وصل فالك إلى متجره متمنياً في صمته أن يستغرق الفتى في النوم أو لا يظهر كي يجد حجة لصرفه لكن دون جدوى. تمكن العفريت من الحضور قبل معلمه حتى وصار جَالساً خارج المتجر مسنداً ظهره إلى الباب. كل ما استطاع فعله هو إصدار أنين خفيف مجبراً على قبول ما وافق عليه. هيا انهض أولاً وقبل كل شيء قم بكنس المتجر وسنرى إلى أين نذهب من هناك. شرع بن في العمل على الفور منظفاً المتجر بحماس بينما لم يكن أمام فالك خيار سوى استغلال الدقائق القليلة التي يمتلكها للتركيز على أمر أشغل ذهنه طوال الليل وكيفية تدريب هذا الفتى.
لسوء حظه كان بن دقيقاً لكنه سريع وسريع للغاية. بدا المتجر جاهزاً للفتح ووقف أمام فالك ناظراً إليه باسترعاء. حسناً يا بني أظن أنه يتوجب عليك صنع شيء لي أولاً لنرى إلى أين سنأخذ الأمور من هناك. قاده إلى غرفة في الخلف تبدو مزيجاً من مخزن للمؤونة ومساحة عمل. تراكمت الدلاء وأدراج المواد في الأرجاء وتوسط المكان مكتب عُلق حوله عدد من الأدوات وإلى جواره رف صغير للكتب. تمثلت فكرة بن الأولى عند رؤية كل ذلك في أنه يبدو ممتعاً.
إنه مكان بلا شك يمكنه إفناء ساعات طوال فيه إن أُتيحت له الفرصة. لكنه واجه مشكلة صغيرة واحدة. ما المفترض بي صنعه؟ أي شيء تستطيع فعله الآن أريد فقط مراقبة طريقتك ومعرفة أين يمكنك التحسن في البداية ساعدني في جر المكتب إلى الخارج ما لم تكن تريد استخدام الكِير ثم التقط المؤونة التي تلزمك. ولكي أكون واضحاً أنا أسمح لك بالاستمداد من مخزوني اليوم فقط وفي المستقبل سيتعين عليك تأمين مؤونتك بنفسك.
بذل بن قصارى جهده للمساعدة في نقل المكتب الذي يعمل عليه اليتي إلى مقدمة المتجر قبل أن يعود ويلتفت مستطلعاً. وجدت هنا معادن ومواد من شتى الأنواع. رأى عظاماً وأسناناً وجلوداً لمخلوقات متنوعة وأخشاباً من شتى الأشجار ومواد ذات طبيعة عضوية واضحة عجز عن تخمين ماهيتها تماماً. ووجد أيضاً كمية غير معتادة من الأحجار بأنواعها المختلفة مرتبة جميعها في زاوية خلفية. تأمل الغرفة لدقيقة مستوعباً ما حوله ووضع قائمة ذهنية بما يستكشفه مستقبلاً بينما راح يحاول تبين ما سيصنعه.
بدت الخيارات أمامه محدودة. اعتبر نفسه أصلاً فناناً يعبث بشتى الفنون لكنه استبعد نجاح ذلك هنا. استطاع حياكة الفراء معاً لصنع رداء أو سترة لكن الأمر بدا غير ملائم أيضاً. لم يتضح له ما يفعله إلا حين عثر على سلك معدني فذكّره بمشروع غير مكتمل لم ينل فرصة إنجازه قط ممّا منحه فكرة جيدة عما ينبغي فعله. حمل المؤونة والأدوات التي يحتاجها إلى ورشة المقدمة وجلس إلى المكتب وبدأ العمل بينما وقف معلمه فوقه مراقباً أفعاله.
استغرق الأمر دقيقتين فقط ليقاطع فالك عمل بن. ماذا تفعل؟ كنت أنوي صنع درع حلقية وظننت أن أضيف إليها التخفي لأمنحها فائدة أكبر على الأقل. نعم أستطيع رؤية ذلك وقصدي بالأساس هو لمَ تفعل ذلك بهذه الطريقة الخاطئة؟ بدا فالك مرتبكاً بحق مما منع بن من الشعور بضيق شديد. لقد أتى إلى هنا ليتعلم وهذا ما سيفعله. ما الذي أخطئ فيه تحديداً هنا؟ يا للهلول من أين أبدأ حتى ستجعل كل ذلك السلك غير صالح للاستعمال إن استمررت على هذا المنوال ولا يبدو أنك تصنع شيئاً أصلاً.
