قال بن وهما يمشيان في طريق العودة محاولاً أن يبدو مرحاً: "وهكذا تنتهي مهمة واحدة لهذه الليلة. لم يبقَ الآن سوى التحدث إلى سونيا وترتيب غرفة مورا، وسيكون الأمر رائعاً. هل ترغب في اقتناء شيء معين لها يا صاحبي؟"
رد: "لا أحتاج إلى شي."
"بالتأكيد، لكننا لا نتحدث عن الاحتياجات. أتحب أثراً معيناً، أم كتباً أم لوحات أم أي شيء آخر؟"
"...أنا بخير."
يصعب الصغير الأمر حقاً بإبقاء أفكاره محجوبة عني. كان قراءة الأفكار مهارة عملية للغاية لتجاوز الرسميات والوصول إلى جوهر أي أمر، لذا بدا عجز بن عن اختراق حجاب أحدهم تحدياً حقيقياً بالمقارنة، ولكن إن أراد الصبي شيئاً من الخصوصية وجب على بن أن يحاول احترام ذلك على الأقل مهما بلغت صعوبته، بينما أثارت ثيرا مسألة أخرى.
تمتمت وهي تدرك أمراً كان عليها التفكير فيه منذ فترة طويلة: "يا للملائكة. أمم، يا مورا، ماذا تود أن تفعل غداً؟ الخيار إما أن تأتي للعمل معي أو مع بن، لكن... أنا ذاهبة إلى المستشفى وليس ثمة الكثير مما ينبغي تعريض طفل له..."
"يمكنه المجيء معي أثناء عملي إن كنتم ترغبون. سأكون منهمكاً في تدريب ديلير، ويمكنني تعليمه بعض الأمور في أثناء ذلك إن رغب."
"حسناً، ربما يكون ذلك هو الأفضل -"
قال الطفل مقاطعاً ومعلناً رأيه للمرة الأولى بينما يقترب قليلاً من ثيرا التي نظرت إلى بن لتتلقى منه هزّة كتفين: "سأذهب إلى المستشفى."
"إن كان هذا ما يريده فلم لا ندعه؟ فإن زاد الأمر عن حدّه أو شعر بالملل فخذي استراحة وأحضريه إليّ، ويمكنني ابتكار بعض الخيارات الترفيهية."
"...حسناً، يبدو خطة جيدة."
لم تكن متأكدة من أن اصطحاب مورا معها أثناء عملها فكرة سديّة حقاً لكن المسألة برمتها جعلتها ممزقة. لم تكن لتصطحب طفلاً في الظروف العادية لكنها كانت لتسمح لأي روح باتباعها دون تفكير ثانٍ، وقد تبين حقاً أن التعامل مع شخص يجمع الأمرين معاُ أمر معقد. لكن الصبي بالكاد نطق بكلمة طوال ذلك اليوم ما لم يُسأل أولاً، ولم تستطع رفضه حين أفصح عن رغبته في مرافققتها. كان عليها شرح الأمر لزملائها عند وصولها لكن كان عليها المحاولة على الأقل، ليحل محل سيل من المخاوف في رأسها مع حلول وقت العودة إلى المنزل، مما جعل الحديث مع خالتها يتراجع إلى المرتبة الأخيرة في قائمة الأولويات.
لكنها أولوية سيكون عليها تأجيلها. لقد أصبح الوقت متأخراً لدرجة تجعل سونيا مستغرقَة في النوم غالباً، فعملها دائم ومضنٍ كعمل أي شخص آخر، مما أرجأ حديثهما إلى الصباح ودفع بن وثيرام لخفض نبرة صوتيهما.
سألت بينما هزت رأسها نفياً: "أنظف غرفتي القديمة سريعاً إذن؟"
"يمكننا فعل ذلك غداً، فليس لدينا الكثير هناك سوى شجرتك."
"فردريك شجيرة."
"ربما كانت كذلك في مرحلة ما لكني لا أدرك البتة كيف تجعلها تنمو بهذا الحجم. على أي حال، المكان مريح بما يكفي لهذه الليلة ويمكننا العمل عليها من هناك. يا مورا، أستكون بخير هنا الليلة يا عزيزي؟"
"أستطيع."
نطق بها بحيادية تامة تشبه كل ما قاله طوال اليوم لكنها تركت ثيرا مترددة قبل أن تستسلم في النهاية.
"حسناً، لكن إن احتجت إلى أي شيء فغرفتنا هناك تماماً، فلا تتردد في الدخول وإيقاظنا، أتعلم؟"
"حسناً."
"حسناً، إذن، لتكن ليلتك..."
توقفت فجأة وارتسمت على وجهها ملامح الإدراك مرة أخرى بأنها لا تستطيع الاكتفاء بصغر سنه، بل عليها إدراك إرثه الروحي الكامل.
"أنت لا تحتاج إلى النوم، أليس كذلك؟"
"لا."
عصر بن جبينه. كانت تلك نقطة لم يحسب لها حساباً أيضاً، إذ استغرقه بقية اليوم لدرجة أنه لم يكلف نفسه عناء التفكير في تبعات رعاية روح، لكنها كانت حقيقة واضحة بلا حل حقيقي. لن ينام مورا أبداً، وحتى لو استطاع بن نفسه قضاء أيام بلا نوم في هذه المرحلة، فإنه لا يزال بحاجة إليه، بينما كانت ثيرا أسوأ الثلاثة في البقاء مستيقظة رغم مستويات مقاومة النوم لديها. ويعني هذا - إلى جانب كل التزاماتهما الحياتية عموماً - أن مجرد محاولة توزيع وقت مناوبتهما طوال الليل لضمان وجود شخص مع الصبي دائماً سيمثل صراعاً، والبديل هو تركه وحيداً لساعات طويلة.
