بعد أن أتمّ خطّته الأولى، استمرّ في عدِّ الثواني حتّى يحين الوقت الذي يرى فيه المَلِك مصيره المحتوم، منتظراً إلهاءً باهراً لا محالة، لكنّه أجبر نفسه في تلك الأثناء على مواصلة القفز والتفادي متجنّباً قدر الإمكان ما استطاع من التعاويذ، بينما كان يشعر بجسده يتداعى في خضمّ ذلك. كان يجهد نفسه بلا هوادة، فما بوسعه سوى التحمّل، فهو رجلٌ واحدٌ في مواجهة سربٍ يتكاثر دقيقةً بعد دقيقة، حتّى وهو يردّ الهجمات متى أتيحت له الفرصة لمحاولة تقليص أعدادهم.
كانت شياطين الغابات تنقضّ عليه، وميزته الوحيدة تمثّلت في عدم اقتراب أحدٍ منهم بشدّة، إذ آثروا إطلاق تعاويذهم مع الحفاظ على مسافةٍ آمنةٍ بينهم وبينه. كانت تلك ثغرةً سيلزم عليه اختراقها حتماً، لكنّ وقتها كان آتياً لا محالة. ولم يتبقَّ سوى عشر ثوانٍ ليرى المَلِك المستقبل الذي عمل بن بجهدٍ مضنٍ على صنعه، فاستنفر كلّ عقله باستثناء مئتي جزءٍ منه، ووجه البقية للبحث عن خياراتٍ متنوّعةٍ للكيفية التي يريد بها مواجهة المستقبل، مقسماً إياه إلى مئات الآلاف من المسارات المحتملة، ومباغتاً المَلِك المسيطر في اللحظة ذاتها التي كان سيشهد فيها النهاية الحقيقية التي صاغها بن.
ومع ذلك، كفى الأمر لصنع إلهامٍ مشتّت، ممّا أرجأ ذلك الاكتشاف قليلاً، فاستغلّ تلك الثغرة ليدفع نفسه إلى الأمام، مفعّلاً حذاءه للحصول على أقصى سرعةٍ ممكنةٍ لاجتياز المسافة الفاصلة بينهما بينما كان المَلِك يرمقه، متأهّباً للتفاعل أولاً، ثمّ متجمّداً مرةً أخرى وقد أدرك الحقيقة، إذ إنّ أيّ محاولةٍ كان يهمّ بفعله لفتت الانتباه إلى نقطة النهاية لكلّ مساراته بغضّ النظر عمّا يختاره.
نهايةٌ اختفى فيها جميع حاملي المهارات المُستيقظين الذين جلبهم إلى طاعته. مستقبلٌ عجز عن معرفة سبل منعه، وآخر شرع بن في صنعه قبل ساعاتٍ، حين استخرج كلّ حجر فراغٍ متاحٍ من أسلحته. ذهبت قطعةٌ واحدةٌ لحجز أزول، وكميت، وجويس، لكنّ القطع الثلاث المتبقية هي التي كانت ذات أهميةٍ حقيقية. في كلا المرتين اللتين هاجم فيهما باتو وفون عبر محاولة طردهما بوابلٍ من الحصى، دسّ قطعةً من حجر الفراغ المسحور في ملابس كلٍّ منهما، مستخدماً سحره لربطها بالقماش بحيث تصبحان محاصرتين في مكانيهما أينما ركض هذان الاثنان، ثمّ فعل شيئاً مشابهاً مع ثيرا.
أمّا في حالتها، فلم يكن أمامه سوى توخي قدرٍ أكبر من الدقة. حين هاجم الآخرين لم يكن الأمر يستحقّ عناء التفادي عندما استطاع المَلِك رؤية خروجهما سالمين، لكن في حالتها استطاع أن يتخيّل بسهولةٍ مستقبلاً تستخدم فيه أدنى جزءٍ من قوتها لصدّ الهجوم، ممّا أجبره على استخدام عقله عوضاً عن ذلك، متجسّداً حوله ليحمل الحجر الصغير ببطءٍ حتّى تمكّن من إلقاء سحره لربطه بملابسها بالطريقة ذاتها.
