قادته خريطته الذهنية إلى الوجهتين التاليتين بينما قاده أنفه إلى الأخيرة، ليثق فواست أخيرًا من إمساكه بأثر الرائحة لأي مسخ كان يعيث فسادًا في البعثات المرسلة لقتله بينما تفقد الموقع الرابع ليجده مطابقًا للمواقع الثلاثة الأخرى. آثار هجوم بكل الأنواع، سحرية وسلاحية، مما جعل الأمر جليًا بأن المجموعة التي عثرت عليه أخيرًا قد انقضت بعضها على بعض، نقطة أخرى تُضاف إلى السحر الأسود الذي سيطر عليها ككل موقع آخر شاهده لكنه لم يستطع التوقف عنده مطولًا.
كان امتلاك أثره يعادل رؤية الوحش نفسه، وبإخبار أنفه إياه بالاتجاه التالي لم يمتثل للانتظار، فتحول شكله إلى هيئة أكثر انسيابية بينما أجبر لحمه على الالتواء تحت تأثير قوته، ليتقلص بينما امتدت أطرافه قبل أن تنبت فيها ريشات حيث لم يكن هناك شيء من قبل، هيئة مكرسة للسرعة والبراعة لشق طريقه عبر تلك الغابات الكثيفة بينما ضرب جناحيه الجديدين وشعر بهما يدفعانه عبر الهواء، وشعر بأن نهاية مهمته باتت وشيكة تقريبًا.
هنا. بعدما تبدل من جديد وهو يعبر آخر موقعين، اتجه إلى الأراضي حين انقشعت الغابة الكثيفة، فتحولت الأشجار ببطء إلى مستنقع أخذ يشوش حواسه، لكنه ظل يعرف أنه عثر على ضالته. كانت المنطقة مشبعة برائحتها، رغم كل الروائح الأخرى التي نفذت إلى أنفه، من العفن والدم اللذين ملآ المكان. ولا شك أن الدم الأخير كان متصلا بالوحش المختبئ في الداخل، فصار علامة أخرى تساعده على تضييق نطاق البحث عن فريسته، فيما أخذ لحمه يتبدل وهو يتقدم إلى الداخل.
استمد من الوحوش التي كان يمسك بها ما يحتاج إليه، وأخذ درعه الذي يغطي جسده في الحسبان وهو يتغير. تساقط الفرو عن الأجزاء المكشوفة من لحمه، وتحول تركيزه من السرعة إلى اجتياز البيئة الجديدة. فأنشأ أطرافا أنسب للمرور في المياه الضحلة والطين الراكد تحتها، ولم يرد أن يثير شيئا يلفت الانتباه إليه، آملا أن يتسلل خفية وهو يضيق المنطقة الأخيرة شيئا فشيئا، لكنه فقد في النهاية ما بقي له من عنصر المفاجأة.
وسواء أدرك الوحش أنه شخص، أم ظن فريسة شاردة ضلت طريقها إلى عشه، لم يكن ذلك مهما. فذلك الشيطان، ككل الشياطين الأخرى، كان يملك قدرا من سحر الأرواح، وبما أنه هو نفسه حامل روح، فقد كان ذلك كافيا لكشف وجوده مهما اتخذ من احتياطات. لذلك لم يبق له إلا أن يقيم الوحش سريعا خلال الثواني التي سبقت هجومه. شبه مائي إذن. هذا منطقي بالنظر إلى المكان. استطاع أن يرى تراكيب شبيهة بالخياشيم على طول عنقه، إضافة إلى زعنفة صغيرة بارزة من ظهره، لكن موضع هجماته الأخرى وبقية هيئته أوضحا أن الوحش أنسب للعيش على اليابسة.
كان جسده انسيابيا وأطرافه قوية، بما يوحي بأن ذلك رباعي القوائم أميل إلى الركض من خوض الماء. وقد أظهر بعض تلك القوة حين اندفع نحوه بمخالبه الممدودة لتمزيقه، وبينما شعر فواست بها تتشقق وهو يدور، ترك درعه يتحمل معظم الضرر، فارتسمت ابتسامة على شفتيه. كان الشراء يستحق أكثر من ذلك بكثير. لم تسجل الضربة، التي كانت أضعف بكثير من ضربة آبل، في إحساسه حتى. أما المهاجم نفسه فظل يتلوى من الألم وهو يصرخ ويتراجع قافزا، ثم أخذ يحذر وهو يتفحصه، محاولا أن يقرر هل يشكل تهديدا، أم أن دفاعاته أقوى فحسب مما توقع.
لكنه لم ينل فرصة إصدار الحكم. وحين رآه يتوقف، لم يكترث فواست بإطالة الوقوف بدافع الفضول. كان سبب وجوده أمامه، وقد أدرك الوحش وجوده، فلم تعد هناك حاجة إلى التخفي. وفي وضعه الحالي، لم يكن حجمه أكبر من حجمه إلا قليلا، لكن قوته غيرت ذلك. ومن منظور الشيطان، خرج لحم جديد من العدم، ورأى صياده يتضاعف حجمه ثلاث مرات. وكان ذلك كافيا ليدرك أن ما تراه العين ليس كل شيء، إذ تمزق بين غرائزه وحاجته إلى النجاة.