فالك سأحتاج منك أن توضح لي أكثر من ذلك بقليل. أدرك فالك أنه لم يشرح نفسه بالشكل الكافي فأخذ ثانية لترتيب أفكاره وبدأ الحديث من جديد. تبدو وكأنك تحاول تضمين السحر في كل سلك مفرد. قد يكون ذلك ممكناً في مستوى أعلى لكنك تعجز عن فعل ذلك الآن لشيء بهذه الدقة فلن يثبت السحر وستجعل المادة غير صالحة للاستعمال. التقط السلك الذي استعمله بن وسحقه بين أصابعه. بدا وكأنه فقد مرونته تماماً مما أدى به إلى التكسر شظايا وغباراً.
ما يجب عليك فعله هو إضافة السحر ببطء إلى الشيء بأكمله أثناء العمل ناشراً السحر عبر القطعة بأسرها. بغض النظر عن هذا ألست على علم بكيفية استخدام حرفتك؟ لم يكن يعلم بذلك جلياً بناء على ما سُئل لكن كان عليه التأكد على أي حال. أليس الأمر مجرد وسيلة لتكوين فكرة أفضل عن كيفية تركيب الأشياء معاً إلى جانب جعلك أبراعاً في العملية؟ حسناً أنت لست مخطئاً لكنه مثل معظم المهارات الأخرى عليك استهلاك القليل من الطاقة للحصول على تأثيراتها الكاملة.
وبما أنك قادر على التضمين فينبغي أن تعرف كيف تفعل ذلك أليس كذلك؟ كان يعرف ذلك فقد استغرق الأمر قدراً لا بأس به من التجربة والخطأ في الكنيسة إلى جانب الكثير من الأسئلة الموجهة للكهنة لمعرفة الأمر لكنه حين ناله بدا مذهلاً. حسناً إذن استخدم الطاقة مع المهارة وحاول مجدداً. عاد إلى العمل فاعلًا ما أُمِر به وشعر بالفارق فوراً. استطاع الإحساس بها وهي تتدفق منه إلى الأسلاك جاعلة إياها أيسر مراناً ومطاوعة لما يريد ومحافظة على شكلها بصورة أفضل.
هذا دون اعتبار التحسينات التي طرأت على جسده. أحس بحركاته تتحسن مصدّرة أخطاء أقل تتطلب التصحيح. لم يستطع منع نفسه من التفكير في المدة التي استغرقها نحت كل تلك الأشواك سابقاً وفي الوقت الذي كان بإمكانه توفيره لكن لا فائدة من القلق بشأن ذلك الآن. مع نصيحة معلمه استغرق في المهمة فوراً مبذولاً كل انتباهه للمشروع القابع أمامه.
لم يدرِ كم من الوقت مرّ، ولكنه وجد نفسه يحمل طقماً كاملاً من الدروع الحلقيّة الموشاة بسحر التخفّي. كم كانت المهارات مذهلة. قضى وقتاً طويلاً ينحت القطعة التي صنعها في بيته سابقاً، محاولاً اقتطاع ساعات قليلة هنا وهناك كل يوم، وها هو الآن ينجز منتجاً مكتملاً دفعة واحدة. تنفّس الصعداء برضى فتمطّى والتفت ليرى فالك نائماً قرب مقعده. رأى أنه ليس من اللائق بالرجل أن ينام أثناء عمله، فقرر إخافته للمزاح.
هتف: "هيا يا فالك، ما رأيك!"
ممّا أيقظ الرجل فزِعاً. انتفض عن مقعده مذعوراً.
"تبّاً لك أيها الفتى! أتدري كم الساعة الآن؟"
"لا؟"
"لقد قررت النّوم عند منتصف الليل!"
فتح الباب بعنف ليوضح بجلاء أن الشمس قد غربت وأن ضوء القمر يتدفق من الباب.
"لا بد أنك كنت تعمل على هذا لعشرين ساعة تقريباً!"
"آه، هاهها..."
ربما لم يكن الصراخ لإيقاظه فكرة سديدة. عرف بن من نفسه أنه يندمج تماماً في الأعمال، فكثيراً ما اضطرت عائلته ألا تدع الأضواء مشتعلة كلما انخرط في مشروع، لكنه لم يتخيل أنه استغرق كل هذا الوقت.
"عذراً بشأن ذلك، فقد بدا استخدام الصنعة ممتعاً أكثر مما توقعت."
