<لا أزال مندهشاً من أنك لم تجهّز شيئاً.> ما الذي يستدعي التجهيز أصلاً. على عكس المرات القليلة الماضية، لا أملك أدنى فكرة عمّا سنواجه، والأهم من ذلك، للمرة الأولى التي أقتحم فيها شيئاً من هذه الحماقات، أجدني في عنصرـي حقّاً. سحري بأسره لا ينتمي إلى أي عنصر، شأني في ذلك شأن مهاراتي كافة. أعني، بالطبع، لن تنفع أي من التعاويذ المرتبطة بعناصر والتي يمكنني صنعها حين نبلغ الطوابق العليا، لكني سأقدر على التطويع بأي شيء ضمن قدراتي الحالية، وربما التعاويذ غير المرتبطة بعناصر والمثبتة على خواتمي أيضاً، هذا إضافة إلى قدرتي على التجسيد.
إن احتجتُ إلى أي شيء هناك فسأصنعه للتو. <ممم، سأجد بعض العزاء في حقيقة أنك على الأقل في مستوى متقدّم بجميع فنونك السحرية، حتى وإن لم تكن تملك المهارة الشاملة غير المرتبطة بعناصر.> ماذا، لا تقُل لي إنها ضرورية؟ سأتقبّل أي حرق للأحداث بصدر رحرح. <لن تنتزع منّي أي أسرار تخص الاختبار، شكراً جزيلاً، ولكن في ما يخص المهارة… من البديهي تماماً توفر شخص يمتلكها عند خوض غمار البرج، لكنكم ستدخلونه ثلاثة، فلن يشكل الأمر عقبة كبرى.
بوسعهم تدارك أي تقصير تتركه خلفك. فضلاً عن ذلك، إن اصطحبت مجموعة تملك طيفاً واسعاً من السحر عوضاً عن المهارة الشاملة، فالأمر يظل ممكناً، وإن بدا أكثر صعوبة. على أي حال، أسدِ لي معروفاً ولا تلقِ بنفسك إلى التهلكة. مهما بلغ تحسّنُك منذ خوضك أول برج، تظل هذه الأماكن محفوفة بالمخاطر دائماً.> آه، لا تقلق، لن أُغفل ذلك أبداً. ما زلت محتفظاً بصدمتي النفسية طازجة من أيّام برج غالواكس.
<ومع ذلك تفكر في اقتحام برج آخر فور الانتهاع من هذا.> تنهّدت ميرياد. عفواً، أؤكد لك بناءً على أعلى المراجع ثقةً إن برج الحرفيين لا يقتل البشر، ما يعني أنني غالباً أختتم مغامراتي بأكثر الخيارات أماناً! <غالباً؟> أعني، إن دعت الحاجة فسأتحدّى برجاً آخر إن اضطررت حقّاً، وسأحدثكم في الأمر حين يحين وقته. <بين-> أوه انظر، البرج يلوح في الأفق الآن، احتفظ بهذا الخاطر لوقت لاحق يا ميرياد وتمنّ لي التوفيق!
<...فقط لا تلقِ بنفسك إلى التهلكة.> أعدك. بدا أنهم وصلوا أولا، فتركوا لأنفسهم متساعاً لتأمل المدخل، بينما جهد بين ذهنه في محاولة لفك شفرة ما يراه. لقد تميّزت أبواب أبراج السحر كافة بعلامات تلمح إلى طبيعة الاختبار الذي تحتويه، ولم يختلف هذا الباب عنها، إذ غطته عشرات المربعات، وخطوط عديدة، وخمس نقاط واضحة، ودائرة مركزية، فيما حاول تبيّن معانيها بتلك المعرفة الشحيحة، مسترسلاً في تفكيره طوال حديثهم، قبل أن تنطق ثيرا بسؤالها.
"إذن، ما شعورك حيال هذا؟"
"أكثر جاهزية مما يمكنني."
"..."
"ماذا؟"
"بين."
"… حسناً، لقد كشفت أمري، أنا متحمس قليلاً ربما"، اعترف رغماً عنه، رغم الخطر الذي يستعدون لمواجهته وبقايا الصدمة العالقة التي لم ينجُ منها تماماً في الاختبارات السابقة.
"هذا أول برج نقتحمه ويناسبني حقّاً، أتعلم؟ أعترف أن الأمر سيكون ممتعاً بعض الشيء لنرى كيف تسير الأمور حين نخطو للداخل فعلاً. ماذا عنك أنت إذن؟ تشعرين أنك بخير؟"
"… قلقة"، اعترفت.