لكن أكان الأمر سيئاً إلى هذا الحد؟ لم يكن بصغر عقلي صغر سنه الزمني، ولم يكن ثمة ما يمنعه من قضاء ساعات قليلة بمفرده، وطالما حصل بن على قسط يسير فبإمكان الاستيقاظ مبكراً لقضاء بعض الوقت مع الصبي. لم يكن الوضع مثالياً بالطبع، لكن الوقت كان متأخراً لمحاولة إيجاد حل أفضل، ولم يبقَ سوى كيفية شغل الصبي لوقته.
"يا مورا، أستكون بخير لمدة ثلاث ساعات تقريباً إن لم يكن أي منا مستيقظاً؟"
"سأكون بخير."
"حسناً، هل هناك ما تحب فعله؟ كتب أم ألعاب؟"
"...اللعبة الوحيدة التي لعبتها كانت الورق اليوم."
شعرت بثيرا تتوتر قليلاً إلى جواره ولم تكن بحاجة لقراءة الأفكار لتدرك أنها تلعن خالتها في سرها بينما حاول بن ارتداء ابتسامة لطيفة.
"أرى ذلك، حسن إذن، فهذا يعني أن أمامك الكثير لتجربته وتستكشفه. نأمل أن نجد شيئاً يستمتع به. امنحني دقيقة واحدة فقط."
توجه إلى غرفة المعيشة حيث يحتفظ ببقية الألعاب التي صنعها، والتقط جميع الألعاب الفردية السحرية على شاشات ماسية ليعود بها ويضعها جميعاً على مكتب غرفة الصبي الجديدة.
"حسناً، ها هي لك. بما أن لديك متسعاً من الوقت، فلم لا تمرر قليلاً من المانا عبر كل لعبة وتجربها؟ إن أعجبك شيء حقاً فيمكنني صنع المزيد منه. وأما الكتب... همم، ما هي الكتب الجيدة؟"
كان ما قرأه من أدب عالمه الجديد ضئيلاً، ولا سيما حين تعلق الأمر بأدب الأطفال، لكنه استدعى كتباً كاملة ظن أنها قد تكون ممتعة، مستعيناً بمخزون الأرض أيضاً بعد ترجمته في عملية بدت وكأنها تجذب اهتمام الروح الصغير مرة أخرى، ولو لفترة وجيزة. بدا أن الصبي يملك شغفاً بالمواد المستدعاة لكن ذلك أمر يمكن النظر فيه لاحقاً، أما في الوقت الحالي فلم يكن هناك شيء آخر يستطيع هو أو ثيرا فعله، لا سيما مع شعورهما بالتعب، لذا ودعاه بمزيد من القلق مما أراها أن يعترفا به ووعدا بالاستيقاظ قريباً قبل أن يتوجها إلى سريرهما، حيث دفنت ثيرا وجهها في صدر بن فوراً.
تمتمت بصوت مكتوم: "لم يمضِ حتى يوم وأنا أفشل في هذا تماماً. يا بن، كيف يُفترض بي أن أجعل طفلاً ينفتح عليّ؟"
"الوقت والصبر هما كل ما يمكننا فعله على ما أظن... لكن ثمة أمر آخر ينبغي لي ذكره على الأرجح."
"أسيجعل الأمور أسوأ؟"
"إنه أمر يجب التصدي له والتعامل معه، لذا ربما قليلاً؟"
"...حسناً، قل لي وحسب."
"أنا متأكد تماماً أن مورا يعاني من الاكتئاب. ليس بمستوى اكتئاب أوغيلت لكن النظرة الخاطفة التي ألقيتها في عقله كانت سيئة للغاية."
"...طبعاً يفعل. يا للملائكة، عليّ أن... أجري حديثاً حاداً مع فيفيفوس."
كانت تحاول كبح رغبتها الواضحة في قتل خالتها بينما كان طفل روح الحياة قريباً بما يكفي لاحتمال سماعه حديثهما بوضوح شديد، لكنها لم تكن بحاجة لذلك، فقد استوعب بن الفكرة تماماً. بل إنه شعر بالكثير من ذلك أيضاً. فبقدر ما كان ديلير كرة من الحياة والطاقة في محيطه، كان مورا منكماشاً على نفسه، بالكاد ينطق بما يزيد عن الحاجة، وبدا جلياً كأنه لا يميل إلى قول المزيد. بداية فظيعة لحياة خالدة بدت وكأنها صنيعة أولئك الذين أتوا به إلى العالم.
لكنها مجدداً لم تكن مشكلة ذات حل سهل. ستتطلب عملاً ووقتاً شحّت موارده لدى كل من بن وثيرا، وكل ما احتاجاه في تلك اللحظة هو الراحة، لذا بذلا قصارى جهدهما لتجاهل الأمر، واستغرقت ثيرا في النوم أخيراً بينما أجبر بن عقله على الانتقال إلى عالم ملكه تحضيراً لليلية مزدحمة بدت وكأنها تنتظره.