حرص بن أشد الحرص على مراقبة الجميع بعينين حادتين بينما كانت كوين تفتح بواباتها، متابعاً إياهم بحواسه المختلفة إضافة إلى رابط الاتصال الذي مدّه إلى أقصى مداه ليلتقط كل ما يفكرون فيه ويشعرون به، ووجد أنه يؤدي المهمة بشكل جيد حتى الآن. لم يشعر أي منهم بعداء سافر تجاه توليه القيادة، رغم أن الفضول كان يراود بعضهم حياله. ظهرت ومضات خاطفة من التعرف عليه من قبل اثنين سبق أن نسخ مهاراتهم في الماضي، لكن المشكلة الكبرى للجميع إجمالاً تلخصت في كونهم لا يعرفون من يكون، وهو أمر وجوه غريباً بالنظر إلى مكانتهم الرفيعة داخل النقابة، وتضاعفت غرابة الأمر حين استحضروا أهمية مهمتهم.
كانوا في طريقهم للبحث عن أحد عمالقة الفئة الثالثة في العالم، وهي مهمة لا تقارن بأخرى، فكيف لا تؤول قيادتهم إلى مغامر معروف وذو إنجازات أوسع صدى؟ ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الشكوك الطفيفة، حافظ الجميع على مهنية عالية. فحتى وإن افتقروا إلى ذلك الانضباط الصارم المفروض على أفراد الجيوش المختلفة في الكوكب، فقد كانوا أعضاء مقدرين في النقابة، وإذا كان الرتبتان الأولى والثانية ترتبطتان بامتلاك مهارات مستيقظة، فإن بلوغ الرتبة الثالثة تطلب قدراً أدنى من الاحترافية التي لم يسبق لبن أن شهد مثيلاً لها دائماً لدى من هم في الرتبة الرابعة أو أقل.
لقد جُلبوا جميعاً لمهمة محددة، ورغم خطر العصيان الكامن بينهم، طالما أنه شرح لهم جيداً سبب قيامهم بأمور معينة، فإكان بإمكانه الاعتماد عليهم ليتصرفوا بالشكل الملائم. بل إن بعضهم انضم إلى صفه بالفعل بعد مقدمته القصيرة. فرغم أنه لم يصرح بذلك علانية، إلا أن بعضهم استشف من لقبه أنه قد ينتمي إلى الفئة الثالثة، وإن كان فرداً لم يسمعوا به من قبل، كما أن توزيع المانا وأسوِرة الدعم على كل من لم يحصل عليها مسبقاً كان خطوة موفقة أيضاً، أظهرت فوراً قيمة ذلك التصرف مع تقدمهم.
لم يكونوا بالانسجام التام الذي تتميز به مجموعة متماسكة اعتادت السير بانتظام، لكنهم كانوا أسرع بما يكفي في الانتقال من بوابة إلى أخرى مع فتح ساحرة الفضاء لها، حتى وصلوا إلى الموقع الرابع في أقل من ثلاثين دقيقة بقليل، وهو توقيت أفضل بكثير مما توقع أي منهم في البداية، حتى وإن ترك ذلك معضلة المسافة المتبقية. كانت تلك المسافة تمتد بين المكان الحالي والموقع السادس الذي أُرسل فواست لتتبعه منه، وهناك فُقِد أثره دون أي معلومات إضافية سوى تلك؛
مما يعني أن عليهم قطع المسافة سيراً على الأقدام لكي يمنحوا المتتبعين أي بصيص أمل في العثور على شيء، ولم يكن الخيار المتاح سوى البدء من هناك.
قال: "حسناً، هذا هو آخر موقع مؤكد لمتشكل الهيئة الحقيقي فواست. ابذلوا قصارى جهدكم الآن للعثور على أي علامات تدل عليه، ولكن إن كانت لديكم أي أسئلة محددة عما تبحثون عنه، فتوجهوا إلى بيس نظراً لأنه الأكثر إلماماً بمن نبحث عنه بيننا. كل من لا يتخصص في التتبع، فليبق مكانه في الوقت الحالي. سيكون تتبع أثر متشكل هيئة أمراً بالغ الصعوبة بالفعل، ولست بحاجة إلى تعقيد الأمور أكثر بالنسبة لهم عبر إفساد بقية مسرح الأحداث بالتجول دون طائل إن لم يكن لديكم ما تقدمونه، مفهوم؟"
تلقى الموافقة عبر كلمات الموافقة والإيماءات بينما بدأ المتتبعون الأربعة في التحرك، مستطلعين المكان ومتبادلين أطراف الحديث بينما كان بن يراقب بدوره، مستعيناً بحواسه وعقول الآخرين لاستيعاب المشهد كاملاً، ومشاهداً آثار الدمار المخلفة وراءه. لم تكن هناك جثث ظاهرة تدل على وقت وقوع الحادثة، لكن البقاء لفترة طويلة في الغابات يكفل دائماً حدوث ذلك، إذ إن الجيفيين الذين رافقوا موجات النزوح لمئات الكواكب المختلفة لملء تلك الأراضي يضمنون دائماً وجود ما يلبي أذواقهم، ورغم ذلك ورغم عوامل التعرية التي محت الكثير، ظلت شواهد المعركة القائمة هناك ماثلة.
