ما إن وقعوا في الأسر حتى شعرا بهم يحاولون الاتصال بملوكهم عبر الدعاء، لكنهم كانوا جميعاً في متناول تدنيسه، منعزلين تماماً عن العوالم السماوية فور وقعهم في قبضته. بدا ذلك جلياً وهم يكافحون مقاومين جذبه، بيد أن أياً منهم لم يمتلك القوة، وكل شذرة سحر حاولوا إطلاقها إما أُحبطت أو أُلغيت قبل أن تُتلى بدخول عقولهم لتشويش أفكارهم بينما يحاولون استخدام طاقاتهم السحرية، وكل ذلك أثناء قيادته لهم نحو الخلف، عابراً بهم عبر إحدى بواباته الصغرى نحو الشكل الجالس على الجانب الآخر.
تعوّد بن تجاهل زعيم نقابة المغامرين داخل الأبراج السحرية كلما عبر، وبدا الرجل أشد سعادة بقبول ذلك، غير أن رؤية اثني عشر شخصاً مقيدين ومقادين إلى مكتبه تجاوزت قدرته على لجم فضوله، وهي النتيجة ذاتها التي أرادها بن.
هتف: "هيا، عليك مرافقتي".
سألت: "أمواتٍ إلى القيود أصير أنا الأخرى؟".
رد: "لا، لا تكن أحمق. هؤلاء أظهروا بوضوح نيتهم في مضايقتي، لذا أعتزم اقتيادهم إلى أقرب قاعة للهيكل لنتعامل معهم".
سألت: "قاعة الهيكل؟ أهي مسألة دينية إذن؟".
أجاب: "إنهم يضايقون رسولاً، كيف لا تكون مسألة دينية؟ وإن استطعت أثناء طريقنا أن تجر بعض مغامريك معك تحسباً لأي طارئ، فافعل".
لم يتبدد خوف زعيم النقابة من قوة بن وسلطانه، وهب واقفاً فور أن قال له بن ذلك، مغادراً مكتبه ليرى المغامرين المتاحين، بينما تبعه بن وآبيل وديلير، جارين معهم مختلف الرول والكهنة الكبار. أظهر زعيم النقابة سرعة فائقة في عمله. فما إن همّوا بمغادرة النقابة حتى كان واقفاً إلى جانب بن، يقوده عبر الشوارع بينما وقف ستة مغامرين حراساً حول أسراه، وجذب المشهد بأسره أنظار المارة، ولم يزد اهتمامهم إلا اشتعالاً حين تعرّفوا على بن نفسه وهو يقود الموكب، ليخلقا صورة نقل أسرى وهما يشقّان طريقهما عبر طرقات شتى، ليستقرا في نهاية المطاف عند مبنى ضخم تقف خارجه حراسة من رجلين، وجذب وصول الجماعة انتباههما فوراً.
مع أن تفاعل بن الشخصي مع الهياكل كان محدوداً، مقتصراً تماماً على تلك اللحظة التي هاجمه فيها أوليل أول مرة في الشوارع قبل أن يوقظ صنعته، إلا أنه كان واعي بما يكفي لدورهم في العالم ليعرف أنهم من أراد رؤيتهم. ومع أنهم مجموعة تعمل بالتنسيق مع قوات الشرطة والجيش في أي أرض يحلّون بها، إلا أن دورهم الأساسي يتمثل في كونهم قوة دينية، تعمل جنباً إلى جنب مع الكنيسة المشتركة للمساعدة في حل النزاعات بين العقائد المختلفة، أو تعمل كامتداد للملوك أنفسهم لأي مشكلة تتطلب منظمة محايدة للتعامل معها، ومما ساءهم، قرر بن أنهم من سيجبرهم على التعامل مع مضايقيه.
همس بينما بدأ الحارسيران بالتقدم، إذ كفى منظر الأشخاص المقيدين وهم يُطاف بهم في الشوارع لطلب التحقيق: "آبيل، أتغبين في إسنادي هنا؟".
ردت هامسة: "أعطني المزيد من الدماء لاحقاً".
قال: "اتفقنا".
سأل أحد رجال الهيكل زعيم النقابة، الذي بذل جهده ليُبدو واثقاً من نفسه: "تونر، ما هي المشكلة بالتحديد هنا؟".
