انفرغ فالك للتوّ من تسليم عصا جديدة لزبونه المفضّل، وعاد إلى الموقد ليبدأ صنع بعض المقالي لجاره، حين خطر بباله لقاؤه بالصبيّ قبل أسبوع. كان قد اختار له هدفاً، لم يكن شديد الصعوبة إلى حدّ يوشي بنواياه، لكنّه كان كافياً ليخيف الفتى ويدفعه إلى طلب العمل عند غيره. لن يكون معلّماً صالحاً، ولم يتبين قطّ لماذا اختاره الصبيّ أساساً. لم يبدُ أنّه جرّب المتاجر الأخرى حول المكان فرُفض، لكنّه لم يكن ليطال ما يملكه فالك من مهارات، فقد كان يحتفظ بها لنفسه دوماً، ولا مبرر لقصده إياه.
مع ذلك، بشريّ... ألا يفترض بإحدى الدول الكبرى أن تتولّى تدريبه؟ لمَ كان يبحث عن معلّم بمفرده؟ كبقيّة سكّان المدينة، كان فالك على دراية باستدعاء الأبطال الذي جرى في أنحاء عالمهم، ومع استدعاء البشر على مقربة شديدة من مدينته، فقد سمع عنهم بالطبع، بل إنّ بعضهم مرّ بهذه المدينة للوصول إلى أقرب بوابة تسافر بهم نحو معسكرات تدريبهم الجديدة. ورغم ذلك، كان الأجدر بالصبيّ أن يستسلم ويبحث عن مكان آخر مجهّز لاستقبال الطلاب، وكان الأجدر بفالك أن يتركّز على عمله الآن، فوحده السيّد يعلم كم لديه من أمور أخرى تقلقه سوى حال صبيّ واحد.
وحين قرر طي هذه الأفكار عديمة الفائدة، سمع باب متجره ينفتح. وحين التفت ليرى ما يبحث عنه هذا الزبون المرتقب، استقبله بن بدلاً من ذلك، كأنّ أفكاره السابقة قد استدعته.
"تبّاً لك أيّها الفتى، لقد قلت لك، لن أقبل بك إن لم تستطع صيد ذئب أموروك، فاغرب عن وجهي الآن".
طرده عائدًا إلى عمله. تجاهله بن، ومشى قبالة فالك مناولاً إياه صرّة.
"لهذا أنا هنا، فَرْوُ أموروك، طازج نوعاً ما وجاهز للدباغة".
أخذ فالك لحظة يتأمّل ما ناولوه إياه، ثم أمعن النظر في الصبيّ. لقد كان فرو أموروك جليّاً، فقد صاد بعضاً منه في أيامه، ولن يخطئه؛ والصبيّ نفسه كان حطاماً تامّاً وقد توقّف ليتأمّله، ملطّطاً بالتراب والدماء. لكنّه ظلّ عاجزاً عن تصديق أن الفتى تمكّن من ذلك حقّاً.
"لا شكّ أنه أموروك، أقرّ بذلك. لكن حالته قمامة حقّاً، والثقوب أكثر من أن تُحصى. هذا ناهيك عمّن أخبرك أن تحضره بنفسك، بلا مغامرين".
"لم تكن حالته جزءاً من الاتفاق، وقد أحضرته بنفسي".
"دع عنك هذا الهراء يا فتى، لا محالة أنك لم تستطع طعن الوحش كلّ تلك المرات والعودة إلى هنا بمفردك. بحقّ السيّد، لو كنت في مدى الطعن لاستطاع وحش كهذا أن يغرس أنيابه فيك بلا عناء".
شعر بن بشيء من الإهانة لأن كلّ عنائه الشاقّ كان يُقابل بالرفض هكذا، فوقف في وجه فالك شارحاً بكلّ تفصيل دقيق كيف أنجز الأمر، من البحث والصناعة والترتيب وصولاً إلى خداع الوحش أخيراً. استغرقه المخطّط أسبوعاً ليحسنه، ولم يكن مستعدّاً لرفضه مجرد تيسير لأمر صاحب المتجر.
