وقد أرسل أجزاء من ذاته إلى الملوك العشرين المسؤولين مباشرة عن تدبير هلاكه، وكانوا جميعا عالقين في قبضته على نحو يستحيل معه إفلاتهم، فأعاد بن تفعيل الربط فورا ليبدد أي مخاوف كانت لدى ثيرا، ثم أرسل جزءا من ذاته إلى ناحية أخرى من السماوات العليا، متجها لزيارة ملكه، بينما أطلق في العالم السفلي التجسيد الذي كان يخفيه عن مختلف الكهنة المقيمين هناك، فبدا مجرد حاج آخر جاء ليؤدي صلواته.
وربما كانت تلك اول مرة منذ زمن طويل، كما اقر، فقد رأى الكنيسة خالية من الزوار، كما اخبرته ذكريات القاطنين فيها كم كان ذلك المكان موحشا. وكان ذلك مفهوما. فحتى لو كان مكانا يفترض بالناس السفر إليه ليقدموا للملوك قدرا اكبر من الإيمان، فإنه كان أيضا نائيا، يتوسط غزو الكوكب، ومع ذلك، ورغم أنه لم يغتنم قط فرصة العودة لزيارته قبل ذلك، فقد كان الرجوع لطيفا. صحيح أن ظروفه كانت مروعة، لكن تلك الكنيسة كانت موطنه لما يقارب نصف عام، حين لم يكن لديه مكان آخر يذهب إليه، ورغم أنه شعر بأن اهل ذلك العالم وملوكه قد تخلوا عنه، فإن الجميع هناك عاملوه بلطف لا تشوبه شائبة، وعلموه عن الكوكب وكيف اختلف عن عالمه، وسايروا ما لا بد أنه بدا أسئلة غبية على نحو استثنائي، بينما كان يحاول فهم ذلك العالم.
لقد قبلوه واعتنوا به، ولم يستطع إنكار أن هناك من اشتاق إليهم. وقال في نفسه: يبدو أن الجميع ما زالوا هنا، ومعهم وجهان جديدان أيضا. ثم مد روحه ليتفقد المنطقة، لكنه لم يتعمق اكثر من ذلك. فإذا كان سيلتقي بعضهم، فإنه أراد أن يتحدث إليهم فعلا. لم يكن يريد أن يعرف كل شيء عنهم سلفا بمجرد تفتيش ذكرياتهم. وهكذا بدأ، يبحث عن اولهم وهي تعمل، فوجد المرأة الإلفية ترتب بعض الكتب التي اخرجت من مكتبة الكنيسة الصغيرة، وتقلب صفحاتها بين حين وآخر أثناء ذلك.
استوقفتها فقرة في احدها، فاستحوذت على انتباهها إلى حد أنها لم تلحظ وجوده، واقفا جانبا بينما تقرأ، حتى اكتفت، فأغلقت الكتاب ورفعت رأسها لترى بن، وما زال غطاؤه مرفوعا ووجهه مستورا، فانتفضت.
قالت وهي تضع يدها على صدرها وتطلق زفرة طويلة بعد تلك المفاجأة: "لقد فاجأتني. هل تهت؟ اعرف أن هذا المكان قد يبدو متاهة صغيرة لمن لم يعتد عليه. أستطيع أن اقودك إلى القاعة الرئيسية إن كنت قد أخطأت الطريق."
ظنت أنه مجرد واحد من الزوار النادرين الذين ما زالوا يأتون ليقدموا إيمانهم، لكن بن هز رأسه، وسحب غطاءه إلى الخلف وهو يتكلم.
ابتسم وقال، بعدما رأى الدهشة تعبر وجهها قبل أن تبتسم بدورها: "لا، جئت فقط لزيارة بعض الأصدقاء القدامى. مرحبا يا ليهي، لقد مضى وقت طويل."
بعد التحية الأولى، جذبت ليهي، الكاهنة الإلفية التي تولت رعايته حين وصل أول مرة وحين تركوه خلفهم، وساقته لترى به العضو الآخر في تلك الكنيسة الذي لا بد أنه كان أشدهم رغبة في رؤيته، العملاق أحادي العين الزاحف، الأب يان. وبينما كانا يشقان طريقهما إلى مكتبه، ظلت تتحدث بلا توقف. أو بالأحرى، ظلت ليهي تتحدث بلا توقف، بينما كان بن يصغي إليها، بالكاد يجد فرصة لينطق بكلمة.
