لم تمض سوى بضعة أشهر على نزالهما الأول لكن بن لم يستطع إنكار رغبته في رؤية كيف سينتهي نزال جديد. لقد صار أقوى بمراحل مما كان عليه، سواء في مهاراته أو خصائصه، بينما بدا نمو آبل أكثر تواضعاً بالمقارنة، مما جعل الكفة تتقارب بينهما، حتى وإن لم يكن ذلك كافياً في النهاية على الأرجح. الذكاء، والمانا، ومعدل تجددها، والتحمل. تلك هي الخصائص التي تفوق فيها على آبل، وفيما يخص التحمل لم يكن الفارق كبيراً حتى.
بالتأكيد لم يكن شيئاً يُعتد به بالنظر إلى أن الأمر يتعلق بمدى قدرة أي شخص على مواصلة العمل أكثر من ارتباطه بنزال ودي، ورغم ذلك لم يكن مهزوز الثقة أيضاً. حتى وإن كانت بعض خصائصه الأخرى تقل بآلاف النقاط عن خصائصها، كان ما يعنيه أكثر من أي شيء آخر هو عقله، وهو الشيء الذي عرف مسبقاً أنه سيكون المفتاح في هذا النزال وعلى الأرجح في كل النزالات القادمة، وأخذ يثب بخفة في مكانه بينما كانت آبل تحدق به، تبدو في غاية الحماس وكأنها مجنونة.
"أجاهزة؟"
"طالما أنك ستعلنين عن أصلك الخارجي، لا أريد أن تتفاعل ديلير بشكل سيء."
"نعم، نعم، أعلم."
"شكراً لك. وفواست، حين تعلن عنه، أسدي لي معروفاً وغطي عيني تلميذتي. لا يمكنني الوثوق بها كي لا تستسلم لفضولها ولست بحاجة لعائلتها وهي تتذمر لي بسبب ذلك."
"أه، هيا، دعيني أرى لمرة واحدة فحسب!"
صرخت ديلير بالمقابل بينما أومأت المتحولة بجانبها.
"لا تقلقي، لن ترى شيئاً على الإطلاق."
"شكراً لك. وحينها، إن كنت جاهزة يا آبل، أتريدين أن تجعلي فواست يعطينا إشارة البدء؟"
"بالتأكيد. افعلها أيها المنحرف!"
"حسنًا. بن، اذهب وضعها في حجمها!"
لم يكن متأكدًا إن كان عليه اعتبار ذلك إشارة للبدء بالقتال لكن آبل فعلت بالتأكيد، ولم تضيع وقتًا في خلق المزيد من المسوخ بينما انسكب دمها على الأرض ليعود ويرتفع على هيئة وحوشها المشوهة، حيث برزت كائنات هلامية لحمية رمادية اللون تبرز منها عظام حادة، وتغطيتها عيون وفتحات ركزت عليه بالكامل، في اللحظة التي تجمد فيها العالم. لم يبدو أنها ستستخدم إحداها لتقوية نفسها مجددًا لكنها على الأرجح لا تزال تحت تأثير فعل ذلك في قتالها مع صاحب المرتبة الثالثة الآخر، حيث كانت أولويتها هي سحقه منذ البداية، فتقدمت مهاجمة بمسوخ متعددة دفعة واحدة بينما كان يراقب، ممعنًا النظر في الطريقة التي يريد بها مقاربة الأمور.
لقد قرر عدم استخدام الاتصال العمييق للسبب ذاته الذي جعله يتجنبه المرة الأولى التي تقاتلا فيها. إن كان شيئًا لا يستطيع استخدامه ضد ملك روحاني بأي يقين إذن فهو شيء بحاجة لأن يعتاد القتال بدونه. حقيقة أنه أثبت مسبقًا قدرته على تمرير استخدام المهارة خفية متجاوزًا ملوك ذلك العالم كانت تلمح إلى أنها قد لا تكون محجوبة عنه كليًا ولكن حتى في تلك الحالة، سيكون ذلك ملاذًا أخيرًا، لا شيئًا يعتمد عليه كما يفعل مع الجوانب الأخرى من حياته.