"...لذا بعد أن مات، مكثت في الشجرة طوال ما تبقى من الليل لتجنب التعرض للقتل على يد أي شيء آخر يجوب الغابة، وعندما طلع الصباح استغرقت بعض الوقت لسلخه، ودفنت عظامه لأخذها لاحقاً، فضلاً عن إزالة الأشواك ودفن الحفرة. ثم عدت إلى هنا".
في لحظة ما، دفن فالك رأسه بين كفّيه. ما قاله الصبيّ كان ممكنًا. عادة عندما يخرج مغامر، يكون الهدف هو العمل على تحسين مهاراته بالقدر ذاته من إتمام مهامه أو جمع المواد الخام من الحيوانات، لذا لا تُستعمل الفخاخ غالباً. لكنّ الأمر قد ينجح، ولم يستطع إنكار ذلك.
"إذن".
بدأ بن، مقاطعاً أفكاره.
"أستفي بعهدك؟"
"عهدي؟"
"قلت إن استطعت قتل واحد فستقبلني. لقد قتلت واحداً، فمتى أبدأ؟"
أطلق فالك تنهيدة طويلة وممتعضة.
"أيّها الفتى اللعين، لن أكون معلّماً صالحاً، إن كنت تريد التعلم فعليك إيجاد مكان آخر".
"أنا وحدي من سيحكم على ذلك. متى أبدأ الآن".
إن عاد هذا مجدداً فسأقول لطالب المستقبل القادم أن يصطاد شيطاناً دموياً.
"حسناً، تبدأ غداً. يفتح المتجر مع بزوغ الفجر. لا تتأخّر".
"لن تندم يا سيد فالك! أراك بزوغ الصباح! "
أخبره بن مبتسماً قبل أن ينطلق جارياً.
"أجل أجل. واستحمّ قبل أن تأتي إلى هنا! لتعقبك الدم والتراب في متجري اللعين".
تمتم، مسحباً مكنسة ومشرعاً في ترتيب المكان قليلاً.
"هاااااااه؟"
"حسناً حسناً، أثبتَّ نفعك. سأقبلك سيّداً لي وأرمي إليك ببعض الصلوات."
ما إن خلد بن إلى النوم ليلاً حتى وجد نفسه مجدداً في ساحة ميرياد السماوية، وبدا وكأنه يكابد تململاً رغم خلوّه من وجه أو أطراف أو أي ملامح أخرى تُستخدم للتعبير عن المشاعر. أذعن بن فوراً لعلمه بما يرغبه، وكان عليه الاعتراف بأن وجود سيّد حوله لم يكن يخلو من فوائد. ما إن نطق بن بالكلمات حتى بدأ جسد ميرياد يتوهج بنور سماويّ. ككرة ديسكو مكعبة. هكذا فكر بن في صمت. رغم أن ميرياد سمِح له بسماع تلك الفكرة، فإنه لم يسمح لها بأن تحبطه.
كان هذا أول مؤمن له منذ ألف عام، ومجرد الاعتراف به لائقاً من قِبل فاني شعر كأنه أمر مذهل.
"عذراً لمقاطعة عرضك الضوئيّ الصغير، ولكن ماذا الآن؟"
"حسناً، بصفتك مؤمنيّ يمكنني أن أنعم عليك ببركاتي مبدئياً. ورغم أنها ستكون ضعيفة الآن، فإنها يجب أن تزداد قوة إذا نما قدري قليلاً. ويمكنني أيضاً أن أمنحك مهمة."
"بلا مهارة هدية؟"
"أحتاج أن تصلي لي بانتظام لفترة أطول قليلاً إن كنت سأفعل ذلك، فالمهارة تتطلب طاقة هائلة، ومع مقدار القوة التي أملكها الآن يجب أن تكون قريبة جداً من خصائصي كسيّد وخصائص عرقي."
"حسناً يبدو رائعاً، أي نوع ستكون؟"
"هناك خيارات عدة، لكن لا تقلق سأصنع ما يناسبك بأقصى طاقتي."