لم يبد الأمر كأن لديها ما تقوله بقدر ما بدا أن ظهوره من جديد قد أربكها، فتركت أفكارها عاجزة عن الانتظام. كان يريد أن يقرأ عقلها ليرى إن كان وراء ذلك معنى أعمق، لكنها صديقة لم يرها منذ أعوام، ولم يتبادلا خلالها إلا الرسائل. أراد أن يتحدث إليها، لا أن يشق طريقه في عقلها بحثا عن أجوبة. لكن حين بلغا وجهتهما، لم تكلف نفسها عناء طرق الباب. دخلت وسحبت معها انتباه رئيسها، وبدا الرجل على وشك إبداء ملاحظاته بشأن هذا الدخول الفظ حتى لمح بن إلى جانبها، فنهض من مكانه.
"بن، لقد عدت"، قالها بنبرة ودودة وهو ينهض ويمسك كتفي الآخر برفق، ثم نظر إليه.
"تبدو بخير، قياسا إلى كل ما حدث. تعال، اجلس."
"وأنتما تبدوان بخير أيضا. أنتما الاثنان. آسف لأن نهاية العالم هي التي جعلتني أجد وقتا لزيارتكما، لكنني أبقيتكما على اطلاع في الغالب. كانت الحياة مشغولة."
تبادلا نظرة قصيرة حين قال ذلك، لكنهما لم يتبادلا كلمة. بدلا من ذلك، اتجهت كل العيون إليه، وخلفها ضغط غريب لم يستطع تحديده.
قالت له ليهي: "سرني أن أسمع أنك بخير يا بن. يبدو أن حياتك كانت... مليئة بالمغامرات."
وأضاف يان: "لكن إن كان ما في الخارج قد أثقل عليك، فما زلت متمسكا بما قلته لك حين رحلت. لك مكان هنا دائما. لم لا تعود؟ نحن بأمان كاف هنا. يمكنك أن تنسى كل المتاعب التي خلفها العالم وراءك."
وتدخلت ليهي قائلة: "نحن نريدك بخير فحسب"، وبدا كأنها تتوسل إليه، فبذل بن أقصى ما يستطيع للسيطرة على تعابير وجهه.
حسنا، بدأ الأمر يصبح غريبا حقا. هل حدث لهما شيء أثناء غيابي، أم... أم هل كانا على صلة بأي من الملوك الذين جعلتهم أعداء لي؟ لم يرد التفكير في الأمر، لكنهما، رغم كونهما كاهنين يكرسان نفسيهما لكل ملوك العالم، لم يكن ذلك يعني أن إيمانهما لن يتأثر إذا مد أحد الملوك في الأعالي يده إليهما فعلا. وبحسب ما قيل لهما، ربما كان تصرفهما جزءا من مؤامرة أو خطة أخرى، وإن كان لا بد أن تكون منفصلة عن الملوك الذين كان في خضم تحطيمهم.
لم تكشف له أفكارهما شيئا مقلقا بشأن ذلك، لكن إن كان هناك مزيد من المتلاعبين بحياته من وراء الظلال، فسيكون هذا هو الوقت المناسب لمعرفة أمرهم، كي يتعامل مع كل الجماعات التي قررت العمل ضد مصالحه دفعة واحدة. وبما أنني هنا على أي حال، فعلي حقا أن أتعرف الآن إلى طرق الوصول إلى جميع ملوك العالم، قبل أن أحتاج إلى تلك المعلومات من جديد في المستقبل. سأوفر على نفسي عناء السفر إذا احتجت إلى تلقين أحدهم درسا آخر.
أما هذان الاثنان... فهما صديقاه، مهما طال الزمن منذ آخر مرة رآهما فيها. لم يرد أن يصدق أنهما قد يدبران شيئا ضده، لكنه كان مضطرا إلى المعرفة. لذلك، رغم رغبته في الاستمتاع بالحديث من دون إفساده على نفسه بقراءة عقليهما، لم يستطع منع نفسه من البحث عن الإجابات في أفكارهما السطحية. وما وجده كان أسوأ على نحو ما من مخاوفه الأولى. كفاك مزاحا، قال لنفسه بينما واصلا الحديث، محاولين من دون ذرة من اللباقة أن يلقنا إياه فكرة أن عليه البقاء، فيما أخرج بطاقته بهدوء.