لكن حتى بدون ذلك، بدا الحل بسيطًا منذ البداية. على الرغم من كونها امتدادات لنفسها، إلا أن الوحوش التي تصنعها آبل كان يمكن القضاء عليها دون إلحاق الأذى بها وبالقوة التي يمتلكها استطاع فعل ذلك بكل سهولة، آخذًا العالم من حوله ومبددًا مانا الخاصة به ليرفعها نحو كل وحش ويسحقها، لا ليتركها سوى بقعة رمادية على الأرض. نتيجة لم تزد آبل إلا ابتسامًا عريضًا، فقد ارتفعت توقعاتها لما آلت إليه الأمور مقارنة بنزالهما الأخير لكن ذلك لم يوقف إنتاجها للمزيد حيث غاص دمها في الأرض أدناه قبل أن يعود ويرتفع، معاد تشكيله كأهوال تحت سيطرتها.
إن استمرت في فعل هذا هكذا فأنا أتساءل إن كنت قد أربح بسبب فقدانها الكثير من الدم؟ ليس واضحًا تمامًا كيف يعمل تكوينها البيولوجي لكن بالنظر إلى الهيئة الحبيثة، أشك في ذلك. مع ذلك، قد يكون انتظار نفاذ صبرها خيارًا قائمًا.
"أصل خارجي!"
صرخت، غير مضيعة للوقت فور رؤيتها لمدى تفوق بن في التعامل مع الأمور بالفعل. أو هكذا بدا الأمر. بدأت هي ومخلوقاتها بالتشوه مع نطقها بالكلمات، مصارعة الواقع ذاته من جراء هيئتها الأكثر فوضوية إذ تخلت كليًا عن الشكل البشري الذي كانت تستخدمه حين اتخذ جسدها التغيير الأعظم، مشبهة بدرجة أكبر المسوخ التي صنعتها إذ توقفت دفعة واحدة عن كبح جماح نفسها. لقد عرف من قتالها مع فواست أنه حين يتعلق الأمر به كانت تكبح نفسها قليلاً، تختبر الأجواء لترى كيف تقارن خصائصه الحالية وتجد رفيق لعب ملائمًا في ما يمتلكه حاليًا، فتحركت وكأنها تعنيه، فأكثر من خمسة عشر ألف نقطة من الرشاقة كانت كافية لتبدو وكأنها تنتقل آنيًا لأي ناظر عابر، حتى وإن كان بن قادرًا على مجاراتها.
كانت مخلوقاتها تُسحق باستمرار تحت سلطته قبل أن تتمكن من الاقتراب أكثر من اللازم، تاركًا إياها آثار أصلها الخارجي تفرز سوائل غير طبيعية تآكلت الأرض تحتها، مما جعل التراب والغبار يتبخران في الهواء بينما اقترب جسدها الحقيقي الأشد فتكًا، مقطرًا تلك المادة الغريبة ذاتها بينما تحرك بن لاحتوائها. إن كانت قادرة على إذابة المادة وتحطيمها فإن محاصرتها بسحره لن يكتب لها النجاح أبدًا لكن كانت لديه خيارات أبعد من ذلك إذ جَسَّد جدرانًا حولها، لا ليخلقها بمستوى ذري يمكن للكيمياء أن تدخل فيه بل ليصنع بدلاً من ذلك أسطحًا مستوية وبسيطة حولها ويثبتها في مكانها، وكان ذكاؤه عاليًا لدرجة تمكنه الآن من استخدام المهارة في قتال حقيقي، حتى وإن شعر بكل ضربة يتلقاها بناؤه العقلي من محاولاتها للخروج في عقله وروحه معًا.
استطاع سماع فواست وهو يهتف في الخلفية وسط المزيد من التقيؤ، والمزيد من قرويين أتوا للمشاهدة يعانون ثمنًا لهذا الخيار مثل أولئك الذين أتوا قبلهم ولم يستطِع بن إنكار شعوره بالرضا. لم يكن انتصارًا ساحقًا لكنه لم يقصد له أن يكون كذلك على أي حال. كان نزالاً وديًا، وقد قُصد منه أن يكون ممتعًا، ورفع ثقته بنفسه قليلاً عندما يتعلق الأمر بمدى جودة تعامله الآن مع الفانيين والملوك على حد سواء، إلى اللحظة التي انفجرت فيها الأرض تحت قدميه، والمزيد من مخلوقات آبل تندفع بانفجار من الحيوية في سعيها لتحقيق الفوز، رامية به في الهواء وتاركة إياه هناك ليحلق بقوة مانا الخاصة به، مراقبًا الموقف بإيجاز.
