انقطع الاتصال بلمسة عقل، فانتفض المَلِك من مجلسه مذهولاً. كان يعلم مسبقاً أنه لن يجدي نفعاً، لكنه لم يدرك قطّ طبيعة الشعور المرافق لذلك. شعور بأنه يُرى، ومكشوف على نحو لم يختبره طوال حياته، فطفق يتأمل كل المسارات التي خلقها الفعل بينما كان يستوعب ما حدث. شيء ما عطل صلته. مضت عصور منذ أن وقع مثل هذا الأمر، لكن ليس بمثل هذه الكيفية قط، وجعله التفكير في ذلك يشعر بأن مستقبله الخاص قد تشعب.
أكان عليه الهرب، أم قتل تلك المجموعة الأخيرة والاكتفاء بالقوة التي حازها بالفعل، أم مواجهتها للتغلب على أيّ شيء ذاك الذي لامسه لتوّه في محاولة لتحقيق النصر في النهاية؟ كانت رغبته تكمن في البقاء على قيد الحياة، كحال جميع الكائنات، ومع أنه كان يولي السلامة قدراً من الاهتمام ربما يعدّ غير مألوف لنوعه، فقد رغب في القوة أيضاً وأدرك أنها رغبة سيّده في بلوغها. شكّل ما يواجهه مع تلك المجموعة تحدياً، وربما كان تحدياً يتيح له النمو ليصبح شيئاً أعظم ممّا هو عليه الآن، أو إن أخفق، فسيضمن له على الأقل طرفاً جديداً يضعه على ذلك الدرب نحو القوة.
لذا، لا، لن يهرب ولن يقتلهم، ليس بعد. عوضاً عن ذلك، واصل المراقبة من بعيد بينما كانت تلك المجموعة تتحرك، متسللاً إليه إدراك مع كل خطوة تخطوها. كانت تلك المخلوقات تأتي في طلب أطرافه الأحدث. بالنظر إلى أنها كانت في الأصل جزءاً من المجموعة ذاتها، ربما لم يكن مفاجئاً امتلاكها سبل العثور عليها عبر الغابات الكثيفة، لكنه بينما كان ينظر في المسارات التي قد يسلكها بنفسه، قرر الانتظار والترقب، تاركاً المجموعتين تلتقيان لمحاصرتهما.
مهمة ظلت أصعب بكثير ممّا توقع. كانت الأطراف التي بحوزته من أشد ما حازه قوة على الإطلاق، إذ امتلك أحدها ما بدا مورداً لا ينهض ليمتلئ من المانا. متى أُتيح له الوقت لإتقان تلك القوة، شعر المَلِك بأنه سيتمكن من غزو ذلك العالم وحده، بيد أن المفتاح كان احتياجه للوقت. لم يكن بوسعه سوى فعل القليل بتلك القوة بحلول موعد ظهور المجموعة الأخيرة، ودون أي مسار يراه يقود إلى أسرهم الفوري، لم يكن بيده سوى تتبع تلك التي بدت الأكثر ترجيحاً للنجاح في نهاية المطاف.
وهو ما بدأ بمحاولة إعاقة ذاك الذي ظن المَلِك أنه يصنع هذا الكم من المستقبلات، مستخدماً أحد أطرافه الجديدة لإطلاق سهم، ليوشك على الإصابة بالغثيان لهول الاحتمالات التي خُلقت عندما تفاعل هدفه مع تلك الطلقة المفردة. لم تكن بهذا العدد عندما تطلع إلى الأمام لأول مرة، بل انحصرت بين الاحتمالات الأرجح، ولكن ما إن أُطلقت الطلقة الفعلية حتى تغير الأمر. لقد علم قبل هجومه أنه لن ينجح أبداً، غير أنه في اللحظة التي انطلق فيها السهم، شعر المَلِك بالمستقبل من حوله يتشقق إلى ألف قطعة إضافية، تمثل كل واحدة منها تنويعاً طفيفاً للموضع الذي ينوِي الهدف تلقي الضربة فيه أو كيفية تفاديه مع إفضائه جميعاً إلى ردود فعل متباينة تتكشف تدريجياً، شجيرة متشابكة من الاحتمالات انهارت فور وقوع الهجوم لتمر عرضاً نحو الأرض، تاركة إياه يترنح.
كان السحر الذي يستعين به لرؤية العالم ذا حدود، غير أن إحداها تمثلت في تشعب المسارات بصورة غير متوقعة. لم يكن أمراً يتعامل معه كثيراً، وحين يحدث، ظل عادة ضمن نطاق يمكن التحكم به لا يتعدى بضعة احتمالات جديدة كحد أقصى، أما ما مر به لتوه فتجاوز ذلك بكثير. كان ينظر إلى هدف قادر محتملاً على تغيير مستقبله جذرياً. ومع ذلك، أخبره ذلك بأمرين. فالذي سدد نحوه السهم كان بلا شك ذاك الذي منعه من الاستحواذ على البقية، والأهم من ذلك، أنه أبان له عن القدرات الكامنة داخل ذلك الهدف.
