تحرّك بن بحذر شديد لكيلا يوقظ ثيرا. لقد نالت كفايتها من التعب في ذلك اليوم الطويل وما مرت سوى بضع ساعات على استغراقها في النوم ولم يكن الوقت مناسبا لإزعاجها إذ سيأتي الصباح حافلا بالأشغال لا محالة فاستخدم ما لديه من مهارات التسلل لمغادرة الغرفة ومشى باتجاه غرفته القديمة ثم طرق الباب.
قال: "مورا، هذا أنا بن. لقد استيقظت كما وعدتك. أمانع إن دخلت؟"
قال: "…إن شئت."
لا بأس بهذا على ما أظن. فتح الباب فوجد الصبي قد جرب بعض الألعاب على ما يبدو وقلّب بضع كتب وقد رُصف بعضها بعناية فوق السرير الذي يجلس على حافته عوضا عن الطاولة حيث تُركت مما عدّه علامة طيبة. وثمّة أمر إيجابي آخر يتمثل في أن الصبي لم يقض ليلته الوحيدة بلا مؤنس. فلم يطق بن رؤيتهم بوضوح كما تفعل ثيرا غير أن الأرواح المحيطة والعقول التي شعر بها حين مدّ خيوط اتصاله دلت على أن الكثير من الأرواح الوافدة إلى منزلهم قد وجدت عظّيمها الجديد فاقتربت من الصبي حائرة وفضولية لتبادل أطراف الحديث.
بيد أن ما تبدّى له في عقولها أن تلك المحادثات لم تسر بيسر تام بل واجهت صعوبات ناشئة عن كون مورا لا يمثل نقاء عنصر بعينه بل شيئا جديدا ممّا صعّب على جنس اعتاد الالتفاف حول طبيعة قواه الفردية إيجاد لغة مشتركة دونه قرون من العيش المشترك تمنحهم معرفة كنه الأرواح على اختلاف أنواعها. لم يكن ينوي سبر أغوار عقل مورا مجددا فما واجهه من تلصص مرّة كفاه سوءا حين أراد التقرب من الصبي وسيبوء محجوبا في كل حال غير أنه أمعن النظر متخيلا أن الانعزال عن أبناء جنسه بهذه الطريقة يمثل عبئا إضافيا يضاف إلى ما تركته فيه نشأته القصيرة وهجره القريب جدا.
لم يعتقد أنه قادر على الخوض في حديث كهذا إلى أن يفتح الصبي قلبه لهم قليلا فركّز بالمقابل على إظهار الود والإيجابية باذلا وسعه لخلق أجواء مريحة حين تحدث.
قال: "حين أرى أنك جربت بعض الألعاب وقرأت شيئا من الكتب، أتساءل إن كان هناك ما نال إعجابك تحديدا؟"
قال: "لا أعلم، فهناك ما قد أعود لتجربته إن أتيح لي."
قال: "طبعا سيتاح لك. خذ حريتك في العبث بما تشاء فهذا منزلك أنت أيضا. وأثق أن هذا كله يبدو غريباً بالنسبة لك، فهل من أمر ترغب في الحديث بشأنه معي؟ لن يستيقظ غيرنا لساعات أُخر فلك مطلق الحرية في إخباري بما يثير فضولك."
قابله هذا العرض بالصمت وبقي الروح العظيم مطرقا ناظرا إليه لدقيقة دون نبس بكلمة قبل أن يهز رأسه موليا وجهه جهة أخرى.
قال: "لا، أنا بخير."
كانت كذبة سافرة، فلم يخف الصبي قط امتلاكه لما يشغل بملك لكنه إن أبى البوح فلن يستطيع بن إكراهه فعمد عوضا عن ذلك إلى صرف مانا لتجسيد مقعد يجلس عليه ليقترب من مستوى مورا.
قال: "حسنا، إن لم تشأ فلا بأس لكن إن لم تسترح لمفاتحتي بأمر ما فيمكنك دائما محادثة ثيرا متى استيقظت لاحقا. إنها ابنة عمك وتلك حقيقة تعني لها الكثير وستكون مستعدة لإنصاتك."
