على الرغم من اختلاف التحديات التي فرضتها كل مهمة، بدأ بن بعمل آبل أولاً. بدا عمل الفتاة المطلوب أسهل هامشياً مما سيتطلبه فواست. جمعت نسخه المقلوبة كل المكونات المنفصلة التي صنعوها، ولم يبق سوى تجميعها. بدا شيء مثل النسيج المعدني مثالياً في البداية، لكنه لم يتلائم مع الطريقة التي تعرف بها حركة آبل. اتسمت طريقتها في تحوير شكلها بدرجة من السيولة تعجز الدروع التقليدية عن مضاهاة، فهي لا تقتصر على تحويل نفسها تماماً إلى ما يشبه السائل على الأقل، بل يمكنها فتح ثغرات في جسدها لتتخلى الهجمات عن مسارها وتمر دونه.
الجحيم، حتى لو بدا قطع أجزاء منها مجدياً، فستنتهي تلك الأجزاء مستخدمة لمهارتها من الفئة الثالثة لأنها ستحيلها ببساطة إلى وحوش أثناء القتال، وحتى لو كان ذلك خارج صلب الموضوع، فإن هذا يقيد حقاً الطرق التي قد يتعامل بها أي شخص معها. في الواقع، أكبر نقطة ضعف لاحظها في طريقة تغيير شكلها هي أن إحداث موت خلوي دون أن يكون نتيجة تقطيعها وتقطيع أجزائها بدا ممكناً، إذ أدت بعض سموم فواست وأحماضه التي بصقها عليها في نزالهما دورها، فقتلت لحمها وتركته يتساقط دون أن ينبعث مجدداً كمسخ جديد.
وهو ما يعني أن النار ستجدي نفعاً أيضاً على الأرجح لكن... ولكن حتى مع ذلك، لم تقترب من العجز التام جراء أي هجمة أصابتها. إما بفعل المهارات أو على المستوى البيولوجي، كانت مرنة أكثر من أن تهتم بهجمات بهذا الحجم. وهو ما يجعلني أتساءل حقاً عن جدوى صنع درع لها في المقام الأول، لكن لا بأس، ليس من شأني التشكيك في زبون. كانت محاولة صنع درع مسحور بحت خياراً وارداً، بحيث تلتوي سحر الحواجز وتتشوه لتتدفق من حولها قيد الاستخدام، لكن خبرته الشخصية مع عدد مؤسف من اللقاءات التي ألغت السحر جعلته متردداً في عدم إدراج نوع من خط الدفاع المادي لصد أي شيء آخر قد يخترق ذلك.
وبينما شرع في تجميع وسحر ما يمتلكه، وجد نفسه يتخلص من محاولات مختلفة مراراً وتكراراً، إما لنقص متباين في المرونة أو النطاق، مما يعني أن آبل إذا استخدمت أياً منها، فقد تجد نفسها تحاول التحول إلى شكل لا يتناسب وما صنعه، أو تمتلك شيئاً لا يواكب طرق تحولها. كلا، إن كان يصنع شيئاً لمتخفّي الأشكال، فما كان عليه فعله هو إعادة النظر فيما يعنيه الدرع من الأساس بينما تفحص كل ما يدرك قدرة آبل على فعله وكيف يرتبط ذلك بأفضل سبل حمايتها، مما دفعه إلى التخلي عن كل ما صنعه سابقاً ليتوجه عوضاً عن ذلك إلى مستودعه ومعاينة أندر مواد يمتلكها.
حسناً، لن أضطر لاستخدام طن منها وإذا لم تكن الفئات الثالثة جديرة بالاستثمار فيها، فمن يكون إذن؟ يبدو أنني سأخرج حجر الوقف أخيراً. المادة السحرية التي كانت بحد ذاتها حصينة ضد التلاعب السحر، كان يمتلك سبائك معدنية قليلة منها وكانت كنيسة ميرايد تنتج المزيد في تلك اللحظة، مما أرححه لإنفاق جزء بسيط فقط بينما كانت تسخن ببطء وتلين ليشتغل عليها، مطرقاً إياها لتصبح أنحف فأحفّ حتى بلغ الحد الأدنى مما يستطيع صنعه بمهارته العظيمة قبل الانتقال إلى آلة درفلة، ممرراً المعدن عبر مجارٍ مختلفة لعصره، ومحافظاً على توحده بينما نزل عبر الأحجام إلى أدنى نقطة ممكنة، منتهياً بخيوط من المعدن.
