بعد الانتهاء من الطابق الثالث توقف الجميع للراحة قبل الانتقال إلى التالي. لن تكون هناك استراحة بين الطابقين الرابع والخامس شأن الأبراج ذات السمات كافة والأهم من ذلك أن تلك هي المرحلة التي ستُحجب فيها السحور ذات السمات أيضاً. ومع أنها لم تأخذ حيزاً كبيراً في الطوابق الأولى إلا أنها تظل خسارة ستضاعف التحدي القادم ودون وجود أي طريقة لمعرفة ما تبقى لمواجهته احتاج الجميع إلى فرصة لاستعادة القوة.
أعدّ بن الطعام لبقية رفاقه بينما جلسوا يستعيدون توازنهم ويجهزون أنفسهم نفسياً بأفضل ما يمكن. لم يقترح أحد المغادرة لنيل المباركة والانتهاء من الأمر ففي تلك المرحلة من البرج والغزو كان الجميع منخرطين بعمق في اكتساب كل قوة ممكنة لما هو آتٍ وانتهى بهم المطاف إلى الخلود للنقاد. أو على الأقل فعل بقية رفاقه ذلك. وحدَه بن ظل ساهراً مع أفكاره شاعرأ بنبض قلبه المصنوع من الميثريل داخل صدره وهو يتأمل الطوابق حتى الآن والمدى البعيد الذي قطعه.
لقد كانت ممكنة الطوابق الثلاثة كلها لدرجة جعلته واثقاً من قدرته على اجتيازها وحده لو اضطر لذلك. وبصرف النظر عن إصابته في البداية فقد قطع شوطاً طويلاً. لقد بلغ بسطوحه مرحلة جعلته يشعر بقوة حقيقية. وعند خوض غمار مكان صممه الملوك لتحدي الفانين استطاع الخروج منتصراً. حين نظر إلى يديه وهو جالس كان من السهل رؤية آثار جهوده. ثفنات وبضع جروح وحروق ملتئمة من طرائق صنع المختلفة وما لم ينعكس بالسهولة ذاتها لكنه أثبت وجوده على هيئة أشرطة ذراعيه التي كانت تدرب المانا والحيوية لديه كلما ارتداها.
لقد قطع شوطاً طويلاً في العالم. لم يعد الفتى الذي يمكن تجاهله من أجل شيء أفضل. لقد بات ماهراً في صنعته وقوياً في السحر والخصائص لدرجة أن بلدان العالم أجمع ستسعد بضمه لو عرض ذلك فحسب لكنه لم يكن يكفِ بعد. ربما كان يمتلك بالفعل قدراً من المهارة يغير وجه العالم فقد أثبت ذلك بعدد لا يحصى من الاختراعات التي صنعها لكنه لم يستطيع قول الشيء نفسه عن القوة. أراد مقارعة ملك كما لا يفعله أحد لكنه لم يشعر بأنه أقرب إلى إيقاظ أي من قدراته ومع الارتفاع الذي شهدته خصائصه حتى بعد التغيرات كلها التي طرأت عليه لم يبدو الأمر كافياً أبداً.
لكن كل ما استطيع فعله هو المضي قدماً. تنهد. المضي قدماً والنمو باستمرار. عندما ينتهي هذا سأصبح منافساً في سحري أيضاً وستكون لدي مباركة برج أخرى تُحسب لي وستكون أكثر قوة بفضل توافق مخصصاتي وبعد الانتهاء من هذا سأأخذ بضعة أيام ثم أتوجه إلى برج الحرفيين وبعد ذلك أحاول إيقاظ الاتصال وإن لم يقتلني فعل ذلك فسأكتشف كيف أُوقظ التدنيس من هناك و... وبعدها ربما عندما ينتهي هذا كله التدريب والحرب وكل شيء إن عشت فسأتمكن من نيل استراحة صغيرة لطيفة.