قوبل بالصمت مجددا مما جعله يتساءل إن كان يرتكب خطأ فادحا في طريقة مخاطبته للطفل غير أنه وبعد ثوان معدودة بينهما نطق مورا أخيرا وقد غلب الفضول أيا كانت تحفظاته.
قال: "كيف تتقن ذلك إلى هذا الحد؟"
قال: "مم؟ أتقن ماذا؟"
قال: "التجسيد. أليس المفترض أن يكون أمرا عسيرا؟ تواصل فعله كأنه لا شي."
قال: "آه، هذا. صراحةً، أمتلك بضع مزايا مفيدة لكن الأمر يعود في جوهره إلى إلمامي بالكثير وقدرتي على التفكير في عدة أمور معا وهو ما يسهله علي. أمهتم أنت بذلك؟"
قال الصبي متمنيكاً: "…قليلاً، أتصنع الأرواح بالطريقة ذاتها؟"
قال: "آه، يبدو منطقيا أنك رصدتني أفعل ذلك. وإجابة عن سؤالك، نوعا ما. لقد رفعت تلك العملية مستوى المانا التي استخدمتها للتجسيد حين فعلتها لأول مرة لكنها منحتني أيضا مهارة جديدة تسمى إنتاج الأرواح ومنذ ذلك الحين صار خلقها يندرج أساسا تحت نطاق تلك المهارة مع أنني لن أتفاجأ إن ظلت متأثرة بسحري الأصلي وصنعتي وممثلة لجرعة تدريب صغيرة لهما. كما أنني لا أدرك كنه الأرواح بالطريقة التي أفهم بها المادة لذا فأنا تقنيا لست بارعا فيها بالقدر المتصور افتراضيا لكني أتدرب وأتحسن."
كل شيء مجرد تمرین في النهاية وبإمكانه فعله بلا توقف مع تسرب طفيف للتحسن في مواطن غير متوقعة. حتى اللحظات القليلة التي استطاع فيها بن الاتصال بمورا في اليوم السابق قد حفرت البنية العقلية للصبي في رأس بن مما حسّن قليلاً من قدرته على خلق الأرواح حتى في غياب الضرر الواقع على روحه من سحب المانا عبرها. ما منحته إياه سلسلة الأسئلة تلك كان مجالا يمكنه سلكه فطرح سؤالا على واحده الخاص.
قال: "أمهتم أنت بصنع الأشياء؟"
قال الروح: "لا يهم، لا يمكنني استخدام السحر على هذا النحو ولا أستطيع تجسيد الأرواح."
قال: "أجربت ذلك بالفعل؟"
قال: "أعلم فحسب. ليست تلك مقدرتي."
كان سماع ذلك مفاجأة. وبينما كان بن يفعلها مستخدما مانا بلا عناصر فقد كان واثقا من أن مانا الحياة أو الموت قادرتان على إنجاز الأمر بالنظر إلى طبيعتهما مما ترك في نفسه تساؤلا عما إذا كان الأمر يعود لاختلاف نظرتهما إلى العالم. لهذا السبب استطاع بن خلق المزيد من المواد السحرية حين طبق قدرا أكبر من المانا على عملية التجسيد وهو أمر أدركه أبروس غريزيا لعلمه بعدم قدرته على فعله بالطريقة ذاتها التي يفعلها مورا حيث قال روح الأرض العظيم وقتذاك إن محاولة فعل كهذا لم تكن لتمنحه سوى المزيد من المادة الأصلية.
دل ذلك على حدود ضيقة لتلك الكائنات بالغة القوة والتي لا يشهدها عادة والتي قد لا تعي هي نفسها وجودها حتى تواجه ما يعجزها فركن الأمر جانبا لوقت إضافي معيداً تركيزه إلى الصبي المرافق له.
قال بن وهو يجسد كتلة من الصلال ويمرها إليه: "حسنا، حتى إن عجزت عن تجسيد الأرواح أو استخدام سحر آخر فهذا لا يعني عجزك عن صنع أي شيء. ما رأيك بدرس فنون مصغر؟ ومن يدري، ربما..."
