قال بن فور وصوله: "حسناً، ما الذي تبغونه بحق الجحيم لدرجة حرماني حتى من بضعة أيام لأغضب فيها"، موجهاً معظم غضبَه نحو فيكث بينما كان ميراياد يطفو إلى جانبه، وأردف: "حقاً، إن كنتم تفقهون شيئاً في أمر البشر فتعلمون أن الكثير منا يكره الإزعاج وقت العكر".
فأجابه مَلِك الحجارة: "أود فقط فرصة للحديث يا بن".
"ها أنا ذا، فتكلّم".
لم يكن يضمر أي ودّ، غير أن الكيان الماثل أمامه لم يعبأ بذلك، متوقعاً هذا منذ البداية إذ جلب كرسياً ليجلس عليه، محاولاً التبدّي بلين أكبر أمام البشري الغاضب.
فقال: "أعلم أنك لست سعيداً..."
"يا له من استنتاج تحريعي عبقري بحق الجحيم".
فتنهد قائلاً: "وأدرك سبب ذلك، لكننا نبذل جميعاً قصارى جهدنا، وأنا أبذل قصارى جهدي. وُضعت أساساً لأكون قائد النقاشات معك منذ فترة بسيطة لسبب واحد، وهو أنني حيادي تجاه أفعالك بطريقة لا يشاطرني إياها الكثيرون هنا ممن يحبونك أو يكرهونك، ويرتبط بذلك الحاجة الملحة للنظر إلى العالم ككل. لا سبي لإرضاء الجميع بكل ما نقعل، والغاية عادة هي منع أي شخص من بلوغ التعاسة المطلقة".
"أخفقتم بعض الشيء في هذا الجانب، أليس كذلك؟ بالطبع، ما قيمة أمري أنا؟ مجرد بشري وضيع بحق الجحيم، لا يستحق التفاتة منكم أيها الملوك المتعالون الذين يحكمون هذا العالم الهالك بكل كرم".
كان التهكم طاغياً في صوته، لكن فيكث تجاهله مجدداً وهو يطيل النظر في عينيه، وقال: "نعم، لقد أخفقنا معك في هذا، لكني أرجو أن تحاول تفهم السبب. بغض النظر عما قد يلوكه بعض الملوك الأكثر صخباً في هذا الأمر يا بن، أنا أكنّ لك قدراً لائقاً من الاحترام حقاً. لقد عملت بجد طوال مدة إقامتك هنا، بجد أكبر من معظمهم، وقد أزهرت مهاراتك وموهبتك استثنائياً بفضل جهودك، لكنك مجرد فرد. ومن خلال سبل النمو التي عثرت عليها لنفسك، ستنمو لأبعد من ذلك، غير أن بوسعك توظيف تلك القدرات لمساعدة الآخرين على تجاوز حدودهم أيضاً. لا أحد يستطيع إجبارك يا بن لكني أرجوك، ساعد المتنافسين وأصحاب الطبقة الثالثة في العالم على النمو".
"...أتدرك ما أغضبني أكثر من طلبك ذاك في المرة الأولى؟ لم يكن رغبتكم في أن أساعد فحسب، بل إنكم شلتكم لم تنصتوا إليّ ولو لمرة واحدة طوال تعاملاتي معكم".
"وكيف ذلك؟"
"أعمل فأتقاضى أجراً، الأمر بهذه البساطة، ولكن بدلاً من محاولة التفاوض أو تقديم أي عرض مقابل جهودي واكتشافاتي، انتظرتم حتى اعترض طريقي مَلِك عشوائي لتدسّوا أنفسكم".
"أدرك أنك قد لا تكون راضياً عن ذلك، لكن هذا لا يكلفك شيئاً وسيرضي الأكثر صخباً بيننا ممن استاءوا من طريقة صرف مكافأتك الخبروية في المرة الفائتة".
"تباً لهم وتماً لك. الأمر ليس متعلقاً بهذا، ولم يكن كذلك البقط. لم أفلح قط في أي أمر دون أن أضطر للقتال بأسناني ووحشتي لأحظى بتعويض لائق مقابل عملي. ظن بعضكم أنني خدعتكم في المرة الأخيرة؟ نعم، لقد خدعتكم بحق الجحيم، ولكن هل كنتم لتكافئوني لولا ذلك؟ قلت حينها إنني أستحق المكافأة بمستويات وبركات من كل ملوك العالم، وتدرون ماذا؟ كنت محقاً حينها ومحقاً الآن. إن لم تروا أن إنقاذ الكوكب بأسره بل إنقاذكم أنتم جميعاً يستحق كل ذلك القدر، فإن تمسككم بأسريتكم يجعلكم أكثر طمعاً مما قد أكونه يوماً".