ألا تبدو تلك فكرة حلوة ورائعة؟ ...أجل هذا بعيد جداً لدرجة يصعب حتى الحلم بها. عليّ القلق بشأن إيجاد طرائق أخرى لتصبح أقوى أولاً وبعدها يمكنني القلق بشأن البقية. سأستبدل قلبي فور خروجي من هنا لذا سنرى كيف سيمضي ذلك وما بعد ذلك... مم، ما زلت أنهي أعمالي بسرعة حتى مع وقوف الملوك في طريقي. ربما يجدر بي إجهاد نفسي أكثر قليلاً؟ لقد كنت أتعامل بسلاسة منذ أن حجبوني مرة بالفعل لكن الأمر يسهل في كل مرة ينمو فيها مصدر روحي وتوافق روحي وإذا أوقظت إحدى مهاراتي إلى المستوى الثالث فسيهيئ ذلك خصائصي بما يكفي لأفتح وظائف الملك للمانا والتحمل على أقل تقدير.
بحق الجحيم إيقاظ مهارتين سيقربني كثيراً من نيل تلك الوظائف للحيوية والقوة أيضاً وإذا عدلت روحي بعد إيقاظ اتصالي وتدنيسي فيجب أن يكفي ذلك لدفعي نحو فتحها لذا سأحصل على مكافآت رائعة أخرى لخصائصي وعلاوة على ذلك... حسناً سأكتشف الأمر أثناء تقدمي. كانت هناك دائماً طرق للنمو أكثر لدفع المرء نفسه قليلاً إلى الأبعد واستخلاص القليل الإضافي من نفسه أو من النظام لجني الثمار التي ستنترها وكل ما بقي هو إيجادها ولكن بالوقت القليل المتبقي لديه قبل حلول وقت خوض الطابق الأخير أجبر نفسه على الانسحاب إلى داخل عقله ليحظى بأقل قدر ممكن من الراحة.
سألت فاستا: "هل الجميع مستعد؟"
يدها مسبقة على الباب، مستعدة للعبور وتنتظر فحسب تأكيد البقية لتلك الدفعة الأخيرة، بينما أخرجت إيمي رمحاً من خاتمها لأن السحر المخزن لأسلحتها سيرفض الاستجابة عما قريب، وتأكد بن من حيازة الجميع لبضع جرعات قبل أن تومئ برأسها موافقة.
"حسنناً إذاً، لننهِ هذا."
انفتح باب الطوابق قبل الأخيرة وببضع خطوات عَبَروا جميعاً، مستعدين للمشهد هناك فلم يلقوا سوى الضباب، جدار سميك منه يحجب رؤيتهم ويجعل استبصار حتى المحيطين بهم أمراً عسيراً. استحال التبين لأكثر من بضع مترات، مع أنه كفاهم ليدركوا أن ما يقفون عليه ذو حافة بارزة. منصة عرضها نحو خمسة مترات ومربعة الشكل، انعدمت سبل معرفتهم بما يقع تحتها أو يتخطاها وهي قائمة هكذا، لتتركهم على جزيرة من المجهول.
تمتم جايك: "يا للرجل، آمل حقاً ألا يكون هذا طابق قتال"، فجعل بيناً يرد عليه.
قال وهو يرفع بصريْه نحو السماء حيث انطبع وقت واضح لمع ثلاثة ساعات بضياء كافٍ ليخترق الضباب حولهم ويغدو مصدر نورهم الأوحد: "أياً يكن، نحن نعمل ضمن وقت محدد مجدداً. برأيكم ما هذا، أـ"
انقطعت كلماته، توقف حين أحس بالأرض تحتهم تتخلخل، لا بالقدر الذي يرميهم بل ترتفع وتهبط بلطف، لتجعلهم واعين جميعاً أنهم يتحركون عليها مهما كان تفاوتها طفيفاً، مع ما قد يعنيه ذلك من خطر مرتقب لم يتبين بعد.
اقترحت فاستا: "أعتقد، إلى أن نجد مبرراً لظن خلاف ذلك، أن نتعامل مع هذا الطابق على أنه مكان هدفه إيجاد المخرج. إن انعدمت البدائل الأخرى وغاب أي شيء يحاول قتلنا جلياً، فهذا خير خيار لنا في الوقت الراين، ريثما نعثر على ما يغير هذا الظن."
سألت إيمي: "حسنناً إذاً، من أين نبدأ؟"
"التعامل مع الضباب. تيرا، أتقدرين على محاولة إبعاده قدر استطاعتك لنحظى بمدى رؤية أوسع؟"
"نعم، أستطيع المحاولة."