همّ بالقول إن الصبي قد يظفر بمهارة تتعلق بالأمر لكنه تسمّر مكانه وقد قفز إلى صدارة ذهنه سؤال لم يمعن التفكير فيه قط. أيمكن للأرواح اكتساب مهارات والترقي فيها مثلما يفعل البشر؟ كان يعلم منذ لقائهما الأول أن أبروس بذل جهدا على الأقل ليرى إن كان بوسعه كسب سحر لا عنصري إذ لو استطاع لشكل ذلك مسارا جديدا وجذريا نحو القوة بين يديه لكن بحسب ما بدا فلم يلوح أي بصيص نجاح حتى بعد أعوام من المحاولات.
وما عدا ذلك فمن بين آلاف الأرواح التي اتصل بها حين وفودها إلى ثيرا لم يصادف قط روحا تحمل مهارة سوى سحرها الفطري المرتبط بروحها. غير أن عدم رؤيته لذلك لا يعني استحالة حدوثه. فنظرا لبنى أجسادها وتكويناتها الفريدة كان مسلما بوجود حزمة من المهارات التي لن تستطيع أبدا نيلها. وحين ترتبط كل صفاتها مباشرة بالمانا في أجسادها ودون تجاوز حدودها فهذا يعني عدم بلوغها أي مهارات متصلة مباشرة بالصفات مثل التعزيزات الخاصة بها أما فيما يخص مهارات عنصرها فنيا فكل ما كان بمقدورها كسبه ينبغي أن يكون حاضرا بالفعل في أسحارها الفريدة والقوية.
كما أن بُناها العقلية تعني على الأرجح انتفاء الحاجة لمهارات المعرفة فبن لم يظن أنها بحاجة لمثل ذلك لمساعدتها على تذكر شيء وبقي الغموض يكتنف إمكانية حصولها على الكثير من مهارات العقل الأخرى فما بالك بما يتجاوز ذلك؟ بمدى قوتها كان واثقا من عدم وجود سبب يدفعها لتجربة أمور كسفن القتال أو أي مهارة قتالية أخرى لكن لو تدربت أكان بمقدورها؟ وماذا عن شغفه الخاص المتمثل بمختلف تخصصات الصنعة؟
إن امتلكت روح حقيقية الدفع والشغف أستستطيع اكتساب مهارة فيها والترقي صعودا؟ وإن استطاعت فماذا سيشكل ذلك لها؟ والأهم من ذلك ماذا سيعني لو استطاعت إيقاظها؟ قد لا تستطيع الأرواح تنمية صفاتها اعتياديا لكن إيقاظ مهارة يختلف عن أي نمو عادي فإن بلغت روح أمرا كهذا أستحظى بالتحسن ذي النسبة الخمسين بالمئة الذي يناله أي بشري دافعة إياها متخطية حتى سائر أبناء جنسها؟ ومن هناك ماذا لو استطاعت بلوغ المرتبة الثالثة لتلك المهارة دافعة الروح نحو مرتبة السيادة الحق؟
تملكه الفضول فورا لكنه بذل جهدا لكبح جماحه. لن يعامل مورا كفأر تجارب ومع اقتراب الموجة الثالثة فلا سعة لأي من الأرواح العظيمة لاجتياز تدريب محتمل لأشهر لرؤية ما إذا كان أمر كهذا ممكنا ولم يكن بحاجة للسؤال ليعلم انعدام رغبة الأرواح العادية في فعل كهذا مما يعني استحالة اختباره. مع أن أوغيلت يبدو مالكا لبعض وقت فراغ… لا، بالحالة التي عليها فلن يمتلك أي شغف لمحاولة التعلم.
مما يعني أنه مهما بدت فكرة شيقة فعليه نبذها. فما من سيلة لرؤية إمكانية حدوثها وحتى لو صحت فلا يزال هناك احتمال استغراق أشهر أو أعوام لبلوغ أي نجاح يذكر. لكن إن أبدى مورا اهتماما بصنع الأشياء فليس وكأنني ينبغي ألا أدعم الأمر… مع تدفق أفكار شتى في رأسه آن واحد نفضها بن بعيدا في النهاية. إن أراد مورا التعلم فسيعلمه بهذه البساطة ولن يلقي بالا لما إن كان الصبي قادرا على كسب المهارة أم لا.
قال أخيرا: "عذرا، تجاهلني. ولنحاول الآن الاستمتاع باكتشاف متعة الفن فمن يدري، لعلها تعجبك."