حسناً، كان ذلك مخيباً للآمال. لم يكن الاتصال ببضع عشرة مَلكة جديدة كافياً لدفع الاتصال العميق نحو التجاوز، وهي نتيجة لم تكن مفاجئة تماماً لكنها رغم ذلك حطمت آماله. مع كل بصمة سماوية جديدة على عقله تضيف نمط تفكير جديداً إلى تفكيره، سمح لنفسه بأن يصدق أنه سيحتاج إلى واحدة أخرى فقط، ليكون مخطئاً في كل مرة. لكن ربما حين أتصل بالمزيد في المستقبل، سأدرك الأمر أخيراً.
فكر متنهداً. إلا إذا كان فعل كل هذا يرفع مستوى عقلي فقط، وهو أمر يبدو ممكناً للغاية. المزيد من البصمات السماوية يترجم إلى المزيد من التغيرات في بنيتي العقلية، والمزيد من التغيرات في بنيتي العقلية يعني خبرة، والخبرة تعني مستويات. تبّاً، إن رفعت العقل القديم قبل أن أوقظ الاتصال العميق فقد أبكي حقاً. ولم يكن ذلك خيبته الوحيدة في تلك الليلة، إذ كانت الأخرى أقل أهمية لكنها بنفس القدر من الإحباط، على المستوى الشخصي على الأقل.
بعد أن دفعه استجواب هيلوري إلى الحد الذي جعله يرغب في محاولة اكتساب مهارة واحدة على الأقل لنفسه، أمضى ساعات في المحاولة، ليقسَى عليه الفشل الذريع في النهاية. تلك التي كان يرغب فيها بشدة كانت شيئاً لم يره سوى مرة واحدة فقط ومن شخص لم يكن يحملها حتى في المرتبة الثانية، ولم يتصل حتى بحاملها، مما سدَّ طريقه نحو اكتساب تلك الهبة المرغوبة للغاية. لقد حاول الغش بالطبع، مستخدماً مشاعرها التي حصل عليها من كل من ثيرا وجيك عبر سحرهما غير المتوافق بينما كان يدربهما، لكن ذلك لم يكن كافياً لنجاح الأمر، تاركاً إياه بلا خيارات لاكتساب تلك المهارة الوحيدة التي كان مستعداً لتخصيص بعض الوقت للتدرب عليها نظراً للمساعدة التي ستسديها لحرفته، لتتداعى بصيص أمله وحماسته الصغير في النهاية وهو جالس على مائدة الإفطار مع البقية، راءياً عيون صونيا الفضولية المعلقة بمورا بسبب التغيرات التي طرأت على الصبي، وعيون مورا المعلقة به بسبب التغيرات في روحه.
"ثيرا؟"
سأل الصفل متردداً.
"بأي سرعة يطور البشر مهاراتهم؟"
تنهدت قائلة: "تجاهل كل ما تراه في بن، يا حبيبي، فهو لم يبلغ مستواه الأحدث بعد."
"إنه لشاذ عن القاعدة ومؤثير سيء."
"أنا لست بهذا السوء حقاً."
"مهم؟ إذن لن تدع أبيل تأخذ قضمات أخرى منك عندما تراها لاحقاً؟"
"...حسب ما تقدمه في المقابل."
"نعم، هذا بالضبط ما كنت أتوقعه."
تنهدت مجدداً، وبدا ضيقها واضحاً.
"إذا كنت ستستسلم، فحاول الانتظار حتى نهاية اليوم لأتمكن من العودة لعلاجك. وبحسب مجريات الأمور، قد أعود مبكراً قليلاً على أي حال."
"حسناً، يبدو خطة."
اقتربا من المتجر، وما كان بانتظارهما عند الباب الأمامي دفع ثيرا للالتفات إلى بين بقلق خفيف، وبدا السؤال جلياً على وجهها ممّا تراه.
قالت: "أكانت أبيل منتظرة هنا طوال الليل؟"
أجاب: "ما كان عليها ذلك، فقد دللتها بوضوح على نزل."
وتابعت: "حسناً، تبدو كمن قضى الساعات الأخيرة يتمرّغ في التراب."
بدت الفتاة المستدعية الأخرى مرتاحة في جلستها، وضعت ظهرها على باب المتجر وأخذت تدندن بلحن مألوف على نحو مزعج، غير أنه لا يمكن إنكار أنها تبدو أقدر على الإوساخ ممّا رآها آخر مرة، مع بضع ورقات شجر عالقة في شعرها، إضافة إلى ما يكاد يكون دكناً جافاً على شفتيها وحولها، ممّا دفع بين إلى استحضار ماء دافئ في دلو مع منشفة فناولهما إياها فور وصولهما إليها.
سأل: "أبيل، ماذا تفعلين هنا بهذه البكرة؟"
أجابته: "هاه؟ أنتظر لنقضي وقتاً معاً، طبعاً. أهلا يا ثيرا، أأتيت للعب قليلاً أنتِ الأخرى؟ لم يتسنَّ لنا القتال من قبل قط."