كل ما فيه كان يطالبه بقتل المخلوق الذي عبر إلى نطاقه، وبأن يقاتله ويناضل من أجل القوة التي سيمنحه إياها النصر، لكن كل ذلك سيذهب سدى إن مات، فقاد هذا مصير خططه. لم يكن يعرف ما يكفي آنذاك، لكنه كان يستطيع تغيير ذلك. لم يكن يحتاج إلا إلى بعض المسافة ليهرب ويراقب، قبل أن يملأ لحم المخلوق معدته. ولتحقيق ذلك، استدعى مزيدا من أبناء جنسه ليشغلوا مهاجمه. فقفز عشرات الشياطين الجدد، بمختلف أشكالهم وأحجامهم، من الماء لإخافة مهاجمه وإبعاده، لكن فواست لم يطرف له جفن أمام التغير المفاجئ في الأعداد.
آه، ليس سحرا مظلما إذن. بل سحر الضوء. كانت كلها أوهاما، ولذلك تجاهلها بسهولة. ولئن أخبرته عيناه بأنها حقيقية، فإنه لم يكن قليل الخبرة إلى حد الوقوع في مثل هذه الحيلة، فيما كانت بقية حواسه توضح زيفها. لم يصدر الشيطان الذي استحضرها صوتا، ولم تفح منه رائحة، لكنه كان ماهرا بما يكفي ليطبق أوهامه على الماء أيضا، فيجعله يبدو كأنه يتناثر ويتموج مع وصولها، إلا أنه لم يستطع تحريك الهواء بطريقة توحي بمرور أجسام حقيقية فيه.
كان الأمر أوضح من أن يخفى على حواسه، لكن بالنسبة إلى جيش يطارده، صار واضحا لماذا كانت الأمور تنتهي دائما على ذلك النحو. فظهور سرب من الشياطين فجأة بين صفوفه كان كفيلا بإحداث الفوضى، ولم يكن يحتاج إلا إلى شخص واحد يرد بهجوم سيئ التخطيط حتى تبدأ سلسلة من ردود الأفعال. لم تتضح فورا تفاصيل الطريقة التي قاد بها كل مجموعة إلى مهاجمة الأخرى، لكن التفاصيل الدقيقة لم تعد مهمة في النهاية.
فقد رأى فواست الآن ما يستطيع تقديمه، فوجده ناقصا. لم يكن سوى وحش لا يملك إلا الحيل التي يعتمد عليها، لا قوة حقيقية. واستطاع أن يرى الذعر في عينيه وهو يتجاهل أوهامه ويمضي نحوه مباشرة من دون لحظة تردد. حاول الهرب، لكنه فشل. كان المتحول فوقه في لحظة، يضغط عليه بوزنه الأعظم، كما باءت محاولاته للقتال بالفشل. كانت مخالبه الأمامية قد نمت من جديد بفضل سحره الضوئي، لكنها لم تكن كافية.
أخذ يخمش فواست بيأس، فانكسرت أصابعه ومخالبه هذه المرة حين اصطدمت بالحاجز الذي يغطيه. وبقي أعزل، فيما أطل المتحول على فريسته وفتح فكيه، ثم عض عنقه وابتلعه، شاعرا بموته بينما راحت الإشعارات ترن في رأسه.
<اكتسبت مهارة سحر الضوء العالي المستوى 9> <اندمج سحر الضوء المستوى 6 مع سحر الحياة العالي> <اكتسبت مهارة سحر الأرواح المنخفض المستوى 9> <اندمج سحر الأرواح المنخفض المستوى 9 مع التحول الحقيقي> …
استمروا في تقدمهم، حيث اندمجت مهارات الشياطين مع مهاراته الخاصة، مما منحه مستويات متقطعة على طول الطريق، لكنه بالكاد كان يستطيع سماعها فوق صوت قلبه الذي كان يدق بعنف، حيث ارتفع النبض فقط بعد القتل، بينما كانت فكرة واحدة فقط تدور في ذهنه. سم. بالنظر إلى مدى مقاومته العالية بفضل طبيعة المخلوقات التي استغلها، فإن أي شيء يمكن أن يمر من خلاله كان ضئيلاً، لكن لم يكن لديه أي إجابة أخرى فورية حول ما قد يكون سبب التغيرات التي يشعر بها، حيث ارتفع معدل ضربات قلبه بينما شعر الدم وكأنه نار في عروقه، فقام بما يمكنه فعله، محاولاً تطهيره بالتعاويذ التي يمتلكها، مع نتائج محدودة.
شعر بأنه يتلاشى، ولم يعرف ما إذا كان الشيء الذي تناولته قد قتله أم لا، ولكنه لم يكن لديه أي خيارات أخرى للتعامل معه، لذلك فعل آخر شيء وهو التأكد من نمو أهداب ليستخدمها أثناء انغماسه في الماء الذي كان أمامه، بينما أصبح العالم أسودًا عندما فعل ذلك.