قال بن وهو يطرق الباب: "صباح الخير يا مورا، هذا أنا"، ثم ولج بعد هنيهة ليجد الصبي جالساً على هيئته نفسها في اليوم السابق، وكانت بعض الكتب والألعاب التي مُنحت له قد مُست أخيراً خلال الساعات القليلة الماضية.
"صباح الخير."
"حسناً، لم أطرح الأمر البارحة، لكنني ودلير سنرافقك أنت وثيرا اليوم، وقبل ذلك، بما أننا سنكون الوحيدين المستيقظين لفترة، أترغب في فعل شيء ما؟"
"لا بأس،"
هز كتفيه، وبدا وكأن حديثه قد انتهى هنا، لكنه فاجأ بن بمتابعة كلامه.
"لا داعي لأن تستيقظ من أجلي دوماً. أعلم أن الفانين يحتاجون إلى راحتهم."
"أه، حسناً، ربما أحتاج إلى قدر أقل من معظم الناس، وبصراحة، أنا لست من عشاق النوم أيضاً."
"لماذا؟"
"ها، بصراحة، لست مولعاً بالأحلام، حتى عندما أرتاح أجبر عقلي على الاستيقاظ لأكون مع سيدي فحسب، لذا فإن قضاء الوقت معك بديل جيد. علاوة على ذلك، فإن قدرتي على التحمل عالية بما يكفي لكي لا أموت حتى بعد مرور بضعة أيام بلا نوم، فلا داعي للقلق بشأن ذلك، وعوضا عن هذا دعنا نركز على ما سنفعله ريثما يستيقظ الآخرون. لقد صنعنا منحوتات البارحة، فما رأيك أن نجرب الرسم اليوم؟"
أجبر كتابين فارغين على الظهور مع بضع رصاصات وهو يتكلم، فناول الصبي بعضاً منها، ورافق روحه نظرات الحيرة بينما بدأ هو بالشرح أثناء عمله.
"الآن، بالطبع يمكنني التحدث معك عن التقنية وما يمكنك التدرب عليه لتحويل خيالك إلى حقيقة، لكنني أراهن أنك لم ترسم من قبل، أليس كذلك؟"
"نجل."
"لذا حاول الآن خربشة شيء قليل وترسس شعور ذلك، فإن أعجبك فسأريك طرائق للتحسين."
كان بن يملأ كتابه الخاص بالفعل، وكانت يداه تتحركان بسرعة خاطفة ليبث الحياة في أفكاره، وبدا أن متعته في فعل ذلك تنتقل لمن حوله، فانتقل مورا إلى صفحة فارغة ليحاول فعل الشيء نفسه. استغرق وقتاً أطول بكثير، وحتى بغض النظر عن مهارة بن الشخصية، لم يكن الأمر مفاجئاً نظراً لأن الصبي لم يفعل ذلك قط، لكنه في النهاية، وبعد ثانية من التردد، قلب الصفحة ليريها لبن، وكان الموضوع الذي اختاره مورا واضحاً في النتيجة.
"أه، هكذا، إذاً قررت رسم فريدريك، ها؟ يبدو جيدا حقا، وخصوصا لتجربة أولى. قد تمتلك بعض الموهبة كرسام إن رغبت في مواصلة ذلك."
ارتبك الصبي وتحرك في مكانه بحرج حين مُدح، إذ لم يدر كيف يتلقى الإطراء، لكنه بدا مسروراً به أكثر بكثير مما كان متوقعاً، مما جعل بن يتوقف متسائلاً عما إن تلقى مديحاً من قبل قط. لم يبدو فيديفوس من النوع الذي يوزعها عبثاً، ولم يكن ذلك سوى أمر آخر أسهم على الأرجح في حالة الصبي الانعزالية.
ولكن قبل أن يتمكن بن من قول شيء آخر، بادر مورا بالكلام، محاولاً إخفاء مزاجه الجيد بسؤال: "إذاً لماذا يحمل نباتك اسماً؟"
"فريدريك؟ لأنني أحبه،"
ضحك بن بخفة قبل أن يعقب بإجابة أقوى بعض الشيء.
"حين انتقلت إلى هنا لأول مرة، لم يكن لدي أحد حقاً. التقيت أنا وثيرا حديثاً ولم نكن أصدقاء حتى، وكان لدي معلمي وسيدي، لكن مدى قربي من أي منهما كان لا يزال غامضاً بعض الشيء، احتجت إلى شيء حي لأتدرب عليه على إحدى مهاراتي إذ سيسمح لي ذلك استشعار مشاعر الآخرين، ومن هناك استقريت على نبتة منزلية. غير أنني بمجرد أن بدأت التدرب عليها طورت رابطة عاطفية طفيفة ومن هناك تعذر علي ألا أسميها."