أجاب: "يدعي هذا الرسول تعرضه للمضايقة من هؤلاء؛ وقد أتى إلى هنا للحصول على المساعدة في معالجتها. وما أنا ومغامريّ إلا جئنا لنحاول ضمان بقاء الأمور هادئة على طول الطريق".
أخبره بن: "وسأحتاج إلى التحدث مع صاحب أعلى سلطة هنا. هذا أعلى قليلاً من مستواك".
حاول أحدهما إبداء الاحترام اللائق للقب: "أيها الرسول الموقر، ندرك وجود مشكلة تخصك، لكن إن تفضلت بمنحنا مزيداً من التوضيح، فسيسعدنا أن نجد لك العضو المناسب من رتبتنا للمساعدة في أي مشكلة قائمة".
قال بن وهو يخرج بطاقته مخفياً كل المعلومات عليها باستثناء لقب رسوله وواحدة من مهاراته: "عذراً، لكن حين قلت إنني أريد صاحب أعلى سلطة، كنت أعني ذلك تماماً. بصفتي حامل العقل الغريب، أرى أن طلب هذا القدر يقع تماماً ضمن سلطتي".
لم يكن أحدهما يدري ما يتوقعه من بطاقته، لكن رؤية مهارة من الفئة الثالثة أحدثت رد فعل طفيفاً لدى من بدا وكأنهما شخصان محترفان، مما جعلهما يلتفتان إلى بعضهما دون حاجة لكلمات قبل أن يهرول أحدهما سريعاً، تاركاً الآخر ليؤدي انحناءة خفيفة.
قال: "المعذرة، سنخرج لك شخصاً بأسرع ما يمكن".
أجاب: "شكراً لك".
استطاع الإحساس بعيون زعيم النقابة ترمقه، وبقي تونر يتساءل عما يمكن أن يكون مدوناً على بطاقة بن أبعد من لقب رسوله ليحصل على مثل هذا التفاعل الفوري، وظل الفضول يراوده حين خرج رجل طاعن في السن بسرعة، متحكماً بأنفاسه ليتفادى الوشاية بأنه ركض عبر المبنى ليصل إلى هناك، مطلباً تحيته: "معذرتي على التأخير. أتحب أن تُخاطب بصصفة رسول ميرايد أم بصفتي حامل العقل الغريب؟".
أجاب: "أفضل بن".
تابع: "بن إذن. ما هي المشكلة بالتحديد التي أودتك إلى هنا؟ سأحرص على تسويتها".
قال بن: "حسن اذن، اسمح لي بالاعتذار لأن هذه ستكون معقدة بعض الشيء. لست متأكداً إلى أي مدى أنت على دراية بي، أرى أنك والرجلين الواقفين في الخارج ترتدون أساور الطاقة والتعزيزات التي وفرتها كنيستي، لكنني لم أبلغ الفئة الثالثة إلا مؤخراً".
صدر صوت اختناق عن زعيم النقابة بجانبه، إذ لم يكن تونر مستعداً لمثل هذا الكشف عن بعد، وتلقى نظرات من الجميع بسببه قبل أن يمضي بن في كلامه: "على أي حال، ونتيجة ليقظتي، جاء من هم هنا ليخبروني بأن طريقة عيشي للحياة خاطئة وأنهم يرفضون مفارقتي حتى أغير طريقتي. ورغم ما أملكه من قوة، فقد أخذت ذلك على حقيقته، تهديداً، وأردت التعامل معهم بالشكل اللائق. ولدي هنا متدربتي الصغيرة التي لا أريد تعريضها لهذا النوع من المضايقة وطفل في البيت، وكل هذا يمكن تأكيده من قبل زميلتي من الفئة الثالثة، آبيل".
قالت وهي تستعرض بطاقتها، مسببة تفاعلاً أشد حين وجد المسؤول أنه لا يتعامل مع ملك صغير واحد بل مع اثنين، حتى وإن حافظ على سلوكه المهني: "نجل، بدا وكأنهما لقيطان عنيدان".
قال: "أرى ذلك، لكن—واعذرني إن كنت مخطئاً—يبدو الأمر مباشراً نوعاً ما، ونظراً لموقعيكم يمكننا أن نرى أنه سيتم معاقبتهم بالشكل المناسب، فهل كان هناك سبب خاص لرغبتك في رؤيتي؟".