عاد إنشاء النسيج إلى القائمة مجدداً لكن مع إنجاز أصعب مادة للعمل بها، أصبح الأمر أسهل بكثير من تلك النقطة، مستطيعاً استخدام سحره للأوريشالكوم الذي سيُطبق تالياً بينما طليت الخيوط التي صنعها بالمعدن الجديد بسمك بضعة ميكرونات فقط، مطبقاً طبقة من المقاومة المادية فوق المقاومة السحرية التي أنشأها مسبقاً، ولم يحتج سوى طبقة أخيرة واحدة لتنتهي. لهذا الغرض، كان الميثريل هو الخيار، مضافاً بطبقة أنحف حتى عبر تلاعبة بالمواد ومنتهياً بأسلاك تضاهي شعرة بشرية، ولم تتطلب سوى التشغيل بينما قُطعت أطوال مختلفة قبل أن يبدأ بحياكتها، منجزاً أقطاعاً مختلفة دفعة واحدة بسحره عبر الإمساك بالطبقات الخارجية التي يملك القدرة على التلاعب بها، حتى وإن شعر بأن النوى المضادة للمانا تقاوم لمسته.
بمنتج نهائي لم يبدو سوى صفائح شبكية معدنية لامعة، ولم يتطلب سوى لمسات معدودة ليكتمل أولها إضافة البلورات التي ستمكن تصميمه، مرصعاً جانباً واحداً ببلورات مانا بيضاء للتعاويذ التي ستُفرش لاحقاً، واللتان استحوذتا على ذهنه لتعاويذ متطابقة تماماً في جوهرها. كان الاثنان حاجزين مرنين، والفرق الوحيد تمثل في طريقتي تنشيطهما وموضع تنشيطهما، إذ يشبع أحدهما المادة ذاتها لتعزيزها أكثر، ممزوجاً بجميع المهارات ذات الصلة ومقاوماته لتتزامن معه، بينما يحوم الآخر على بعد نصف سنتيمتر تقريباً فوقه فور تنشيطه لغرض وحيد يتمثل في توفير الحماية لما توقعه كائناً في تلك الفضاء الضيق.
بشرة آبل. تاركاً الأمر ليرى ما إذا كانت فكرته ستنجح حقاً بمجرد اكتمالها، محتاجاً الفتاة المعنية لاختباره لكنه أرجأ الأمر لبرهة. كانت النسخة المقلوبة التي يعمل من خلالها لتوجيهها في أعمال الخشب تتيح له رؤية حماسها الواضح لتلك المهارة الخاصة، وبما أنه جعل توسيع آفاقها مشروعاً شخصياً صغيراً أثناء وجودها، فلم يرغب في كسر تركيزها حين بدا جلياً أنها كانت تلهو حقاً بها.
وهو ما انتهى باستغراق وقت أطول مما توقع. بدا أنه كلما اهتمت بموضوع ما فإنه يترسخ، وبقدر ما أراد إنجاز ذلك الاختبار، فقد ترك نفسه يعمل على مشاريع أخرى ريثما ينتظر، تاركاً ساعة تنقضي إلى أن انطلق إعلان اكتساب المهارة في رأسها حين انتهت من استخدام السكين التي أعطاها إياها لنحت سكين مختلفة. فوراً كانت تنظر إلى النسخة المقلوبة بجانبها طلباً للثناء والتشجيع، بادية في تلك اللحظة أشبه بجرو صغير مقارنة بشخص يزدهر في القتال والعنف، ومد يده ليعبث بشعرها مبتسماً وهو يفعل.
عمل رائع يا آبل. أنت تتقنين هذا حقاً. أود القول إنك تمتلكين موهبة في أعمال الخشب على الأرجح. بالطبع أفعل، أنا موهوبة في كل شيء. ابتسحت بينما نفخت صدرها. لا يوجد شيء صعب للغاية عليّ تعلمه! ها، حسن أنك تحافظين على هذا المزاج لأنك ستجربين الحدادة غداً أيضاً، لكن بالنسبة للآن، أتمنى أن أكون قد أنتهيت من درعك لذا توجهي إلى حقيقي كي نتمكن من اختباره. أجاهز هو؟ قفزت مهرولة إلى جانبه بحماس تحول سريعاً إلى ارتباك وهي تتطلع إلى صفائح الشبكة الخفيفة في يديه، غير متفهمة لما يبدو فخوراً بشأنه بينما انضم الاثنان الآخران أيضاً.