"من المرجح أن يموت أحدنا، أو كلينا، هناك."
"خطر واجهناه في كل برج خضناه."
"نعم، لكن ثمة طفل هذه المرة سنصبّ عليه مزيداً من الصدمات النفسية إن قضى أحدنا نحبه."
"لقد تقمصت دور الأم حقّاً."
"ابنة عم، فرع مختلف تماماً من العائلة. وأسمى أيضاً، فحتى وإن لم أكن الأقوى، فأنا أفضل أخلاقياً من أمه الحقيقية."
"هاه، دور الوصي إذن، وإن أردتِ التنازل عنه فلن أمنعك."
"لا، أريد القوة الإضافية، مهما كلف الأمر. سأظل وصية بالغة السوء إن متُّ خلال الموجة الثالثة، لم أكن أتوقع فحسب هذا القدر الإضافي من التوتر حين وافقتُ على خوض هذا معك."
"هذا صحيح، لقد كان أسبوعين جحيميين، لكن في الوقت الحالي-"
"يا شباب!"
صاح جيك بينما لمحوه مع إيمي وڤاستا من بعيد، ملوحين لهم ومبادلين إياهم التلويح.
"أهيم، في الوقت الحالي، لنبذل قصارى جهدنا للتركيز على هذا ثم لنقلق بشأن أي شيء آخر بعد فرارنا بسلام، ولنبدأ، فلنستعرض الأمر قليلاً مع الجميع أولاً."
انتظروا انضمام البقية إليهم هناك، وكانت ڤاستا أول من بادر بالحديث بمجرد وصولهم.
"هل تشعرون جميعا بأنكم مستعدون؟"
"بالقدر الممكن. وأنت؟"
"بالتأكيد"، ضحكت.
"طال انتظاري لهذا اليوم، سيكون رائعاً أن نبلغ نهايته أخيراً."
"رائع، وماذا عنك يا جيك، هل نلت قسطاً كافياً من الراحة والاستشفاء؟"
"ما زلت أحلم بالكيمياء بسببك."
"لكنك تنام الليل كاملاً؟"
"حسناً، نعم."
"إذن أنت بخير، لا يُعدّ ذلك صدمة نفسية حتى في هذه المرحلة. أمّا الآن، فثمة أمور بضعة قبل أن نبدأ."
سحب بضع أساور من أحد خواتمه وهو يتحدث، مناولاً إياها ليفحصها كل واحد منهم بأخذ سوارين.
"أنا متأكد من أنكم سمعتم بهذه من قبل، لكن هذه أساور مانا وتعزيز، الأولى قادرة على ملء روحك بسرعة بها إن نفدت بتكلفة ألم يسير فحسب، والأخرى أكثر لطفاً إذ تمنحك دفعة لجميع خصائصك تعادل نحو خمسة بالمئة من خصائصي، على الأقل بالنسبة لتأثيرها الأول. وكما ترون، توجد ثلاثة بلورات عليها لذا يمكنكم تفعيل الثلاث كلها دفعة واحدة، حتى وإن انخفض تأثير كل بلورة إضافية إلى النصف. لا أزال غير متأكد من سبب فعلهم ذلك، الأرواح غريبة ومعقدة وأنا واثق تماماً من أن بمقدوري قضاء عقود في دراسة هذا الموضوع دون الإحاطة به كاملاً، سيما حين يتبين أن ليست كل وظائفها ذات صلة بعالم بعينه بالنظر إلى أن جميع المستدعين كانت لديهم سمات ومقاومات رغم انعدام صلة ذلك تماماً بالحياة على كوكب الأرض، لكني استطردت. ارتدوها وجرّبوها."
"آه، شكراً لك لكننا تلقينا بالفعل تلك القطع من صنعك سابقاً"، أخبرته ڤاستا، رافعة كمّها لتُظهر ما ترتديه.
"كُنّا ضمن الأولويات في التوزيع."
"حسناً، منطقي، لكن استبدلوها على أي حال. كلا التأثيرين اللذين تمنحانه يعتمدان على سماتي الخاصة، وما صنعته هذا الصباح سيكون أفضل من ذاك الذي صنعته منذ أيام أو أسابيع، وإن كنا نقتحم برجاً، فأريدكم أن تستخدموا الأفضل."