"حسناً سأترك الأمر بين يديك، وماذا تقصد بالمهمة؟"
"هممم، لا بد أن الكنيسة لم تكلف نفسها عناء شرح الأمر لظنهم أنه لا يعينك، لكن السادة يستطيعون تكليف الناس بمهام. وكلما زادت قوة السيّد، زادت قوة مكافأة المهمة. لا أستطيع حالياً فعل أي شيء عظيم للغاية، لكن النبأ السسرّ في كونك مؤمني الأول هو أنني يجب أن أكون قادراً على تكليفك بها بشكل متكرر أكثر مما يمكن لشخص عادي أن يأمله."
"آه رائع، إذن ما هي المكافأة؟"
أطلق ميرياد أنيناً خفيفاً.
"أترى في وسعك إخفاء جشعك لدقيقة وتسأل عما تكون المهمة أولاً؟ سأجعلك تنمي عقيدتي. إن جئتني بخسسة مؤمنين جدد فسأرفع مستوى مهنتك ست مرات."
بدت تلك مكافأة مقبولة مبدئياً، فبعد أشهره هنا لم يقم بالكثير من الصياغة، إذ إن مجرد بعض الطبخ والفك والتجارب الأخرى في الكنيسة لم ترفع سوى مستواه إلى الرابع عشر، وكان يأمل في الحصول على خيارات أكثر إثارة لأي شيء قد يأتي لاحقاً. لم تكن هناك سوى مشكلة واحدة صغيرة.
"لا توجد طريقة أستطيع بها إيجاد خمسة مؤمنين آخرين لك."
قالها بفظاظة.
"انتظر لا تكن متشائماً هكذا، الأمر ليس مستحيلاً!"
"سيّد مجهول بقوة ضئيلة وما يقدمه فوراً قليل، يبدو أمراً مستحيلاً تماماً بالنسبة لي."
"أورك..."
"ناهيك عن سبب لجوء أي شخص لتغيير عقيدته من سيّد يُفترض أنه قوي إلى سيّد ضعيف؟ ربما لو انفضحت إحدى إلهيات العالم وتبين أنها شريرة لاستطعنا اقتناص بعض أتباعهم، لكن الأمر يبدو الآن مستحيلاً فحسب."
"حسناً، إن أنجزت شيئاً مذهلاً، فقد يغري ذلك بعض الناس نحوي نتيجة لذلك."
"أنا، الصانع المبتدئ بمهارات من المستوى الأول كحد أقصى، أنجز شيئاً مذهلاً؟ هيا يا ميرياد، عليك التحلي بشيء من الواقعية."
على وقع واقع كلام بن القاسي، هوى ميرياد إلى الأرض مهزوماً، وتلاشى كل السرور والطاقة اللذين كان يشعر بهما لحصوله على مؤمن.
"هيا الآن، لا داعي للحزن هكذا، الظروف تقف ضدك فحسب. تحتاج إلى قوة لتنال قوة، وتحتاج إلى أتباع لنيل أتباع. إنه لأمر قاسٍ لكن لنبذل قصارى جهدنا."
رفع ميرياد بصره، وعاد إليه وميض من الأمل.
"إذن ستقبل المهمة؟"
"...هل هناك خيار آخر حرفياً؟"
"هذه أسهل مهمة يمكنني منحك إياها حالياً."
"هل هناك حد زمني؟ أي عقوبة على الإخفاق؟"
"كلا، لا حدود ولا عقوبات. العيب الوحيد هو أنني لا أستطيع منحك مهمة أخرى حتى تنجز هذه."
"حسناً، لا بأس بتجربة الأمر."
نهض مجددة، وتدفقت ألوان الطيف من شكله الفضيّ.
"أعلم أنك ستجد مخرجاً يا بن، أنا أؤمن بك. والآن وقت الاستيقاظ، فلن ترغب في التأخر."
مع ذلك شعر بن بعودته إلى وعيه، لكنه قبل حتى أن يفتح عينيه شعر بالعيلام يصرخ في رأسه.
<اكتسبت بركة ميرياد> <تلقيت مهمة: النمو الديني> <اكتسبت لقب: رسول ميرياد>
عذراً، ماذا عن ميرياد؟