ما يلزمكم من أمور".
مع وضع الخطة قيد التنفيذ، شرع الجميع في نصب خيامهم، وانجز بن نصب خيامه وخيمة ثيرا بسرعة قبل ان يسحب وجبتين من خاتميه، مناولاً اياها واحدة بينما كانت ترمقه بنظراتها.
سألت: "أنت لم تنم الليلة الماضية ايضاً، أليس كذلك؟"
"لا، لكنني بحس بحال جيدة. متعب جسدياً بعض الشيء لكن ليس عقلياً، لذا فإن تمديد ساقي سيكفي."
"مم، حسناً، لكن ان تغير ذلك، فالأجدر بك ايقاظي. سأكون أقل ثقة بكثير حيال سير الامور ان بدأت بالنغ في النوم بينما نبحث غداً."
"سأفعل، ولكن الان، ما رأيك؟"
تنهد بن وقال: "أظن ان أولئك الاربعة لم يذكروا شيئاً عما كان يتعقبه."
"ربما ثمة سبب وجيه لذلك. أُرسل فوست للقيام بالأمر لسبب محدد، ومهما كانت براعتهم، فسيكون هو أفضل بكثير، ومهما كانت الآثار التي تركها هذا الشيء، فستكون أقدم بكثير من آثاره بحلول هذه النقطة. قد لا يتبقى الكثير ليفتشوا عنه."
"مما يعني ايضاً أننا ما زلنا نجهل ما نورط أنفسنا فيه."
"اجل، تماماً كما بدأنا. مع ذلك، فحقيقة أننا وجدناه على الاطلاق مؤشر جيد، وحتى إن لم يكن بالكثير، فإن تتبع تعقبه يعني أساساً تتبع أي شيء كان يتعقبه هو ايضا. نأمل أن يتمكنوا، كلما اقتربنا، من رؤية شيء قد يمنحنا نوعاً من الدليل عما قد يكون مسؤولاً عن كل هذا."
سألت ثيرا وقد رأت آثار السحر التي تركت في المواقع الاخرى، تماماً مثله: "اجل، ماذا؟ شيطان مغطى بمخالب حادة وربما ساحر عظيم فوق كل ذلك؟"
"آمل شخصياً أن يكون ذلك متعلقاً أكثر بمن قُتل وهو يقاوم. وإن كان ساحرًا عظيماً... أف، فحينها سنقلق بشأن ذلك في وقته. أما الآن، فسيكون من الجميل افتراض أنه شيء يمكن التعامل معه بشكل أكبر."
أشارت ثيرا إلى أن: "الشيء القابل للتعامل معه بشكل أكبر لن يكون قادراً على فعل أي شيء بفوست."
"أرجوكِ لا تهاجميني بحقائقك ومنطقك، أنا أحاول الأمل هنا."
"هاه، إن لم يكن قد مات بعد فهذه أخبار سارة كفاية بالفعل. إلى جانب ذلك، أعتقد أنك تؤدي عملاً جيداً للغاية حتى الآن."
"أف، أمر آخر أكرهه. الآن بعد أن أصبحت مسؤولاً عنهم، إذا قُتل أي شخص بينما نحاول إنقاذ فوست، فهذا يقع على عاتقي."
"لا، إن كان هناك ما يُلام، فهو الملوك الذين دبروا الأمر. يا بن، كل من أتى إلى هنا لا بد أنه كان يعلم أنه سيكون خطيراً."
"ومع ذلك، ما زلت المغفل المسؤول."
أخبرته وهي تميل لتقبله على خده: "إذن سيكون علينا كلانا ببساطة بذل قصارى جهدنا. أما الآن، فسأخلد إلى النوم. إن بدا حقاً أنك ستووشك على الموت في منتصف الليل، فأسدِ لي معروفاً واصرخ بأعلى صوت يمكنك."
"وه، لا تقلقي، سأفعل."
منحته ابتسامة أخيرة قبل أن تختفي داخل الخيمة، تاركة إياه ليرسل جزءاً من نفسه إلى الأعلى ليزعج ملكه بينما تحرك جسده المادي إلى منتصف حيث نصب بقية افراد المجموعة ترتيبات نومهم لإشعال نار صغيرة، لكونها أفضل موقع للتواصل بمهارته لمسح البيئة بينما انضم بقية الحراس ببطء، متخذين مقاعدهم معه ليومئ لهم بأدب.
حاول التشجيع نظراً لدوره الحالي مع الاربعة رفقته: "عمل جيد هناك اليوم. القدرة على إلغاء كل هذه المسافة دفعة واحدة مؤشر جيد؛ نأمل ألا يكون المكان الذي استقر فيه أبعد بكثير من هنا."