ردّت: "أنا في طريقه إلى العمل لا أكثر. أبيل، لم تنامي في العراء البارحة، أليس كذلك؟"
قالت غير مبالية البتة: "آه، قليلاً فحسب! لكن ذلك جعل صيد وجبة خفيفة في منتصف الليل أمراً سهلاً حقاً! أوه، أهذا صغيكِ؟ أتربّين متلصّصاً صغيراً آخر، أها؟ رائحته قوية حقاً لا شك في ذلك."
تنهّد بين: "إنه كذلك، لكنكِ لن تحصلي على أي قضمة منه. والآن ادخلي، يمكنكِ الانتظار معي ريثما نترقّب فويست وتلميذي."
هتفت: "أو يمكننا فعل شيء ما ريثما ننتظر! هيا لنستمتع قليلاً!"
قال: "أبيل، إن كنتِ حقاً ترغبين في النزال فسأفعله معكِ لاحقاً. أما الآن، فنظّفي نفسكِ قليلاً وادخلي، عليَّ تجهيز المكان ليوم العمل."
انكمشت الفتاة قليلاً ونفذت ما طلب، فتبعتاه إلى الداخل بينما ودع بين ثيرا ومورا وبدأ بعض أعمال التجهيز الصغيرة التي يحتاج إليها، فيما كانت أبيل تراقبه من مقعدها وهي تركل بكتفيها.
قالت: "إذن أنتَ بارع في الصنعة حقاً، أليس كذلك؟ ألم يكن ذلك مجرد مزحة؟"
أجاب: "بالتأكيد لا، هذه وظيفتي وأنا أحبها."
عقّبت: "هاه، إنه لأمر مؤسف بعض الشيء، ألا ترى؟ أنت قوي، وكان حريّاً بك أن تكون خارجاً تقاتل مع البقية."
قال: "لكل منا مكانه، وهذا مكاني فحسب. أسبق أن جلست يوماً وصنعت شيئاً؟"
وبالنظر إلى واقع أنها عاشت في واقعها الأصلي وسط جحيم ما بعد الكارثة الذي يحكمه الغرباء الذين أبادوا ملكه الأصلي، كانت آماله في إجابتها ضئيلة، لكن الفرصة تظل قائمة في أن تكون قد انهمكت في شيء منذ وصولها، حتى وإن لم يعلق عليها أملاً كبيراً.
أجابت بحيرة حقيقية: "لا، لمَ قد أعل فعل ذلك؟ يبدو مُملاً."
ودون أن يجيب فوراً، حدق فيها بين متأملاً. بيولوجياً، وبمعايير عرقها، ظن بين أنها في منتصف مراهقتها تقريباً، رغم أنها تعاني من بعض القصور العاطفي بسبب طبيعة الكون الذي اضطرت للنشأة فيه. في الحقيقة، إن حقيقة أن مجموعتها المستدعية كانت لتكون أفضل حالاً بكثير باقتلاعها إلى ذلك العالم الهالك مقارنة بنجاة في وطنها الأصلي، لا تبشر بخير بشأن تنشئتها، وتترك حقيقة تمكنها من التحلي بالإيجابية والود رغم نزعاتها الأكل لحوم البشر، مسألة حظ أكثر من أي شيء آخر، لكنه مع ذلك احتفظ بانطباع جيد عنها.
وبحسب ما رآه، كانت فتاة طيبة حُرمت ببساطة من الكثير من الأشياء التي كان ينبغي لطفل أن يستمتع بها، ممّا دفعه إلى استحضار بعض الأغراض والجلوس معها بجسده الحقيقي بينما ترك استنساخاته الأخرى تعمل.
قال وهو يضع القلم على الورق ويرسمها سريعاً قبل أن يريها إياها ليرى وجهها يتهلل حماسة: "حسناً، لمَ لا أريكَ إذن كم يمكن لهذا النوع من الأمور أن يكون ممتعاً؟ ريثما ننتظر، حاولي ممارسة بعض الفن معي، ومن يدري، ربما لن يكون مُملاً كما يبدو."
هتفت: "ماذا؟ مستحيل، لا يمكنني فعل ذلك."
سأل: "لمَ لا؟"
أجابت: "لأن كيف لبضع خربشات أن تتحول إلى ذلك؟ لا أستطيع استيعاب الأمر."
قال محاولاً تبني نبرة متعالية قليلاً لاستنهاض روح المنافسة التي عرف أنها تتمتع بها، ولاحظ بدء مفعولها حين انتفخت كبراً: "حسن، يتطلب الأمر الكثير من الممارسة حقاً. لكن إن كنتِ تستمتعين به وتودين التعلم فهذا ما يمكنني مساعدتكِ فيه. علاوة على ذلك، هناك ما هو أهم بكثير من ذلك."
سألت: "حقاً، ما هو؟"
أجاب: "قلتِ إنكِ ترغبين في الاستمتاع، أليس كذلك؟ حسناً، على حد علمي، هذا هنا هو أكثر الأشياء متعة في العالم بأسره."