"أيعني إطلاق اسم على شيء أنكما قريبان؟"
"أظن ذلك."
تراجع الطفل إلى أفكاره حين قال بن ذلك، وإن لم يكن بطريقة تبدو سلبية، ولم يلبث الاثنان أن عادا للرسم مجدداً بينما أقبل الصباح ببطء.
ما إن استيقظ الجميع وتناولوا طعامهم حتى توجهوا إلى المتجر مجدداً، وبدأ بن ينجز ما استطاع من عمل بينما ينتظر وصول دلير، وتلخص ذلك أساساً في ارتداء معطفه وإغراق روحه لإنتاج كميات هائلة من المعاطف الجديدة بطريقة أذهلت مورا تماماً. لم يكن قد رأى بن يفعل ذلك إلا بالوتيرة الأبطأ بكثير التي يتبعها في منزله حتى ذلك الحين، لكن تغيير المكان حول مجرى صغيرا إلى طوفان، إذ كانت الكميات التي تظهر وتختفي كفيلة بإدهاش أي شخص قادر على رؤيتها، حتى وإن تحول تركيز الصبي في النهاية إلى مكان أعمق.
"لا بد أن هذا شعور سيء،"
قال مورا وهو يرى كل تلك المانا التي يسحبها عبر ذاته بينما أطلق بن بدوره ضحكة خفيفة.
"أنت محق، هذا مقيت للغاية."
"إذن لماذا تفعل ذلك؟"
"لأنه للأسف، ينبغي لي أحياناً في هذه الحياة أن أفعُل أشياء مقيتة. صنع الأرواح يولد مقادير هائلة من الخبرة لعملي، واحتساء المانا يتيح لي صنع مقادير هائلة من الأرواح. أضف إلى ذلك خدعة صغيرة اكتشفتها ويمكنني استخدام كل تلك الخبرة لمساعدة الآخرين ممن لا يستطيعون كسب القدر ذاته ليصبحوا أقوى."
"ولماذا تفعل ذلك؟"
"جزئياً لأن ملوك هذا العالم بغاة في الغالب قرروا استغلالي، وجزئياً لأنني أحب هذا الكوكب بالقدر الذي يدفعني للمساعدة. أحياناً، يعني فعل ما بوسعي تحمل القليل من الهراء."
"لا أظن أن الهراء مخصص لإلحاق الضرر بروحك."
"هناك فوائد جمة تجنى من إلحاق الضرر بروحي من حين لآخر أيضاً-"
<ارتفع مستوى مرونة الروح>
قال بن ضاحكاً: "هكذا تماماً. هذا مع توسيع روحي يصنعان مزيجاً فتاكاً حقاً".
سألته: "لهذا تستوعب المزيد الآن؟"
هز كتفيه فيما تدخلت ثيرا أوان دخولها الحديث: "إن كانت روحي أكثر مرونة فهذا يعني أنني أستطيع تحمل المزيد من دون الإضرار بها".
فقالت: "مورا، لا تتعلم هذا منه إن استطعت، فهو مستعد أكثر من اللزوم لإلحاق الضرر بنفسه من أجل أمور كهذه".
"مهلاً يا هؤلاء، أنا متأكد تماماً من أنني أحتج إلى مستوى معين من المرونة إن أردت يوماً إيقاظ توسيع روحي، وبما أنني بحاجة إلى فرط ملء نفسي على أي حال، فأظن أن هذا كله يسير بشكل جيد للغاية. سر رفع المهارات هو امتلاك أكبر عدد ممكن من حلقات التغذية المرتدة الإيجابية في روحك".
"الأمر الوحيد الآخر الذي تمتلكه هو مهارات عقلك، وقد استغرق الأمر منك دهوراً لتصل إلى مرحلة لا تشكل فيها خطراً على تدمير دماغك".
"والآن، كميزة إضافية مريحة، لست بحاجة حقاً إلى دماغ بعد الآن. لا يوجد ربح أكبر من هذا".
هزت ثيرا رأسها في اللحظة نفسها التي انفتح فيها الباب، إذ سمحت ديلير لنفسها بالدخول، وهي مترنحة ومتحمسة لبدء اليوم.
"صباح الخير!"
"صباح الخير ديلير، ما زلت تحتفظين بطوقك؟"
"بالتأكيد!"