على غرار الطابق الفائت، صنعت تيرا حاجزاً حولهم لكنها دفعته للتوسع هذه المرة، دافعة الضباب من حولهم أبعد فأبعد لتمنحهم نظرة أشمل لمحيطهم بينما تكشف المكان ببطء، مبيناً أن وراء منصتهم منصات أخرى تحيط بها، مربعات كبرى ذاتها، كلها تتمايل صعوداً وهبوطاً بلطف بطريقة كشفت عمق كل واحدة، ترتفع وتخسف متراً في كل مرة لكن من دون أن يتبين قاعها، من تلك النقطة على الأقل. ومع انكشاف المزيد من المشهد، مشى بن نحو حافة المنصة التي تقلهم وتفرس أسفلها، فلم يلف سوى هوة مظلمة تمتد بلا نهاية لتكشف أنهم يطفو على مكعبات عملاقة عبر الفراغ، مما جعله يتنهد.
"أينما ذهبت، أرى وجهه دائماً."
أُهمل التعليق، بينما ركزت فاستا على تيرا عوض ذلك.
"أتظنينك قادرة على إبقاء هذا الحاجز صامداً؟"
"نعم، إن لم يهاجمنا أحد فهذا هين بصدق."
"أتظنّينك قادرة على تعدد المهام إذن؟"
"غالباً، ماذا ترسمين في ذهنك؟"
"إن كنا نبحث عن المخرج فيجب أن نشرع في التحرك. سيشق التنقل في مكان كهذا كالعادة نظراً لطريقة عمله الظاهرة، لكن إن استطعت حملنا جميعاً وإبعاد الضباب مع إبقاء المنصات مرئية، فسنتفرغ أنا وجايك لاستخدام استبصارنا لنبحث في الأرجاء الخفية عن المخرج."
"حسناً، نعم، أستطيع فعل ذلك."
"جيد، إذن، لا وقت لنضيعه. تقدّم مباشرة. يا جايك، فتش اليسار بينما أتولى اليمين وآمل ألا يستغرق هذا وقتاً طويلاً."
مع صدور الأوامر شرعوا في التحرك، والعالم يمر من تحت أقدامهم بينما كانت تيرا تحملهم، ولم يكن لدى بن وإيمي ما يفعلاه بينما يعمل البقية. وكلما انقضت الدقائق ازداد وضوح حقيقة خلو المكان من أي هجمات قادمة، فما عثروا عليه هو ما نالوه. بحر لا ينهي من المنصات وما غاب سوى المخرج.
تمتمت إيمي: "سماوي، أكره الشعور بأنني وزن زاحف. كان هذا البرج بأسره طوابق عجرت عن المساعدة فيها."
"حقاً؟ يا رجل، أنا أعشقه. لا شيء أفضل من قضاء وقت مريح."
"نعم، لكنك أديت دورك مراراً بالفعل. وكل ما فعلته أنا هو تلقي الحمل."
تنهدت.
"أشعر أنني اضطررت لفعل ذلك في الكثير من البرج."
"أوهذا أمر سيء؟"
"أعني، أنا اليوم مرشحة لترقية قدراتي. وسأشعر بارياحيات أكبر لو أنني استحققتها حقاً."
"ومن قال إنك لم تفعلي؟ الأوراش قائمة على العمل الجماعي بقدر ما هي على أي شيء آخر، أليس كذلك؟ يستحيل أن تدري ما ستواجهه لذا ثمة فرصة دوماً لأن ينجز أحدهم جهداً أقل من الآخر، تلكم هي الحياة. بلوغ القمة يعني أنك استحققت ذلك."
"ممم، سهل القول حين تكون ساعدت بالفعل في كافة البرج التي قصدتها."
"أنا؟"
ضحك.
"نعم بالتأكيد، أديت دوري في هذا وحين خضنا برج الأرض معاً، لكن أتريدين معرفة خطتي الفذة عند اقتحام برج الحياة سابقاً؟ ترك كل شيء لتيرا وجعلها تحملنا عبره. حسناً، والغش أيضاً لكن ذلك الجزء أقل أهمية لعدم نجاحه حينها. ثم لبرج الظلام، لتغدو الأمور أيسر، أتودين معرفة أعظم مسافت قدمتها؟ أدركت أن الملوك لم يحظروا الأرواح العظمى عن المشاركة فأحضرت فون، روح الظلام، لترافقنا. قوتي العظمى تكمن في استعدادي للغش، هذا كل ما في الأمر. فما الذي يجعلك محتارة هكذا؟"
"أتعلم أنني ورايك مفترضان محاولة بلوغ الطبقة الثالثة قبل الموجة التالية، أليس كذلك؟"
"نعم، وبحوزتك وصول لبعض سحرة الأرواح للمساعدة. أنا متأكد أن بمقدورك تدبر الأمر."