لم يخف شيئا، بل دفعها نحوهما فحسب. لاحظها يان أولا، بينما واصلت ليهي كلامها.
قالت له ليهي: "وفوق ذلك، حتى لو لم يكن إلا لفترة قصيرة، فأنا قلقة عليك يا بن. لا ينبغي لطفل مثلك أن يكابد كل هذا. إذا عدت إلى هنا، فدع الكبار يعتنون بك. لقد تحدثنا في الأمر بما يكفي. نحن نريد ذلك حقا. نحن..."
قطع رئيسها كلامها. أمسك يان بمؤخرة رأسها وأجبرها على النظر إلى حالة بن، التي كانت معروضة أمامهما بوضوح. وبعد أن تجاوزت شرودها الذي خلفته الحركة العنيفة، ركزت عيناها بما يكفي لقراءة ما هو مكتوب، بينما أخذ يان يقلب المعلومات أمامهما. ثم ترك ذلك كاهنته السابقة تصرخ.
"ما هذا بحق الجحيم!"
"ليهي، أرجوك. أنا مجرد طفل، كما تعلمين"، داعبها.
"لا ينبغي للكبار أن يتفوهوا بهذا الكلام أمامي. ناهيك عن كاهنة."
"لا، ماذا؟ ماذا؟ لا. بن، أنت..."
قال لهما بن، بعدما اكتشف الحقيقة الفظيعة والمحرجة بشأن ما افترضاه عنه: "لست مجنونا، وما زلت أعي الواقع تماما."
فعلى مر السنين، حرص بن على أن يرسل إليهما الرسائل ويطلعهما على أحوال حياته. وكان قد احتفظ بالكثير منها لنفسه، لأنه لم يرد لهما أن يقلقا بشأن بعض التجارب الأكثر إرهاقا التي مر بها، لكنه لم يتردد في مشاركة انتصاراته. أو على الأقل تلك التي ظن أنها ستكون أيسر تقبلا لدى كاهن من سلطاته أو مستويات تدنيسه. ومع كل ما شاركه من نمو، وكل مغامرة خاضها، سواء كانت مثيرة أو مرعبة، انحدرا إلى افتراض مختلف.
افترضا أن بن، بعد أن انتزع من عالمه القديم وترك وحيدا فيه، فقد صلته بالواقع، وأن كل ما مر به كان أكثر من أن يحتمله عقله الصغير، الذي اضطر إلى تدبر أمره بنفسه في ذلك العالم الغريب الجديد، حتى تحطم. وأن كل رسالة وصلت إليهما لم تكن سوى سجل لانزلاقه أكثر فأكثر في الجنون.
ثم أضاف: "وأنا مستاء قليلا لأنكما ظننتما أنني مجنون. كان بوسعكما المجيء للاطمئنان علي."
أخبره الأب يان، وهو لا يزال يحدق في البطاقة ويقرأ كل المعلومات التي تضمها بينما يقلبها: "لقد حاولنا فعل ذلك في الماضي، لكننا لم نعثر عليك في أي مكان من ستون وول."
"آه، حسنا. هذا منطقي بصراحة. اضطررت إلى القيام بكل أنواع الرحلات منذ غادرت هذا المكان. كنت مشغولا طوال الوقت، لذا لا بد أن المواعيد لم تتوافق."
كادت ليهي لا تسمع ما قاله، إذ كانت منهمكة في قراءة حالته هي الأخرى، قبل أن ترفع رأسها وتحدق في عينيه.
"هناك أشياء كثيرة هنا لم تخبرنا بها أيضا."
حاول ممازحتهما قائلا: "كانت النسخة المختصرة كافية لتجعلكما تظنان أنني جننت. تخيلا ما كنتما ستظنانه لو أنني لم أحذف أي تفاصيل. لكن... حسنا، جئت إلى هنا في الواقع لأن حالة طارئة أخرى أرسلتني إلى هذا المكان، ولا أستطيع البقاء طويلا. لكنني أردت أن أتحدث إليكما قليلا ما دمت هنا على أي حال. لذلك، ومن دون أن أخفي شيئا، سأخبركما الآن كيف كانت حياتي منذ آخر مرة التقينا فيها."