سألت ثيرا بنبرة متعاطفة وهي تنظر إلى الفتاة بينما تضعه على رأسها: "يا للهول يا بن، لماذا تجعلها تستخدم واحداً من تلك؟"
"الكفاءة بالطبع، وبمقياس أفضل بكثير مما سأعرض أي معالج له اليوم. وبمناسبة الحديث، مهمتنا لهذا اليوم! ديلير، سنقوم بنزهة قصيرة لذا سيكون جل ما يحدث عبارة عن دروس داخل رأسك بينما أجعلك تقومين ببعض النقش في الوقت ذاته".
"حسناً، إلى أين ذاهبان إذاً؟"
أوضح بن، ممتناً لحصوله على فرصة طرح الأمر بشكل طبيعي نظراً لأن مورا نفسه لم يسأل عنه: "نحن منضمون إلى ثيرا ومورا في المستشفى. أعرف الكثير عن سحر الشفاء لذا، على النحو ذاته الذي أدرّبك به، سأحشر كل معلومة أستطيعها في رؤوس كل سحرة الضوء والحياة هناك. لقد ساعدت الناس بالفعل في السابق على كسب المستويات عبر فعل ذلك لذا آمل أن أحقق النتيجة ذاتها مجدداً، مع أنني أعقد الأمل شخصياً على أن نحظى ببضع حالات إيقاظ أيضاً".
كان الأمر خفياً لكنه رأى مورا ينتعش حين قال ذلك، إما اهتماماً أو لأنه رأى ثغرة يمكنه فيها استخدام سحره خفية، ولم يستطع بن الجزم. مع ذلك، كانت الفكرة قد زُرعت وباتت أي مستويات تأتي تبدو طبيعية، إن كان مورا سينوي إخفاء مهاراته على الأقل، وتكمن المشكلة الوحيدة في مدى صعوبة الحكم على النتائج الطبيعية بمعزل عن مساعدة الروح الشاب. كان بن واثقاً من أنه كان سيتمكن على الأرجح من رفع سحر الشخص بالجهود التي كان على وشك بذلها من دون أي مساعدة خارجية لكنه لم يعلم العدد على وجه الدقة.
لم يكن استنزال واحد أو اثنين أمراً يصعب الأمل فيه لكنه نوى ملء كل رأس متاح بكمية شائنة من المعرفة، ولم يكن هناك سبب لليقين من أنه لا يستطيع فعل ما هو أكثر من ذلك. لا، سيكون الاختبار الحقيقي هو حصولنا على أي حالات إيقاظ. هكذا حدث نفسه. فهذا ليس شيئاً يمكن للقليل من المعرفة الإضافية المساعدة فيه. إن ظفرنا بواحدة فحسب فنحن نعلم أن مورا يستخدم سحره حقاً.
كان مدير المستشفى قد أُبلغ مسبقاً بما سيحدث في ذلك اليوم، وكذا سائر المعالجين الوافدين، وأعد بن منطقة تجمع لالتقاط أطواقه وتسليمها بينما يدخل الناس ويخرجون لقاء جزء العمل الذي يؤدونه. لكن مع المعالجين الإضافيين جاء المزيد من المرضى، إذ جرى توجيه المصابين إلى هناك طوال اليوم تعويضاً عن نقص الطاقم في أي أماكن أخرى بينما شرع بن في العمل، شاغلاً ديلير عن أي دماء محيطة بينما جُذب من حوله إلى داخل رأسه، مُكرهين على الجلوس طوال درس تلو الآخر بينما نقل المعرفة التي يمتلكها إليهم، محققاً نجاحاته الأولى بالفعل في مجموعة المعالجين الأولى.
اكتسب اثنان منهم مستويات. احتمل الأمر أن يكون صدفة لكن حواس بن كانت أشد حدة من أغلب الناس، سيما فيما يتعلق بالشعور بالمانا واستطاع تمييز تعويذة واسعة تُلقى حولهم. ليست تلك الصادرة عن ثيرا، إذ كانت أكثر تحفظاً في شفائها الخاص بغية إعطاء البقية ممن يعمل معهم بن وقتاً أصعب ليدفعوا أنفسهم ويطوروا مهاراتهم، وجعل ذلك وحده مصدر التعويذة واضحاً بما يكفي لكنه تركه دون ذكر مع تقدم الأمور.
وما إن حصلوا على أولى حالات الإيقاظ الأربع فضلاً عن عدد لا يُحصى من المستويات الإضافية في ذلك اليوم حتى شعر بن بيقين لا يساوره أدنى شك في أن ثيرا كانت على صحق. كان مورا يلقي تعويذاته، غير أنه لا يخبر أحداً بفعله ذلك، وظل السبب وراء شعوره بالحاجة إلى إبقاء مساعدته سراً لغزاً مبهم.
<ارتفع مستوى عقل الخلية>