الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 775

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 775 باللغة العربية على مانجا تايم.

قال: "أتدرين ما أودّ قوله؟"

فقالت: "يا للهول، أتمنّى لو كنتَ أقلّ قدرة على قراءة أفكاري."

قال: "وماذا عساي أقول، إنّها صنعتي."

مرّ يومه الأوّل في التدريس بيسر، لَدير وساتل على حد سواء. أمّا الأوّل فقد نجح في الاستمتاع طوال الوقت، باذلاً وسعه لجعل دروسه متنوّعة وحيويّة، سواء ما قدّمه في المتجر أو ما دار في خلده، وفي حين لم تنل ساتل القدر ذاته من المتعة، فقد ثمنت على الأقلّ كلّ تلك المعلومات التي منحها إيّاها، فبدا يوم واحد منها مضافاً إلى ما تملكه كافياً لجعلها إحدى أبرز الخبيرات في سحر النباتات.

ولن يتطلّب الأمر سوى بضعة أيّام أخر لتغدو في قمة النبوغ، لا سيّما إن ضاعف سرعة الاستيعاب في بعض عقولهنّ أكثر. ولم يكتشف ما يدور في الخفاء إلّا بعد عودته إلى البيت. لم يكن الأمر خطباً جليلاً، لكنّه استبدّ بفكره تيرا بوضوح، ولأنّ مورا كان معهما ولا يزال يأنف بيئته الجديدة، فقد آثر إرجاء الأمر ريثما يختليان في غرفتهما مهما كان ذلك الخلوّ يسيراً. ومع ذلك، احتمل أن يسمعهما الرّوح الفتيّ، إذ ينبغي لحواسه أن تكون نافذة وإن بدت غريبة، لذا أشارت تيرا ببرهة إلى رأسه، موضحة مرادها إذ انساق عقلها إلى أفكاره التماساً للخلوة المنشودة.

فسأل: "إذن، ما الأمر؟"

قالت وهي تعقد حاجبيها: "أظنّ أنّ مورا كان يلقي التعاويذ في المستشفى اليوم، ولا أدرِي كيف أفاتحه في هذا. لقد تخلّص منه فيفيدوس لرفضه استخدام سحره، فكيف لي أن أسأله عما إذا كان يفعل ذلك سرّاً؟ سيّما وأنّ السرّ لن يكون إلّا عني أنا، فاستحالة أن تجهل والدته شيئاً كهذا إن كان يفعله بحضرتها."

"حسناً، تريّثي قليلاً. ما الذي يجعلك متأكّدة إلى هذا الحدّ من أنّه كان يلقي التعاويذ؟"

"فضلاً عن ارتقاء مستويات تسعة من معالجينا اليوم بينما تصادف وجود روح روحانيّ عظيم في الغرفة؟ كان الشفاء أيسر عموماً. ليس بصورة مذهلة، فقد وجب علينا العمل جميعاً، لكنّ أحداً ممّن وفدوا لم يمت اليوم."

"كنت أظنّ أنّ الناس لا يموتون عادة حين تعملين."

"حسناً، هذا صحيح لكنّه يحدث أحياناً إن تفاقمت إصاباتهم، ولست أجزم يقيناً إن كان يقدّم العون، لكنّ الأمور بدت أفضل بكثير حقّاً. وأنا واثقة للغاية من هذا."

"حسن إذن، ما دام يقينك تامّاً فأنا أصدّقك، فماذا ترومين فعله الآن؟"

تأوّهت قائلة وهي تسند رأسها إلى كتفه: "آه، لا أعلم. إن كان سيستخدم سحره فما المشكلة التي دفعت فيف إلى التخلّي عنه؟ وإن كان ممسكاً عنه في حضور فيفيدوس ونوكس وحدها فَلِمَ؟ كما أنّه لم يفاتحني بالأمر ممّا يوحي بسعيه إلى إخفائه، وحقّاً إنه ليُخفيه بصورة سيّئة، لكنّه اليوم الثاني فحسب، وإن كان لديه مبرر فلا أريد التدخّل الفظّ، لأنّني أسعى جاهدة لجعله يألفني، لكنّني أشعر بفشل ذريع في هذا و... آه."

"حسناً، أتريدين سماع رأيي في هذا؟"

"أرجوك."

"لا تذكري الأمر أمامه، امنحيه بعض الوقت لِيألفك أكثر ثم اسأليه. سيفضي إليك بما يجيش في صدره عما قريب. أمّا عن التثبّت من فعله ذلك، فلن يكون مجرّد تثبّت قدر ما سيكون تعزيزاً للأمر ببضعة أدلة إضافية، ولديَّ فكرة بهذا الشأن."