متقبلين منطقه، أخذ البقية ما عرضه مرتدين إياه للحصول على التأثير الكامل، رغم أن ثيرا رمقت ذراعيه بنظرة متوجسة.
"كل تلك الخواتم والأساور ومع ذلك لا أرى أياً مما توزعه على ذراعك."
"هيه، أنت تعرف قواعدي، أحاول تجنب استخدام الأرواح بهذه الطريقة خارج المتجر."
"لأخذ المانا، بالطبع، ولكن التعزيزات؟"
"ممم…"
كان ذلك سيراً على حبل غاية في الدقة. لن يكون الفارق كبيراً بالنسبة له بحيث يمثل نهاية العالم، كما أن روحاً كانت تؤثر فيه عوضاً عن تأثيره هو في روح أخرى، لكنها ظلت عكّازاً لا يمكنه الاتكال عليه إذا ما اضطر لمواجهة ما سيكون الملك الأقوى في المجرة. ولكني لست راغباً حقاً في خوض هذا النقاش مع الجميع الآن، ويبدو أنهم سيفرضون الأمر واقعاً إن لم أفعل. أه، ليكن.
"حسناً"، قال، مسحباً المواد الخام من خواتمه لتشكيلها وتطويعها قبل تطبيق الأساور وانزلاقها على ذراعه.
لم تكن لديه أي نية لاستخدامها فعلياً ولكنه أدرك تماماً أنها ستجعل الجميع أكثر ارتداءً وطمأنينة لو حمل واحدة، مانحاً إياهم ذلك القدر من الرضا قبل أن يبدؤوا من جديد.
"والآن، لنتحدث عن الطابق الأول-"
"هل أحضرت لنا معلومات من الداخل؟"
سأل جيك، متأهباً لأي بصيص يسر يغنمونه قبل أن يخبأ أمله حين هزّ بين رأسه.
"يا للهول، ليتني فعلت، كل ما نمتلكه لنستند إليه هو الباب وبضعة افتراضات. أترون تلك النقاط الخمس المحيطة به؟ لعلّي أُفترض أنها تُمثلنا، فهي تطابق الحد الأقصى لعدد المُتحدّين على الأقل، مما يعني أننا سننفصل على الأرجح عند دخولنا هناك. ومن ثم، أفترض أن الدائرة في المركز ستكون وجهتنا للقاء، وما يتبقى سوى الخطوط والمربعات. أمّا الخطوط، فأظن أنها ستكون نوعاً من الهجوم وتُستخدم للدلالة على الحركة، لكني قد أكون مخطئاً تماماً، ولا أستطيع التخمين بشأن المربعات بتاتاً. أنا مستعد لتلقّي أي أفكار حولها إن وجدت."
لم يبدُ أحد باقتراح، مما جعله يتنهّد.
"نعم، هذا معقول. على أي حال، ابذلوا ما بوسعكم للاستعداد لأي نوع من الهجوم، سيما إن انفصلنا. وإن لم نفعل فأنا مخطئ ويمكننا إعادة التقييم معاً كلما تقدّمنا."
"يبدو جيدا"، أومأت ڤاستا.
"إذن، هل الجميع مستعد؟"
علَت جولة من الموافقة بينهم فدفع الساحر الأكبر سناً وغير المرتبط بعناصر الأبواب لتفتح.
"إذن، لنبذل جميعاً قصارى جهدنا لاجتياز هذا."
بمجرد أن خطا عبر الباب، وجد بين نفسه وحيدًا، تمامًا كما توقع، مما أعطى الأمور إحساسًا بالراحة. قد يكون كان وحيدًا في مكان مصمم لقتله، لكنه توقع ذلك، على الأقل في تلك المرحلة. مع التحذير الذي تم تقديمه قبل دخولهم، لن يشعر أحد بالارتباك بسبب هذا التطور، مما يتركه وحيدًا ليصدم تمامًا مما سيحدث بعد ذلك. ضربة قوية كافية لإسقاطه، وسيل من الدم الذي تلا ذلك، في أول جزء من الثانية التي قضاها في المحاكمة، شيء اخترق سترة، وجميع التعويذات التي وضعت عليها لتعزيز دفاعها بشكل كبير، واستمر ذلك، حتى توقف عندما اصطدمت قطعة بحجم كرة البيسبول بضلوعه، مما دمر قلبه.