بدا أنه عندما كانت آبل تلوث الأرض بلحمها ودمها، لم تكن هناك حاجة لاندفاعها فورًا وقد أبقت الكثير مخبأً كخطة احتياطية بينما تحولوا إلى وضع الدفاع، مهشمين الجدران التي كان يجسدها ليحاولوا تحطيم جوهرها من الخارج بينما يشنون المزيد من الهجمات عن بُعد، قاذفين بكتل من لحمهم الخاص نحوه بسرعة عالية لأغراض لم يستطع تخمينها لكنه صدها مع ذلك، محاصرًا كل هجمه في صناديق مجسدة مختلفة بينما كان يتأمل القتال حتى تلك اللحظة.
وخالصاً إلى النتيجة بأنهم وصلوا إلى طريق مسدود أيضًا، طريق مسدود سيخسره بن إن لم تستسلم آبل. لقد اعتقد أنه قادر على القضاء على مخلوقاتها، سواء تلك التي تحاول تحطيم الحصار عنها أو أي مخلوقات أخرى ربما كانت مخبأة، لكن طريقته الوحيدة لإيقافها كانت بالاستمرار في الإمساك بها ببنائه العقلي، وهو أمر لم يكن بمقدوره فعله إلى الأبد وبدأ يشعر به أكثر فأكثر مع كل ضربة قوية تتلقاها.
وبينما كان بإمكاني الاستمرار فقط... لقد حصل بالفعل على ما يكفي من القتال فرفع يديه للأعلى قبل أن يلغي تجسيد، راعيًا إياها وهي تندفع نحوه فورًا ومتوقفًا بصعوبة بالغة ريثما أخرج كلماته.
"أنا أنسحاب."
<ارتفاع مستوى تحديث العالم البشري> <ارتفاع مستوى تحديث المانا> <ارتفاع مستوى تحديث معدل استعادة المانا> <ارتفاع مستوى الميل متعدد الأكوان> <ارتفاع مستوى الحاسة الغريبة>
عادت إلى هيئتها فور نطق كلماته. حطت على قدميها وتداعت وحوشها من حولها. بدا الاستياء واضحاً على وجهها عبر عبوسها.
قالت له: "لا تتلطف معي. ماذا تقصد بأنك تنسحب؟ كنت تفوز! وكنت على وشك القيام بشيء جديد، لأريك ما لدي حقاً!"
"ربما بدا الأمر لك هكذا وليس لي. لا يمكنني الإمساك بك هكذا للأبد ويمكنك تحطيم أي شيء عادي قد أصنعه. لو صنعت بعض الأدوات أو الأسلحة لظننت أنني استطعت الفوز، لكن بدونها، كان الأمر سيقتصر على تأخير المحتوم حقاً."
سألته بنبرة يغلبها الشك: حقاً؟ ولم يذبل هذا الشعور إلا حين أومأ برأسه.
"حقاً حقاً."
قفزت قفزة خفيفة مع كلماته وبدت في غاية الحماس قبل أن تتقدم لتضرب على ظهره.
"حسناً، ماذا أقول؟ أنا الأفضل فحسب! مع ذلك، خضت قتالاً أفضل بكثير هذه المرة أيها الثاني، وتستحق بجدارة لقب ثاني أفضل استدعاء! كنت على وشك إخراج بعض حركاتي السرية، أشعر ببعض الأسف لعدم حصولي على الفرصة، لكنه كان ممتعاً للغاية على أي حال!"
"نجل، لقد كانت تجربة جيدة. عليك السماح لي بمحاولة أخرى بعد بضعة أشهر إن سنحت لنا الفرصة."
تركته النتائج غارقاً في التساؤل والتقييم. تأمل مآل الامور وفكر كيف كان سيبدو الوضع لو كان قتالاً حقيقياً حتى الموت. طوال ذلك الوقت، لم يقصد قط تسديد ضربة قاتلة نحو هيئتها الحقيقية، وكان ذلك أحد العوامل الكبرى التي دفعته للاستسلام. لكن لو فعل، أكان بمكانه فعلها والفوز في النهاية؟ …ربما. حدّث نفسه. تبدو أكثر صلابة من مخلوقاتها، لكني متأكد تماماً من قدرتي على الإجهاز عليها لو بلغ الأمر حدّه بناءً على ما رأيته، لكني أشعر أنها لم تكن تكذب بشأن امتلاكها المزيد مما تستطيع فعله.
بناءً على ما قد يكون عليه ذلك، قد أقع في ورطة حقيقية، خاصة إن تعلق الأمر بنسبها الخارجي. إن جاء مرفقاً بأي نوع مجنون من القوى عابرة الأبعاد التي لم أهد رؤيتها بعد، فهذا ما قد يرجح الكفة بجدية.