"حقّاً؟"

"لقد طلبت منّي من قبل مساعدة الناس على الاستيقاظ، أليس كذلك؟ أنا أستحثّ الملوك عسى أن أهيّئ الأمر، لكنّني سأنضمّ إليك غداً لأفرض التعاويذ المناسبة في عقول كلّ سحرة النور والحياة ممّن أستطيع الوصول إليهم. لم أكن أرجو سوى خفض صعوبة بلوغ الناس المستويات والاستيقاظ، وربّما يكفي ذلك لارتقاء مستوى أو اثنين إن حالفنا الحظّ، لكن إن رافقناه وكان هو من يخفض عتبات بلوغهم المستويات..."

"إذن لن نرى مستويات فحسب، بل ربّما نشهد استيقاظاً أيضاً. حسن إذن، يبدو هذا رائعاً. بل أفضل من رائع."

كانت تيرا تنشد المزيد من المعالجين المستيقظين في هذا الكوكب عموماً، وإن كان تعاون بين بن ومورا سيحقق ذلك فهذا ما يستوجب الاحتفال، حتّى لو أثار نجاحُه مزيداً من التساؤلات حول سبب إحجام مورا عن إظهار قوّته علناً. غير أنّ ذلك لم يتطلّب إجابة عاجلة. فالغاية الأولى هي ضمان ألفتهما، وسيتعلّقان بالحقيقة متى استعدّ للإفصاح عنها، وشعرت تيرا بقسط يسير من السكينة جراء هذا الحديث فحرّرها بن من فكره، متيحاً لها تقبيله قبل أن تغطّ في النوم، بينما أتى بحركته المعتادة فينضمّ إلى سيّده، ليجد المكعب في انتظاره.

"أريدك أن تعلم، أنّ إصرارك على فعل هذا بهذه السرعة قد مثّل عناءً شاقّاً في ترتيبه."

"يا رجل، العالم بحاجة إلى معالجين أكفّاء، وها أنا ذا في موضع أمكّن بعضهم من التحسّن. أيّ تلكّؤ قد يزهق أرواحاً، أليس كذلك؟"

"بلى، لكنّ ذلك لم يقلل من كون الأمر تحدّياً في تنسيقه. مع ذلك، سيرد عليك سيل متواصل منهم لتقديم العون في المستشفى الذي تعمل فيه تيرا عادة، لذا حاول ألّا تصيبهم بصدمة بالغة."

"أرى لزاماً عليَّ أن أنوّه إلى أنك تطلب منّي ألّا أصدم بشراً يشاهدون الآخرين يتهاوون موتاً باستمرار، كلّ يوم، طوال أسابيع، أو ربّما أشهر بناءً على ما شهدوه من مجازر اقترفتها الشياطين التي اجتازت الموجة الأولى. كم بؤسَ الدروس التي تتوقعها منّي؟"

"بؤسٌ يكفي لدفع أيّ منهم إلى حافة الهاوية. كم عقداً تنوي فرضه على عقولهم جميعاً؟"

"حسناً، لَدير تلميذتي الصغيرة وأنا أستمتع بكوني في رضا ساتل لكونها الوحيدة في فريقها التي لا تهابني، ولم يتلقين سوى ثلاثة..."

"إذن معالجو الغد لن يتلقّوا سوى ثلاثة؟"

"...حسناً، لقد أوقعتني، سيتلقّفون خمسة لكنّ الأمر سيكون قابلاً للسيطرة على الأرجح."

قال سيّده بنبرة تخلو إلّا من الشكّ الخالص: "أنا واثق من ذلك حقّاً. وبحقّك، بأيّ سرعة تنوي جعل عقول أولئك المعالجين التعساء تتحرّك؟"

"حسناً، لَدير ضاعفتها فحسب وساتل ربعتها-"

"ونحن لا نتحدث عنهما."

"حسناً، حسناً. يا له من تدقيق. سأطّلع على ذكرياتهم لأرى ما يحيط به كلّ فرد، لكن بصورة عامّة، قسّمت تعاويذ الحياة والنور التي أعرفها إلى أولويّة عليا ومتوسطة ودنيا، بحيث يتلقّى من يملكون مستويات وضيعة في سحرهم التعاويذ ذات الأولوية العليا غالباً، في حين يتعلّم أصحاب المستوى التاسع كلّ ما أستطيع تلقينهم إيّاه، مع احتمالية التوقف مبكراً لأيّ منهم إن بلغوا مستوياتهم أو استيقظوا لأنتقل إلى التالي، وحين آخذ بالحسبان أنّني سأحظى بساعة مع كلّ معالج في أقصى تقدير قبل استبدالهم لأعاون آخرين في التدريس-"

"أنت تماطل مجدّداً."