وكلّ ذلك أفضى إلى تلك النتيجة الواحدة مع بدء المَلِك في الذعر. وفي حين كان بوسعه افتراضياً اجتناب ذلك المستقبل إن عثر على الأحجار أو فكّر في شيءٍ كنزعها، فقد علم بن من التجربة الشخصية أنّه مهما بلغ ذكاء المرء أو مدى بُعد نظره، فستظلّ هناك دائماً نقاط عمياء في تفكيره يصعب التعامل معها. وبات تخبّطه المستمرّ يجلِي ذلك أكثر فأكثر. لم يدرِ ما يصنع حيال ما كان جارياً، واقترب الحدّ الأقصى للوقت بسرعةٍ تضاهي سرعة بن وهو يجري نحوه، مخاطباً ميرياد طوال طريقه ليحافظ على تنوّع المستقبلات من حوله قدر الإمكان.
أعطني رقماً! <ستون ألفاً وثلاثة وأربعة.> تهاوت المستقبلات حين جسّد بن زيتاً تحت أقدام شيطانٍ قريبٍ قبل إلقاء تعويذةٍ على قطعة صخرٍ لتشتعل ويرميها فوقهم، مضرماً النيران فيهم. مجدداً! <مائة وتسعة وتسعون ألفاً وستمائة وسبعة وخمسون.> والمزيد من التجسيد حين أخذ بن نفساً عميقاً قبل أن يصنع كتلتين كبيرتين من الغاز المتجمد وسط الحشد لتبدآ في الذوبان السريع حولهم وتجبران الجميع على التعامل مع آثارهما.
لقد جسّد الأدنى في درجة التجроз التي يعلمها، ومع خلقه في غاباتٍ دافئةٍ بطبيعتها، شرع فوراً في التسامي إلى غازٍ شديد البرودة بدأ في تجميد المنطقة المحيطة بينما استنشقه الآخرون. لن يقتل أحداً لكنّه لن يكون لطيفاً البتّة، حتّى إنّه استطاع شعور لدغته على جلده بما توقّع أن يحتاج إلى علاجٍ لاحقاً، ومع اختناق الهواء حولهم سيترك الكثيرين في حالة هذيانٍ حتّى يتشتّد الغاز بينما واصل تقليص المسافة.
مجدداً! <أربعة وثمانون.> جانبٌ من التجسيد في تلك المرة كلّما اقترب، مجسّداً معدناً مغلياً ليمطر من حوله بطريقةٍ واصلت إجهاد عقله بينما صرخ كلّ من في المدى. لقد علم من تجاربه أنّه كان ينقل شعوراً بالحرارة القصوى بطريقةٍ تسبب ألماً طاغياً، لكن لأي سببٍ كان، لم تكن هناك طاقةٌ حقيقيةٌ تُنقل. جوهرياً، كان هجوماً نفسياً من نوعٍ ما يهدف لإحداث المعاناة لا غير، وليس وكأنّ أهدافه ستدرك ذلك.
حتّى لو استطاعوا رؤية المستقبل ومعرفة أنهم سينجون منه، فلم يجعل ذلك العذاب أقلّ واقعيةً بينما كان يحافظ عليه. استطاع بن رؤية أنّ كلّ ذلك كان يرهق المَلِك أيضاً، مفرطاً في التحفيز من هجمات بن ومن كلّ المستقبلات التي واظب على خلقها حين اختار واحداً وانتقل للذي يليه، مفضياً في النهاية إلى نصر بن. لقد أقسم لنفسه بأنّه مهما حدث فلن يهاجم المَلِك المسيطر إلّا بعد انقضاء الدقائق الخمس التي احتاج إليها، وأجبر نفسه على الالتزام بذلك بكلّ كيانه.