"لكن توقيت ذلك..."
"ماذا، أتظن أن هذا مثالُّ الوحيد؟ الدعامات التي صنعتها، والأغراض الأسطورية والنادرة للغاية التي غرقت فيها العالم، وحقيقة اكتشافي اندماج الشياطين داخل النظام، وحقيقة أنني ساعدت شخصياً في إيقاظ المئات فوق أكوام مما صنعته، ومع ذلك، كل ما يراه ملوك هذا العالم هو شخص يستغلونه. كم شخصاً على قيد الحياة واستفاد مني؟ بحق الجحيم، لنصبح أكثر شخصية. كم شخصاً من أتباعكم على قيد الحياة أو استفاد من وجودي على هذا الكوكب؟ ممن نجوا من الموجة الثانية بعد إيقاظهم على يدي أو نجوا من هجوم شيطاني وفي أيديهم أحد أسلحتي؟ أتريد معرفة سبب رفضي للقيام بهذا يا فيكث؟ لأن كثيراً منكم هنا يرون في عدم احترامي بالشكل الذي تتخيلون أنكم تستحقونه دليلاً على أنني أدنى من أي بشري آخر، في حين أن جل ما أفعله هو منحكم نفس المجاملة التي أمنحها لأي شخص أصادفه. عملي وجهدي غير مقدرين، وكل ملك يظن أن السبب هو افتقاري للتواضع يحتاج إلى إمعان النظر في نفسه حقاً. لقد أخفقتم إذن. لن أساعد الكوكب بعد الآن، وبصراحة، لقد قضى هذا الحوار على آخر ومضة تردد شعرت بها حيال الأمر".
صمت فيكث لبرهة مستوعباً ما قاله بن، قبل أن ينطلق إشعار بينهما ليقطع الصمت.
<اكتسبت بركة فيكث>
"هذا لن يغيّر رأيي."
"ليس مفترضاً به أن يفعل"، تنهّد.
"بل ليظهر أنّني لا أختلف معك، وللقليل ممّا يعنيه الأمر، أنا أُقدّر الجهود التي بذلتها في سبيل هذا العالم. ولأشتري لنفسي آملًا بضع دقائق أخر من وقتك قبل أن تغادر غاضبًا."
"حسناً..."
"شكراً لك، سأعود بعد قليل."
تَرَكَهُم هناك، حيث بقي بن وميرياد وحدهما في العالم بينما انكمش الرسول.
"يا للهول، يا لها من لجاجة"، تمتم قبل أن يلتفت إلى سيده.
"إذن ما الخبر يا ميرياد؟"
"أقلق عليك"، قال بنبرة متألمة.
"لم تقطعني عنك هكذا من قبل، لقد انزعجت."
"آه، عذراً، أنت تعلم أن الأمر لم يكن بسببك. وكما قلت، احتجت فقط إلى استراحة من كل شيء... حسناً، أكثر من ذلك بقليل. سؤال افتراضي لك. لو أنني هجرت هذا الكوكب برمته، أسترافقني؟"
"لا يبدو الأمر افتراضياً البتة في الوقت الحالي."
"افتراضيّ للغاية، لست أملك مركبة فضائية."
"لا، بل تملك روح فضاء وقدرة على ضخّ كميات لا نهائية من المانا فيه."
"يا للهول، لم أُفكر في ذلك أبداً قط. ما أدهك يا ميرياد. أجب عن السؤال الآن."
"بن، إن استطعت إنقاذ نفسك فسأكون في غاية السعادة، لكن لدي الآن مئات البشر الذين يمنحونني إيمانهم في هذا العالم. لا يمكنني التخلي عنهم هكذا ببساطة."
"آه، لا داعي للقلق بشأن ذلك، إن غادرت فسأختطفهم جميعا وأصحبهم معي. افتراضياً بالطبع."
"..."
"على أي حال"، تابع بن، مغيرًا الموضوع ليمنح سيده وقتاً للتفكير في الأمور.
"ما الذي حدث هنا بينما كنت آخذ استراحتي؟ كانت ممتازة بالنسبة لي شخصياً، فقد عملت على فني بطريقة لم أعهودها منذ دهور، واشتريت شتى المكونات الجديدة فضلاً عن تجربة مجموعة من الأطباق الجديدة. بصراحة، لو أنني لم أقضِ الوقت في حالة من الغضب الشديد لكانت أيّاماً رائعة حقاً."
"يا لروعة الأمر بالنسبة لك"، قال ميرياد بجهامة.