علامات حرق ناتجة عن السحر، أحجار مشكلة بطرق لا توجد في الطبيعة قط، أشجار محطمة، وعلامات ضربات تنطق بوجود أسلحة. وحتى لو كانت تلك الآثار تتآكل ببطء على مدار الأيام أو الأسابيع منذ وقوعها، فبالحكم على المساحة الإجمالية للدمار الذي شاهده، كان ذلك كافياً لتقدير أعداد المشاركين. يبدو العدد ما بين خمسين إلى مئة، وسيعتمد ذلك على مستوى المهارات، لكن المشكلة الأعظم تكمن في عجزي عن تحديد عدد من ينتمون إلى الحملة الاسترسالية التي أُرسلت إلى هنا مقارنة بعدد الشياطين التي كان عليهم مواجهتها، وإن كان هناك منافس واحد، فقد يكون فرداً وحيداً.
سأضطر لطلب توضيح لاحقاً... فيما عدا ذلك... لا ناجين من هنا أو من أي موقع آخر. أظن أنه لو وُجد ناجون، لكان كل مني ومن فواست قد تلقينا معلومات أكثر لنعمل بناءً عليها. يا للهول، بما أنني المسؤول، فأنا مسؤول عن حياة هؤلاء البشر، أليس كذلك؟ اللعنة، لست معجباً بهذا أبداً. كان واثقاً من أنهم أُسندوا لهذه المهمة لكونهم أقوياء وأكفاء بالقدر نفسه، لكنه ظل يرفض فكرة موت أي شخص تحت إمرته، وهو احتمال وارد جداً في ظل الشحيح من المعلومات التي يمتلكها.
لم يكن هناك ما ينبئ بما قد يسوء إذا عثروا على فواست، ولا طريقة لمعرفة التضحيات التي قد تتطلبها النجاة بعملاق الفئة الثالثة. وحين طاف بنظره حوله، مطلعاً في ذكرياتهم على الحياة التي تنتظرهم، هل كان بمقدوره وبضمير مرتاح التضحية بأي منهم لإنقاذ حياة واحدة؟ يُفترض أن الأمر يستحق العناء، وكان يعلم أن معظم الموجودين هناك يدركون ذلك أيضاً، لكن مجرد الفكرة تركت طعماً مراً في فمه تفاقم حين تقدم المتتبعون الأربعة نحوه، لتخبره تعابير وجوههم بالخبر الكافي.
سأل: "لا توجد حظ إذن؟"، فتقدم أحدهم ليجيب: "ليس تماماً. نعتقد أننا عثرنا عليه بناءً على بعض القرائن التي تشير إلى أن مخلوقاً كان يغير شكله، لكن المشكلة تكمن في الدليل الأخير. شيء قادر على الطيران، فإن كانت رحلته نحو الموقع التالي قد تمت عبر الأجواء فسيكون العثور عليه شبه مستحيل."
رائع. أمر رائع بحق.
قال محاولاً إخفاء خيبة أمله عن وجهه: "حسناً. هذا سيغير الأمور قليلاً إذن. كوين، ستأخذيننا إلى النقطة التالية حيث سيبدأ المتتبعون البحث من جديد، إن لم نجد أي علامات جديدة على فواست فسوف نعود لنقوم بحثّ دقيق للغابات الواقعة بين هنا وهناك، أما إن وجدنا شيئاً، فسندرك أنه يمكننا المتابعة وإما تتبع أثره، أو بافتراض أنه طار مجدداً، سنفعل الشيء نفسه مع الموقع السادس."
ونأمل ألا يطير مبتعداً من هناك أيضاً، لأنه إن فعل، فمن يدري أي اتجاه سيسلكه؟ أثارت الفكرة وحدها رغبته في فرك جبينه متسائلاً عن المدة التي قد يقضونها هناك في البحث إن كان قد طار مجدداً، لكنه شعور عام بالموافقة على الخطة تسلل من عقول الآخرين وكان ذلك كافياً بالنسبة له، وعلى أقل تقدير، فإن الاستغناء عن ضرورة السيْر بين المواقع سيقلل من الوقت الذي يقضونه في العراء إن كان فواست قد بلغ الموقع الأخير بالفعل، مما يعني أنهم بحاجة فقط لمعرفة المحطة التي استقر بها مطافها، ومع قيام ساحرة الفضاء بفتح بوابة جديدة، انطلقوا مستعدين لمواجهة ما يخبئه الموقع التالي.