لم يكن الأمر سريعا. ظل كلاهما يطرح عليه الأسئلة طوال الوقت، لكنه أخبرهما في النهاية بكل شيء. كان بن قد كتم شيئا عن أول شخصين اقترب منهما في ذلك العالم الجديد. حكى لهما عن انتصاراته ومحنه، وعن المهارات التي اكتسبها والتي طورها، وكيف أن ما فعله لرفع مستواها جعل بعض ملوك العالم يقفون ضده، وأدى في النهاية إلى الانتقام الذي أتى به إلى هناك بعد كل ذلك الوقت.
قال بن، محاولا التخفيف من وقع الأمر ومتظاهرا بأنه يروي نكتة: "والآن، نتيجة لذلك، أنا أيضا في السماوات، ألقنهم درسا قاسيا."
لكنه لم يستطع أن ينظر في عينيهما وهو يقول ذلك. مهما مرت السنوات، كان يهتم بهما، لكنه لم يكن واثقا من أنهما سيحبان الرجل الذي صار إليه بعد معرفة كل ما فعله منذ مجيئه إلى ذلك العالم، خيرا وشرا. كان بن يعرف أن إقامته في ذلك الكوكب جعلته شخصا أسوأ. فعل أشياء لم يكن ليتخيلها في حياته السابقة على الأرض، ولم يشعر بشيء وهو يفعلها. لقد قتل أشخاصا من قبل، وحتى الآن كان لا يزال يفكر في ما إذا كان سيسمح لأي من الملوك الذين عملوا ضده بالبقاء على قيد الحياة بعد أن ينتهي منهم.
عذب وابتز وهدد أيضا. ومع أنه كان يعرف ذلك، فإنه لم يكن ليغير الكثير مما فعله لو أعيد إلى المواقف نفسها، لكنه لم يكن يريد أن يرى حكمهما عليه.
لذلك أشاح بنظره وكبت حاسته الغريبة قدر استطاعته، لكنه شعر بيد يان المغطاة بالحراشف تمتد نحوه وتمسك بيده، فيما قال له برفق: "لم تكن إقامتك في هذا العالم رحيمة بك."
اعترف بن: "كانت مزيجا من كل شيء. رغم كل السوء، لدي عمل أستمتع به، وثروة لا يملك مثلها أحد، وأشخاص أحبهم. لدي حبيبة رائعة، وقد تقبلتني عائلتها الكبيرة كلها حقا وأشعرتني بأنني مرحب بي. لدينا طفل رائع، ولدي تلميذ رائع أيضا. كونت صداقات، ورأيت أشياء كثيرة، و... رغم كل ما مررت به، أنا سعيد بوجودي هنا."
وأخيرا واجههما كما ينبغي. كان يان يبتسم له، بينما راحت ليهي تفرك عينيها. ومرة أخرى، متحايلا، تسلل إلى أفكارهما، فلم يجد فيهما أي حكم عليه. حتى لو كان قد صار أسوأ، وحتى لو فعل أشياء ستثير اشمئزاز كثيرين، فقد قبلتهما به، فهدأ ذلك قلبه أكثر مما توقع.
قال له يان: "جيد. إذن عليك أن تزورنا مرة أخرى في المستقبل، وأن تحضر بعض من تحبهم لتعرفنا إليهم."
وبخته ليهي: "وأسرع بالخروج من هنا. كيف تخبرنا أن لديك فتاة تحبها إلى هذا الحد، ثم تتركها تنتظر وهي تظن أن مكروها أصابك؟ نحن العجوزين نستطيع الانتظار يوما آخر."
مازح الإلف الخالد الجالس أمامه: "تعرفين، الآن وقد صرت قارئ أفكار، أستطيع أخيرا أن أعرف كم يبلغ عمرك حقا."
راقبها وهي تغطي رأسها بذراعيها، كأن ذلك سيمنعه من شيء، فضحك وتركها وشأنها قبل أن ينهض.
ثم قال: "لكن معك حق. شكرا لكما. سررت كثيرا برؤيتكما من جديد. وسأحرص على ألا أترك سنوات تمر قبل زيارتي القادمة إلى هنا."
ضحك يان وقال: "جيد. في هذه الحال، إلى أن نراك مجددا يا بن. عد سالما."
قال بن: "إلى المرة القادمة."