"سوى كيف لي بحق الجحيم عبور ذلك الحاجز وقد طورت نزراً يسيراً من مهاراتي بمعزل عما أنجزته في البرج؟ لم أنمُ عبر السعي تماماً."
"يا للهول، أنا غيور للغايبة."
"أنا جادة."
"وأنا كذلك. مع ذلك، من دون إسهاب، أستطيع رؤية مهاراتك وأدرك أنك كنت ترفعين بعضها بمفردك."
"مهارات طبقتي الأولى بالطبع، لا تلك التي تهم حقاً. وفي الواقع، يعود جل ذلك إلى يوزو وإياك، حظيت بالعديد من المستويات كلما ساعدتني في اجتياز وظائفي."
"حسناً، لكنني أرى أن قتالك وترقيتك بلا انتساب في مستواهما الثالث وأعلم أنك لم تناليها من البرج."
"لا، بل نلتها بامتلاك ساحر أرواح تحت إمرتي بجانب كافة البركات التي مُنحتُها جراء عدم فعلي لأي شيء تقريباً أيضاً."
تنهدت رافعة يدها قبل أن يتمكن من قول شيء آخر.
"وأعلم أنني ما كنت لأظفر بها لولا تدريبي السليم عليها وتحسينها لكن الأمر ليس سيّان حقاً."
"حسنناً، سواء كنت وزناً زاحفاً أم لا، فهناك سبل يسيرة لتبرهني تماماً استحقاقك لمهاراتك، بغض النظر عن كيف نلتها."
"أشك في ذلك نوعاً ما."
"لا، بل ثمة سبيل حتماً. اننجحي وابلغي الطبقة الثالثة. كل من يصل هناك يستحقها."
"أظنك أغفلت جزئية حيازتي لمجموعة بركات وساحر أرواح يعينني."
"نعم، ولا يزال هدفاً مستحيلاً عملياً."
هز كتفيه.
"تأملني، أنا مرشح لأعوام ولم أوقظ تدنيسي بعد. البلوغ إلى هناك عسير."
"...أعليك محاولة إيقاظ تدنيسك؟"
"أأنت متدينة للغاية؟"
"نعمش على كوكب يضم المئات من الملوك الحقيقيين تماماً و... انتظر، لا زلت رسولاً يا اللعين، ينبغي أن تلك نقطتي الأساسية!"
"ها، أوقعتني هنا لكن لا بأس. حسناً، لا بأس حقاً، فكثيرون هناك لا يريدون نجاحي وأبدوا استعداداً تاماً للوقوف في طريقي لمنع حدوث ذلك، وإن كانوا يقعون عادة في المشاكل جراء ذلك لاحقاً، بيد أن الوحيد الذي يعنيني يبدو متعايشاً مع الأمر. حسناً، لعل التعايش مبالغة بعض الشيء لكن يمكنني القول على الأقل إن ميراياد قد تقبله."
"لا يبدو هذا كشيء ينبغي لك فعله حقاً."
"للأسف، لا مفر لي من جذوري، قادماً من واقع يخلو من ملوك تخصه، على حد علمي على الأقل. فاللاأدرية داخلي لا تزال قوية. لكننا حدنا عن المسار أيضاً. تشعرين أنك لا تقدمين ما يكفي؟ لا زال لديك برج المحاربين لتخوضيه، وستتمكنين من القتال فيه لملء فؤادك لتعويض ذلك أنا متأكد. وإن خامرك شعور بأنك لا تستحقين القوة التي بحوزتك فاعملي حتى تستحقيها، ولن يلومك أحد على الكوكب ما دام بوسعك أداء دورك في قتل الشياطين وإنقاذ الأرواح."
"ممم، أظن ذلك..."
لم تفد المحادثة إيمي فعلياً لكن تفريغ تلك المشاعر عن صدرها بدا لطيفاً بما يكفي، ومع انعدام ما يستطيع الاثنان فعله في تلك اللحظة سمح اثنان لأنفسهما بأن يُحملا بينما استمر البحث والوقائع تنساب من دقيقة لأخرى.