"يا للآلهة، حسناً. نظراً لكوني سأدّرس أربعة عقول منفردة لكلّ شخص بينما ينصبّ التركيز في الخامس على معالجة المرضى الوافدين بأيدينا، ولأنّني أريد استغلال أيّ وقت متاح إلى أقصى حدّ، فإنّني أفكر في مضاعفة السرعة ألف مرة، أو ربّما أكثر إن بدا أنهم بحاجة لذلك."

"...بن، هذا يُدعى تعذيباً."

"ليس تعذيباً قط."

"ألف مرة، لأربع مرات طوال ساعة، يكافئ أربعة آلاف ساعة من الدراسة يا بن. هذا جلّ ما في السنة!"

"أتعلم، يقال على الأرض أحياناً إنّك تحتاج إلى عشرة آلاف ساعة لتغدو خبيراً في أمر ما."

"وأنت تنوي حشرها في عقولهم دفعة واحدة!"

"سيكون الأمر مجدياً."

"سيكون باعثاً على الجنون! فضلاً عن ثقتي بأنّ مقولتك عن الخبراء لا تضع في الحسبان مهارة معرفيّة، أو قدرتك على فرض مستواك التاسع على الآخرين. كيف تظنّني أصدّق قدرتك على شغل كلّ هذا الوقت؟"

"أعني، إن ملكوا أيّ سحر آخر فسأعلمهم بكلّ ما أعرفه عنه بكل سرور..."

"مرفوض. إن كان لزاماً أن تكون مهووساً، فاخفض الأمر لئلا يتجاوز إجمالي وقت دراستهم معك ألف ساعة. توجد ثمّة فرصة ليتعافوا عقلياً من ذلك."

"عرض بديل، سأضيف بعض السحر الأسود إلى عصائب الرأس لأعزّز قدرتهم على جعل مستخدميها يركزون ويقاومون الإجهاد العقلي."

"عرض بديل مضادّ. افعل ذلك ورغم هذا امنحهم ألف ساعة من الدراسة في عقلك فحسب."

"ممم، حسناً، أرى أننا بلغنا طريقاً مسدوداً لذا سأتنازل. سأبني سحر تقوية العقول بكافة السبل الممكنة لأضمن سلامتهم في الختام ثم لن نفعل سوى ألفي ساعة. ألا يبدو هذا منصفاً ومعقولاً؟"

"ولا حتى قليلاً، لكن يبدو أنّ عليّ الاستسلام أخيراً لمسألة جعلك تستوعب محنة العقول الفانية."

"اعذرني، أنا ما زلت فانياً، وعقلي يُعدّ عقلاً فانياً بحكم التعريف."

"لا، لا يحقّ لك قول هذا. أكاد أزمّ بأنّه لو اقترب أيّ قارئ أفكار عشوائيّ ليعبث في رأسك، إمّا أن يموت أو يفقد صوابه بحلول هذا الوقت."

"حسناً، نعم، لكنّ هذا لا يعني أنّه ليس عقلي فانياً. فضلاً عن أنّ احتمال اقتراب أيّ قارئ أفكار دون أن ألحظ نواياه يبدو ضئيلاً للغاية."

"آه، لا أدري لِمَ أتكبّد عناء النقاش. حسناً، افعل ما تراه صائباً، لكن إن بدا أنّ أحداً يكابد عذاباً حقيقيّاً فخلّ سبيله."

"ماذا؟ ألا ترى، لست مسخاً يا ميراياد."

"ألقابك تأبى إلا أن تخالف ذلك."

"يا رجل، حين تجهز على ملك فهم يمنحون تلك الأشياء بيسر. يمكن لأي كان نيلها."

"ليس إن كان الشرط هو الإجهاز على ملك!"

"حسناً، فلنتفق على ألا نتفق. وإتياناً على ذكر-"

"لا يعجبني قطّ مسار هذا الحديث."

"لا علاقة للأمر بذاك، أودّ فقط استئناف بعض التدريب الليلة. لا تقلق، سألتزم الصمت."

وقبل أن يتمكّن سيّده من النطق بحرف آخر، كان بن قد تجسّد في الأفق، شارعاً في صنع أهداف لنفسه قبل أن يطلق صوبها الرصاص مراقباً دقة تصويبه الثابتة.

"...سيصعب جداً تجاهل كونك جعلت أهدافك تشبه إينيث أولينسيا."

قال ببراءة، وكأنّه لم يوضح مسبقاً ما سينوي فعله بهذين الإلهين إن ساعده ذلك على إيقاظ تدنيسه، بينما استسلم سيّده لأمره تاركاً بن ينعم بالسلام ليظفر بقسط من التدريب ريثما يمضي ما تيسّر له من الليل: "من الهام الترويح عن النفس من حين لآخر."

<ارتفع مستوى التصويب> <ارتفع مستوى النوايا الخبيثة>