ثمة خطر يتربص به من أي شيء قادر بمثل هذه العفوية على خلق مسارات إضافية للسير فيها، لكنه ظل لا شيء مقارنة بما سيجنيه من ذلك الهدف لو تمكن من جعله طرفاً له. وكلما ظفر بطرف لنفسه في الماضي، فتح أمامه خيارات ما كانت لتوجد من قبل، وما كان يراه ينبئ بسيل لا ينتهي منها شريطة أن ينجح في جعل ذلك الوحش الهارب ملكاً له. تلك المعرفة قادته إلى المحاولة التالية لتفريق المجموعة الأخيرة، وهي محاولة استبصر مسارها الناجح مسبقاً حين أقام الجدران بين أفرادها لتشتيتهم أثناء فرارهم، مؤكداً مرة أخرى أن المحيطين به أقل قيمة، حتى وإن استأثر بهم المَلِك لأنفسهم ما إن خرجوا من أي نطاق احتاج إليه ذلك المخلوق اللحمي الغريب لحمايتهم.
وحتى إن استطاع الرؤية إلى مدى محدود، فقد أدرك أن حيازتهم ستوفر له خيارات أوسع حين يحمل كل منهم هذا القدر الهائل من القوة، ورفض التفريط في ذلك النزر من الاحتمال أيضاً، بغض النظر عن كونهم الجائزة المنشودة أم لا. ومع تحقيق ذلك النجاح الأول، واصل هجماته بطرفه الجديد، راصداً فشل جميعها قبل أن تنطلق دون أن يساوره اليأس. كان الغرض من ذلك كله حشد المجموعة المرغوبة ومنح المَلِك تدريباً على استخدام تلك الفنون السحرية.
فقد حملت بعض أطرافه الأخرى هذه الفنون في الماضي، لكن ليس بمستوى المهارة أو القوة الذي يتمتع به أحدثها، وخلال ذلك التمرين ظهر خيار جديد آخر من أفرعه، مستخدماً سحر الفضاء الخاص به بينما ظل المَلِك يبحث عن مسار أفضل، فلم يفلح إلا في اقتناص القليل من أفراد المجموعة دون بلوغ هدفه الحقيقي، محساً بتنامي إحباطه. طال الزمن منذ أن عانى هذا القدر من العناء للظفر بما يشتهي، وأخذ يشعر بفشل مساعيه كلما طال أمد الأمور، حتى وهو يحدث نفسه بأنه ليس سوى مسألة وقت.
وقتاً أطول بقليل، وتحديداً خلف المسارات التي استطاع رؤيتها يكمن نصره، ليهتز ذلك الإيقان سريعاً إثر تشعب مسارات الاحتمال مرة أخرى. لم يكن الأمر شبيه بالمرة السابقة. كلا، لقد بدا المئات من الخيارات الجديدة ضئيلاً بالمقارنة بينما تشكلت مئات الآلاف من المسارات، وتشعب كل واحد منها بالقدر ذاته، مع التواء أكثر من قليل منها ليلتقي ببعضه بعضاً، صانعاً حجماً هائلاً عجز عن فرزه وهو يحاول قياس الاحتمالات ليجدها قاصرة.
انتقل الاختيار إلى مسار لتنبثق مسارات أوفى، واختير آخر لتمتد غيرها، بينما صيغت الاحتمالات وانهارت مراراً بطريقة فاقت القدرة على المتابعة حتى انقضت الحاجة لذلك. انطلق هجوم من أشد المسارات استبعاداً، وأصيبت أطرافه بجراح، وفلتت الأهداف هاربة.
مرّت ساعات طويلة وما زال يتردّى في أثر تلك الخسارة، ممزقاً بين الأطراف المحتملة التي فاته الحصول عليها مع كلّ تلك القوة التي كان بإمكانه استمدادها منها في مواجهة الخطر الذي مثّله له أمر كهذا. لم يستطع تخيل كائن سوى مَلِك قادر على خلق هذا الكمّ من المسارات، ممّا دفع الشياطين لرغبة أشدّ في الاستحواذ على المخلوق لنفسه، غير أنه أدرك أن محاولة كهذا ستحمل مخاطر تفوق بكثير ما يرغب عادة تحمله في مقابل تلك المكاسب.
ألم تكن المخاطرة جديرة بالثناء؟ لقد أُرسل لينمو، وكانت تلك رغبة مَلِكه العظيم أيضاً، وحتى إن فشل بطريقة ما في الهيمنة على الآخر، فستكون بالتأكيد نوع التحدّي الذي يحتاجه لكسر حاجزه نحو مراتب أعلى. فرصة بدت ضائعةً منه في البداية أيضاً، تلاشت في الغابات الممتدة وعن أنظار أيّ من مساراته، إذ ظلّ جَالِساً إلى أن عثر أحد الأطراف البعيدة على شيء ما. لمحهم ذلك الطرف الوحيد فصار محاطاً بعدد يفوقه وأُسر، وغدا ما مرّ به مجهولاً بالنسبة إليه، لكنّه ترك المجموعة التي كان يطاردها لتغير مسارها وتتحول نحو وجهته بدقة.
سرت رِعشة في أوصاله فقطع ذلك المسار، وقضى على الطرف الذي كان سيجدونه ليضمن عدم حدوث ذلك أبداً وليسمح لبهجة عارمة بالسريان في داخله. مهما فعلوا، فلن يجدوه بهذه السهولة الآن، لكن الشياطين عرفت مكان وجودهم، ولم يكن عليه سوى الخروج والقبض عليهم.