أمم، شكراً؟ إذ لم ترغب في جرح مشاعره فوراً وتأملت وجود شيء لم تكن تراه فحسب، أخذت واحدة ولفتها برفق حول كتفيها، ممررة مانا عبرها لتنشيط التعاويذ التي وضعها ومعاينة الحواجز التي تشكلت قبل أن تفلتها وتتركها تسقط على الأرض، مبدية رأيها الصادق وهي تفعل. إذن، ألم يكن مفترضاً أنك بارع في هذا؟ ها، أحيطك علماً بأنني بارع جداً في هذا، بل صدفة أن هذا ليس درعاً عادياً. صُنع خصيصاً لك بأكبر قدر ممكن من الدقة، وكل ما يحتاج للتحقق هو إن كان بمقدورك استخدامه بمهارتك حقاً.
ماذا؟ إن كان يمكن استخدامه فبالطبع يمكنني ذلك لذا ارني كيف بالفعل! مهلاً الآن، أنا لا أشكك بك، بل أعني أن ما إذا كان قابلاً للاستخدام سيهبط على ما إذا كنت أفهم تماماً كيف يعمل الشكل الخبيث أجلك. تمتلكين سيطرة تامة على بنيتك الخلوية أساساً، أليس كذلك؟ أجل. بوسعك إعادة ترتيب شكل جسدك بحرية بالغة، وفتح ثغرات في نفسك وتنمية أو تحوير هياكل تمتلكينها مسبقاً لتلائم احتياجاتك؟
أجل، أنت تعرف كل ذلك مسبقاً. حسناً إذن. فإن كان الأمر كذلك يا آبل، هل تستطيعين غرس هذه لتستقر تماماً تحت سطح بشرتك ثم تنشيطها؟ أأستطيع... تلاشت كلماتها وهي تكرر، مفعلة ما طلبه بينما غاص الجانب المرصع ببلورات المانا في لحمها، ملتفاً حول إحدى ذراعيها وهي تفعل ذلك قبل تنشيط الحاجز الخارجي، خاطفاً أعين كل من تلميذه وفواست للتصميم وتاركا ابتسامة على وجه آبل تطابق ابتسامة بن نفسه.
طالما أنك تملكين السيطرة على تحريكها وتعديلها داخلك عندما تغيرين جسدك، فيفترض أن تكون هذه طبقة دفاع إضافية شبه مثالية. إن تمكنت أي هجمة من اختراق الحاجز فوق بشرتك، فعلى مقربة أسفلها، تمتلك الشبكة المعدنية طبقات إضافية للدفاع ضد الهجمات المادية والسحرية. لن أقول إنها مثالية، لقد بذلت قصارى جهدي لكن صنع درع لمتخفّي أشكال لم يكن بالسهل أبداً، ومع ذلك، ينبغي أن تمثل هذه طبقة حماية إضافية جدية لمعظم الأشياء، إن استطعت استخدامها بالطبع.
بدأ جسدها يتغير فور تلفظه بذلك، واهتز لحمها حتى لم تعد سوى كومة من الجلد والأسنان، وما زال الحاجز نشطاً ويتزحلق حولها بينما حولت شكلها أكثر، منهارة إلى بركة من الخلايا ومتحولة من هناك، مضيفة المزيد من أشواك الأسنان الحادة والعظام البارزة من كل الزوايا. كانت تلك الأخيرة أقل من مثالية، متطلبة تعطيل الحاجز الخارجي للسماح لتلك الملامح بالبروز من لحمها لكنها أبقت على الداخلية منها، تاركة إياها تطلق صرخات طفولية في النهاية وهي تهزه.
إنه مثالي وهذا أروع ما يكون! أنت بارع حقاً في عملك، أليس كذلك؟ لماذا تبدين متفاجئة؟ أبدوا متحمسة! أهذه القطع الأخرى لي أنا الأخرى؟ إنها كذلك. متأكد من أنها ستكون أصعب قليلاً لكي تسيطرين عليها لكن الفكرة كانت امتلاك شرائح متعددة يمكنك تحريكها داخل جسدك لتغطيتك من كل الزوايا و— قبل أن يتسنى له قول المزيد كانت تسحبها بالفعل من يديه، ممتصة كل قطعة في لحمها ومتركة إياها تستقر مباشرة تحت بشرتها بينما نشطتها جميعا، منتهية بمغطاة ومحمية تماماً بينما كانت تلوح بذراعيها حماسة قبل محاولة كبح ذلك قليلاً، مبدية غروراً تاماً بحلول النهاية.
والآن أصبحت أكثر مناعة! لابد أنه أمر محزن للغاية لكل شخص آخر ليس أنا! ها، حسن طالما أنك لا تموتين وأنت ترتدينها فهذا يعني أنني قمت بعملي جيداً. وهذا يعني أيضاً أنه لم يبق لدي سوى مهمة واحدة أخيره.