تنهد خيوف، وهو شعور بدا أن الآخرين هناك يشاركونه إلى حد ما: "إن كان يريد أن يُعثر عليه."
أضاف ووش: "ليس بالمستوى الثالث الأكثر جدية، أليس كذلك؟ على الأقل حسب ما يبدو. هل تعتقدون حقاً أن لديه الكثير من الأطفال كما تقول الشائعات؟"
أضاف ثالث: "لا أشك في ذلك. لقد عملت مع أحدهم والتقيت بآخر. العالم ليس صغيراً لتكون هذه صدفة سهلة. تباً، لن أتفاجأ إن كنت قد صادفت المزيد في نقطة ما ولم يُذكر الأمر قط."
انضم الأخير قائلاً: "إنه في المستوى الثالث. لو كان ميتاً، لكنا عرفنا بالفعل، ولكن هل يمكن أصلاً محاصرة هذا الرجل؟ يجعلك تتساءل عما إذا كان لا يريد ببساطة أن يُعثر عليه."
قال بن بحزم: "لا. لقد التقيت به ويمكنني أن أقول بثقة إنكم جميعاً مخطئون. لن أنكر أن الرجل يحب الجنس ويستمتع بإنجاب الأطفال، فليقل ذلك عنه ما يشاء، لكن لديه شعور حقيقي بالواجب تجاه العالم، لقد كان يعمل بجهد قدر استطاعته ولن يهرب هكذا ببساطة. أما الآن، إن أردتم حقاً كره شخص من المستوى الثالث، فأوصي بالخالد، روك. الرجل نذل مطلق وسيققتلكم إن ظن أن ذلك سيمنحه فرصة لدخول سراويل أحدهم. بالإضافة إلى ذلك، ها نحن ذا بعد الموجة الثانية والرجل مفقود في الخدمة منذ أشهر حتى الآن. مجرد إنسان عديم الفائدة تماماً، يستحق صفراً من الاحترام."
رفض ذكر دوره الخاص في جعل ذلك الرجل مفقوداً، معتبراً إياه غير ذي بال إلى حد كبير بالنظر إلى أفعال الآخر الإجمالية، حتى وإن جلب له التعليق بعض النظرات، حيث تحدث ووش قائلًا: "إذن لقد التقيت بالكثيرين من المستوى الثالث؟"
"قليلين."
"وعندما قدمت نفسك، قلت إنك حامل العقل الخرافي. حتى أصحاب المستوى الثاني لا يقدمون أنفسهم بمهاراتهم. هل يجب أن نأخذ الأمر..."
قال، وهو لا يرغب في أن يُكتب الأمر بوضوح شديد، حتى وإن استطاع استشعار تغييره لانطباعاتهم عنه، ليصبحوا أكثر إعجاباً فوراً وهم يحاولون تقدير عمره ليجدوا أنه، حتى دون معرفة عرقه، بدا شاباً: "لا تهتموا بالأمر كثيراً، الشيء الوحيد الذي يهم هو العثور على فوست وعودتنا جميعاً إلى منازلنا سالمين بعد ذلك."
بدأ فوكس وكأنه يرى مشهوراً، وهو ما كان على بن افتراض أنه ليس كذلك تقنياً إلا لأن الكلام عنه لم ينتشر بعد في أنحاء العالم، على الأقل بالنسبة لذلك الإنجاز الخاص.
كان الأمر مفاجئاً بما يكفي للناس ليعلموا أنه رسول، لكنه الآن واحد من مجموعة تضم ثلاثة عشر فقط، وكل مصائرهم السماوية تحمل مستوى ضمنياً من الشهرة يرافقها بما يكفي لخلق رهبة حتى في المجموعة المحيطة به ممن تجاوزوا حدودهم بدرجة أقل ليصبحوا أصحاب مستوى ثانى: "أتمانع لو طرحنا عليك بعض الأسئلة؟"
"على الإطلاق. قد تكون هناك بعض الأشياء التي لا أستطيع قولها، لكن لا تترددوا في طرح الأسئلة."
لقد كانت طريقة مناسبة بما يكفي لتمضية الوقت بعد كل شيء وحتى إن كانوا سيعملون معاً لفترة قصيرة فقط، فلن يضر محاولة إظهار موقف يمكن الوصول إليه إلى حد ما، تاركاً الأمسية تمضي على هذا النحو حتى انتفضت المجموعة المحيطة به كفرد واحد، لتخبرهم حواسهم المصقولة من سنوات مغامرتهم بشيء وجده بن نفسه أيضاً. شيء ما كان قادماً، وبسرعات فائقة.