تمتم الرجل وهو يلوح بيده ليطلب منه تسليم القطعة: "أظنك استفدت من مهارة التركيز أكثر من أي شيء آخر. تعال إلى هنا إذن، أرِني النتيجة لكي أعود إلى نومه."
حدّق فالك فيها لدقائق، وتلاشت ملامح النعاس عن عينيه ببطء.
"يبدو أنك نجحت في صنع قطعة شائعة أدنى، وليست سيئة لمحاولتك الأولى إذا ما أخذنا في الحسبان أنك لم تكن تعرف كيف تصنع بالطريقة الصحيحة عندما بدأت."
تنقسم الأغراض إلى ستة مستويات من الندرة. هناك الشائع، وفوق الشائع، والنادر، والنادر جداً، والأسطوري، والخرافي. وعلاوة على ذلك، ينقسم كل مستوى إلى أدنى وأوسط وأعلى ليوضح تماماً مقارنتها مع القطع في فئتها نفسها.
"كيف لك أن تكن واثقاً هكذا، ألا يفترض بالقطعة المسحورة أن تكون أفضل بقليل من ذلك؟"
ظهر خيبة الأمل جلية في صبره. فحتى لو مرّ الوقت سريعاً بالنسبة له، فإن كل ذلك العناء لصنع شيء بجودة الشائع الأدنى فقط كان مخيباً للآمال حقاً.
"عندما تبلغ المستوى التاسع من مهارتك ستتمكن من رؤية جودة الغرض بلا عناء. بما أنني أمتلك مهارة الحدادة فأنا أرى هذا بلا مشكلة، ولكن نظراً لأنك تمتلك الصنعة فسوف تتمكن من رؤية جودة أي غرض مصنع أساساً. وتلك هي أكبر ميزة لمهارتك الخاصة تحديداً. أما عن الجودة فلا تقلق حيال الأمر. كنت أتوقع تماماً أن يصنع منتجاً فاشلاً، وحقيقة أن يخرج بهذه الجودة تبشر بالخير."
رغم أنه قلل من شأن الأمر قليلاً، إلا أن فالك كان معجباً إلى حد ما في قرارة نفسه. كانت إحدى أكبر المشكلات في أي مهارة صنعة هي كثرة فشل القطع في المستويات الأولى للمهارة. غالباً ما يخطئ المتعلمون في تقدير كمية السحر الواجب استخدامها في السحر أو يتعجلون إتمام الغرض، ناهيك عن الصعوبة الأساسية المرتبطة بالتعود على استخدام المهارة. إن استطاع الفتى الاستمرار في صنع قطع بهذه الجودة فسيكون قادراً على جني ما يكفي ليعيش به بينما يعمل هنا.
تابع قائلاً: "على أي حال. لا تقلق بشأن ذلك كثيراً. كل القطع تقريباً من الجودة الشاعة لأن سعرها سيكون معقولاً بما يكفي ليشتريه الشخص العادي. وبينما يستطيع أي حرفي جيد صنع قطع فوق الشائعة وقطع نادرة أحياناً، فلا يوجد الكثيرون ممن يستطيعون صنع قطع نادرة باستمرار، ومن يمكنه صنع نادرة جداً بانتظام لا يظهر سوى مرة أو مرتين كل بضع مئات من السنين."
أثار هذا ثقة بن قليلاً لكنه ترك له سؤالاً آخر.
"وماذا عن الحرفيين الذين يصنعون قطعاً أسطورية أو خرافية؟"
"هاه أيها الفتى، أنت على بعد قرون عدة من ذلك إن كان هذا هو هدفك. وبينما قد ينجح أي شخص قادر على صنع قطع نادرة جداً باستمرار في إخراج قطعة أو قطعتين أسطوريتين في حياته، فإن الشخص الذي يستطيع صنعها بانتظام لا يظهر سوى مرة أو مرتين كل ألفية. أما عن الخرافية، حسناً، لم أسمع بقط بشري صنعها. حسب ما أعرف فإن القلائل التي توجد منها قد مُنحت من الملوك."
"حلّ، إن كنت سأضع أهدافاً فلتكن أهدافاَ ضخمة."
ابتسم له فالك ابتسامة واسعة كاشفة عن أسنانه، وبدت مخيفة أكثر مما قصد.
"أنت تقول كلاماً جيداً أيها المشاكس. نظراً لشدة تأخر الوقت فلا جدوى من ذهابك إلى البيت، فهناك غطاء ووسادة في غرفة التخزين. نم هناك وسأوقظك للعمل في الصباح."