أجاب: "نجل، وهنا حيث سيصبح الأمر معقداً بالنسبة لك. مضايقّي مصادفةً هم رسل ورعاة وكهنة كبار آخرون تتعارض عقائدهم مع عقيدتي".
تمتم رئيس الهيكل، ووجهه هادئ بينما كشفت أفكاره عن صداع مفاجئ: "...فهمت. في هذه العناية، أتستطيع شرح طبيعة مشكلتهم معك بمزيد من التفصيل؟".
قال مبقياً الأمر بسيطاً ومتغاضياً عن إحضار مهارته الثانية من الفئة الثالثة: "في جوهرها، يظنون أنني مخطئ في رغبتي في تقاضي أجر لقاء عملي وخدماتي، وهم لا يوافقون على الموقف الأكثر استرخاء الذي أقف به مع الملوك. ومع ذلك، لا شأن لهم بكل ذلك. تختلف آراء ملكي عن آرائهم لدرجة أن أولئك الذين يعبدونهم تذمروا من يقظتي وأتوا ليحاولوا فرض معتقداتهم علي، وباعتبار أن لدينا حرية دينية في هذا العالم لتقديم إيماننا ضمن حدود القانون، فهم من خرقوه بتهديدي، وأريد رؤيتهم يُعاقبون بالشكل الملائم لقاء ذلك".
صار عقل الهيكل المسن فوضى عارمة من أفكار الأوراق الرسمية والعمل الإضافي لمجرد حجم العناء الذي سيسببه التعامل مع هذا، مما جعل بن يشعر بالسوء قليلاً، حتى وإن لم يُظهر وجه الآخر ذلك وهو يجيب: "أنا متفهم. في هذه العناية، أرجو تركهم في رعايتنا للاستجواب للوصول إلى جذر هذا، وإن استطعت العودة غداً، فيمكننا مناقشة كيفية التعامل مع هذا".
وافق بن وهو يسلم السلسلة، ونظر إليها الهيكل باشمئزاز قبل تسليمها لمرؤوسه: "في هذه العनाية، أتطلع لسماع النتيجة حين أعود أنا وآبيل غداً".
وما إن تم ذلك حتى غادر، ناجحاً في تحقيق أحد أهدافهم، حتى وإن لم ينجم عن الأمر شيء في النهاية. فقد طاف بهم، أولئك الممثلين لمُلوكهم، عبر الشوارع، وحتى إن لم يتم التعرف عليهم جميعاً، فسيظل ذلك ضربة لكبريائهم وحتى لسمعاتهم إن تسرب الخبر. لكن، ألا أملك القدرة على نشر الخبر قليلاً، أليس كذلك؟ سأل نفسه قبل أن يجسد صوراً للمشهد، مرفقاً أسماء بكل شخصية مقيدة، إلى جانب مواقعهم في عقائدهم وألصقها جميعاً بمبانٍ مختلفة عبروا عنها وهم في طريق العودة.
هتفت آبيل بابتهاج تبدو في قمة جنونها: "هَه، كان ذلك ممتعاً حقاً! أوه، يجب أن نكرر ذلك!".
قال لها: "فقط إن أتى شخص آخر ليسبب لي المشاكل. أنا لا أسعى عمداً لجعل الناس يكرهونني".
سألت: "إذن ما سر الصور التي تعلّقها في كل مكان؟".
أجاب: "أضمن أن يفكر الآخرون مرتين قبل جعل أنفسهم في صف عداوتي في المستقبل".
ساعدته في تعليقها متسائلة: "لكن هناك ما لا أستطيع فهمه. لماذا قالوا إنك ملك شرير من قبل؟".
رد مبعثراً شعرها، ودون رغبة في الإفصاح عن تفاصيل تلك المهارة لها ولآبيل: "بعض الناس فظون بعض الشيء يا صغيرتي. لا تعيري الأمر اهتماماً".
وإما عن التداعيات السماوية لذلك... حسناً، أنا متأكد من أن ميرايد يتولى أمرها على أكمل وجه.
<تم ارتفاع مستوى الوصول إلى العالَم>