"لقد كان الأمر كابوساً من الاجتماعات والنقاشات هنا."
"مم؟ لماذا، ماذا يجري؟"
"أنت. لقد كانت تدور حولك بوضوح، وحول كيف سارت الأمور. بحق الجحيم، تولى ناري وهيلوري زمام الأمور نيابة عن ملوك الصناعة والمعرفة لإجبار البقية على محاولة استيعاب المدى الكامل لما فعلته من أجل العالم حتى الآن، وذلك من حيث عدد الضحايا المتوقع الذي انتهى به الأمر وحده."
"بالنظر إلى كيف انتهت الموجة الأولى، أشعر بشيء من التعقيد حيال ذلك."
"لم يكن ذلك قيد الاعتبار، بل جهودك وحدك. عندما ينظرون إلى كل ما صنعته وأنجزته، فإنهم يقدمون نقطة مقنعة للغاية مفادها أنك العامل الأبرز في إبقاء الخسائر منخفضة إلى هذا الحد، ومع بعض اختراعاتك الأخيرة، سنشهد انخفاضاً ملحوظاً في فرصنا للبقاء على قيد الحياة في الموجة الثالثة إن توقفت عن صنع الأشياء."
"وأنا متأكد من أن الكثيرين هنا ما زالوا لا يبالون."
"حسناً... ما يهم هو أن الكثيرين بالوا. إن كل عمليات الصحوة التي ساعدت فيها لا يمكن الاستهانة بها يا بن. ولهذا السبب وحده، لا تزال مدن بأكملها موجودة. بغضّ النظر عما قد يشعره الآخرون، فإن الملوك الذين يعرفونك يريدون أن يروك تنال التقدير الذي تستحقه."
"حسنً، شكراً لك. سأضع ذلك في الاعتبار عندما أقرر إن كنت سأهجر الكوكب."
"افتراضياً."
"افتراضياً."
بابتسامة خفيفة على شفتيه إزاء هذا المد والجزر، ومع تلك الكلمات الأخيرة ظهر فيكست من جديد في العالم وأعاد بن بصره إليه.
"إذن؟ أعدت حجة مقنعة لمساعدتي؟"
"ربما."
<اكتسبتَ مباركة البانثيون الكامنة> <ارتفع مستوى الإلهام غير الطبيعي> <ارتفع مستوى تعزيز العضة> <ارتفع مستوى مقاومة الثقب> <ارتفع مستوى تعزيز الذكاء غير الطبيعي> <ارتفع مستوى تجدد الدماء> <ارتفع مستوى تعزيز النكهة> <ارتفع مستوى النية الخبيثة> <ارتفع مستوى تقارب الدمار> <ارتفع مستوى التقارب الشرير>
أتركته طوفان الإشعارات غير المتوقع في حالة من التوقف ريثما استوعبها كلها، إذ لم يكن يتوقع شيئاً كهذا ولم يكن مستعداً له، ولا لما يعنيه. إن كان الأمر على ما يدو، فقد تلقى للتو شيئاً يعادل مباركة البرج، مباركة منحها ملوك العالم الذين يسيطرون على أصحاب السحر الكامن. منحة غير متوقعة بالمرة، كبيرة لدرجة أنه شعر بنفسه يلين قليلاً فكرة فعل ما يريدون لكنها لم تكن كافية ليخضع.
كانت رائعة، لكن أكانت تستحق الأسابيع أو الأشهر التي سيخسرها لفعل ما يريدون؟ لم يكن يدري لكنه أراد أن يرى ما لدى السيد الذي منحها إياه ليقوله.
"إذن ما قصة هذا الأمر؟"
"لأُظهر لك أن هناك ملوكاً في هذا العالم يقدرونك حقاً يا بن. إن ملوك السحر الكامن على وجه الخصوص لن ينسوا أبدا ما فعلته من أجل شعوبهم."
أراد أن يقول إنه إن كان الأمر كذلك فإن الحصول على مباركتهم الجماعية ما كان ليأتي نتيجة تخليه عن العالم، لكنه حبس لسانه عن الخوض في هذا الأمر، وقام بقول شيء آخر بدلاً من ذلك.
"إذن، بما أنني نلتها، فيجب عليّ ببساطة أن أُنفّذ ما ترغبون، أليس كذلك؟"
"لا. خذها دليلاً على الإخلاص وطلباً لإتاحة الفرصة للحديث ومناقشة الأمور. كنت محقاً من قبل، سأفعل ما كنتَ تودّ مني فعله منذ البداية تماماً. أودّ الحصول على فرصة للتفاوض على مساعدتك."