ولو أنّ جزءاً يسيراً منه نوى الهجوم حين يصبح في المدى، لقاد ذلك إلى مسارٍ يرى فيه ما يخطط له ويحاول منعه، لذا حتّى بعد أن ظفر بن بنصره عبر حجب تلك المستقبلات والتوغل في عقل المَلِك، لم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ. لقد حجب ذلك المسار عن نفسه للاقتراب إلى هذا الحدّ، وفي حين علم جزءٌ منه بأنّه لن يهمّ الآن وقد صار في المدى بالفعل، فقد أثبت التعامل مع النبوءات تعقيداً كافياً ليعمد بدلاً من ذلك إلى استخدام عقله الضخم لمعالجة كلّ ما رآه المَلِك واختيار المستقبلات التي أرادها لنفسه.
نتيجةٌ لم يدركها المَلِك. وفجأةً، تغيرت المستقبلات التي كان يراها، إذ لم يعد لديه مئات الآلاف لمعالجتها بل بضعة فحسب، ولكن في كلّ مرةٍ يتحرك فيها للاستفادة من أحدها كان يراها تتغير بالكامل أمام عينيه، غير مدركٍ أنّ بن كان يتفاعل مع أفكاره لتبديل النتيجة قبل أن تبدأ، ولا دارياً بمدى تفوّق خصمه. ربما استخدم مئات العقول لمعالجة المستقبلات حوله لكنّه كان يواجه الآلاف الآن ودُفع إلى الزاوية.
علم أنّه إن اراد البقاء فعليه تجاوز حدوده أو الهرب، والآن وقد بدا مغلوباً على أمره رغم الأعداد التي بحوزته، بدا الخيار جلياً حين حاول استدعاء باتو إليه، إلّا أنّ ذلك أُحبط في اللحظة التي وصل فيها. حين ظهر باتو، متأهباً بالفعل لنقل المَلِك، كان بن يهاجمه بموريبيوزيال مخزونٍ في إحدى خواتمه، رابطاً الآخر بسرعةٍ كفت لكسر العظام بلا شكٍّ لكنّه نجح في انتزاع مانا الخاصّ به أيضاً، تاركاً إياه فاقداً للوعي بينما حاصر المَلِك وابتدأ الخوف ينهش فيه.
وبات الهرب حقاً هو الخيار الوحيد الآن وهو يحاول بيأسٍ رؤية الكيفية، مستخدماً كلّ ما في طاعته للتفكير بجدّ أكبر بينما ضُغطت عقولهم وزاد الضغط على سحره الزمن، محاولاً تجاوز حدوده في مواجهة ما وجده. لقد ابتغى طرفاً جديداً، عقلاً وجسداً يخصّانه وحده، لكنّه وجد وحشاً لا يُصدق يستطيع تحريف المستقبلات أسرع ممّا يراها. كلّ حركةٍ استطاع فعلها جُوبِهت قبل أن يتمكن من إتيانها، دافعةً الوحش لإجهاد نفسه أكثر فأكثر، ليشعر بعينيه تنزفان ودماغه يتداعى تحت وطأة الضغط وهو يناضل في سبيل أيّ سيلةٍ ممكنةٍ للبقاء حين رأى مستقبلاً تلو الآخر إمّا مقتولاً أو مسيطراً عليه بنفسه، وما إن انقضى الحدّ الزمنيّ الأوّل واختفت أطرافه الأقوى، محققاً مستقبل سحبهم نحو حجر الفراغ المسحور الذي ربطه بن بهما، حتّى صنع ذلك اليأس تغييراً ما.
وفي لحظة صفاءٍ، شعر بالجدار الذي كان يضغط عليه وهو يتداعى بينما رنّت الإشعارات في رأسه، مخبرةً إياه وبن بما أفلح الضغط الذي مارَسَه في تحقيقه بينما أضاء وميضُ مانا الغابة.
<اجتمع سحر الوقت النبوي مع سحر الروح الضعيف المستوى تسعة لتنبثق سيطرة الزمان> <اكتسبت مهارة تعزيز سرعة التفكير العالي المستوى صفر>