وجدت ثيرا ونسختها نفسيهما ملقاتين على الأرض بعد ساعات قليلة من العمل، بينما كان العرق يتحدر بغزارة على وجهيهما. بدأ الأمر ببساطة تامة، إذ أرادت كلتاهما معرفة مقدار التراب الذي يمكنهما رفعه بلا عصا. قبل ارتقائها مستواها قبل فترة وجيزة، كان بإمكانها تعليق التراب في الهواء لمسافة عشرين متراً حولها حتى تفقد سيطرتها عليه فيسقط مجدداً، وحينها لم يكن هناك أي شيء حقيقي يمكنها فعله به، لذا لم يعدّ ذلك تمريناً حقيقياً.
ورغم ذلك، لم تجرب الأمر منذ ذلك الحين، وسرّها أن ترى أنها تحسنت، إذ تمكنت من جذب عشر لمسافة عشرة أمتار فقط حولها. لم تستطيع استخدامه لتشكيل تعويذة، لكنها استطاعت جعله يعلق في الهواء لفترة أطول من السابق بل وتحريكه إلى حد ما، وإن لم يكن ذلك كثيراً. لكن عندما عملتا معاً، استطاعتا فعل أمور لم تستطع فعلها وحدها أبداً، على الأقل ليس بلا عصا تساعدها في تركيز طاقتها.
بينما رفعت إحداهما التراب ركزت الأخرى على تشكيله، لجمعه معاً في كرة. لا تزال ضخمة، أكبر حتى من رصاصة ترابها المعتادة، ولكن عبر دمج إرادتيهما من هناك استطاعتا إطلاقها لمسافة تكاد تقارب مسافة الكرة العادية، ودبلا قلق بشأن الحاجة إلى استبدال أي عصي، تمكنتا من الإطلاق طالما حملتهما طاقتهما. لم تكن طاقتهما هي ما نضب، بل قدرتهم على التحمل وطاقتهما العقلية. لم تكن معتادتين ببساطة على مدى الإرهاق العقلي المتمثل في تجميع وإطلاق عشرات التعاويذ، واحتاجتا إلى الراحة.
كان البينان على الجانب، يواصلان عملهما، وانتابت ثيرا إدراك مزعج بأن عليها محاولة التحدث إلى نسختها. لقد أمضتا للتو بضع ساعات في التدريب معاً، لكن أي وقت تحدثتا فيه كان محصوراً في ذلك، والآن وقد حصلتا على استراحة للاستشفاء فما عساهما تقولان حقاً؟ إن كانت تمتلكان حقاً نفس التاريخ الشخصي تقريباً فماذا عساها تريد أن تقول لنفسها؟
"أترين أن هذا هو الخيار الصحيح؟"
هذا ما أفلت منها في النهاية، ولم تجد نسختها، التي كانت تفكر في الاتجاه نفسه، حاجة لسؤالها عما تقصده بذلك.
"طبعاً. نريد أن نصبح ساحرتين، وعلينا خوض الاختبار مادامت أمنا قررت أن تكون مزعجة للغاية بشأنه. ماذا عسانا نفعل غير ذلك؟"
"ربما كان بإمكاننا إيجاد عمل لدفع أجر فالك لقاء عمله؟ بصراحة، كان حدر بنا أن نفعل شيئاً طوال هذا الوقت بدل الاكتفاء بالاتكال على لطمه."
بدا أن الفكرة تفاجئ نسختها.
"أظن أنه كان بإمكاننا المحاولة، ولكن من سيظفنا لأعمال عرضية؟ لا يمكننا التفاعل جيداً مع الزبائن بالتأكيد إن كانوا خائفين من الاقتراب منا. لا يمكننا الطهي لذا فهذا يستبعد المطاعم، وعملنا في أنايليا سيكون أمراً مرفوضاً مع معرفة الجميع من يكون أبوانا."
"يمكننا التنظيف ربما. نقوم بذلك من أجل العيادة بين الحين والآخر لمساعدة سونيا على أي حال."
"صحيح، لكن المشكلة تكمن حينها في الأجر. لن نكسب أبداً ما يكفي لتغطية معدل استهلاكنا الحالي للعصي، مما يعني أن تقدمنا سيتباطأ أكثر. أفضّل حقاً التحسن بأسرع ما يمكن لتطوير سحري قبل أن ينتهي العالم."
قالت متنهدة: "أنت محقة. لكننا سنضطر إلى ذلك إن فشلنا في الاختبار."
أجابت نسختها بتفكير: "ربما لا. ليس الأمر وكأننا لا نستطيع عقد اتفاق مع دولة أخرى. لنعرض مقدار الطاقة الخام على بطاقتنا وأنا متأكدة من أن الكثير من الأماكن ستكون مستعدة لتحمل مغامرة تدريبنا مقابل خدمتنا."
"حسناً ولكن لمدى ستمتد تلك الخدمة؟ أفضّل ألا أُضيّع مئة عام في العمل حسب أهواء مملكة عشوائية، ناهيك عن مدى غضب أمنا إن أقدمنا على خطوة كهذه. إضافة إلى التداعيات السياسية للعمل لصالح دولة أخرى، أعتقد أن هذا يجب أن يكون خيارنا الأخير حقاً."
وافقتها نسختها الرأي: "هذا صحيح أيضاً. مع ذلك لن يضر البحث في الأمر قليلاً إن لم تسر الأمور لصالحنا هنا. لا أعرف عنك، لكنني لا أرد التخلي عن شغفي فقط لأنه سيكون غير ملائم للدولة إن بدأنا العمل رسمياً لصالح دولة أخرى."
قالت وقد رسمت ابتسامة خبيثة على وجهها: "أظن أنه في أسوأ الأحوال، إن تمكنا من العثور على عرض جيد، فيمكننا ببساطة تهديد أمنا بأخذه لنرى إن كانت ستشعر بميل أكبر للموافقة."
وافقتها نسختها: "هاه، سيكون ممتعاً إسباغ بعض الضغوط عليها للمرة الأولى"، مسترجعة كم كانت أمها مزعجة عندما التقت بين لأول مرة، ناهيك عن كل المرات أثناء نشوئهما.
بعد نيل فرصة لطيفة للاسترخاء وكسر الجليد بدردشتهما، عادتا إلى التدريب. لم يبدُ أي من البينين أنه سيتوقف قريباً ولن تُهدر هي الأخرى تلك الفرصة.
بعد ساعات أطول من التمرّن وقضاء ليلة من النوم بالتناوب، استأنفا الاختبار أخيرًا، وتوغلا في الغابة على أمل رؤية نهايتها قريبًا. تقدّم البنّان متصدرين الصف، وما زالا متشابكي الأيدي، رغبةً في عدم تفويت فرصة التمرّن، ولأنّ ذلك أتاح لهما الرؤية بعيني بعضهما، مما خلق نطاق رؤية أوسع مما كان ممكنًا في الظروف العادية. وبقيت الثيرتان في المؤخرة، والعصا في يد كل منهما استعدادًا لأي طارئ، لكن بدا كل شيء هادئًا في الوقت الحالي على الأقل.
بدا الأمر حقًّا كالنزهة الهادئة بين الأشجار في هذه اللحظة، لكنه كان منطقيًّا بعد التفكير فيه. إن كان المغزى من هذا القسم يدور برمته حول النسخ، فقد رأيتا بالفعل ما يقدمه، واختارتا عدم فعل أي شيء حياله. وقد استغرق قطع المسافة من بداية قسم إلى نهاية آخر يومًا كاملًا من السير إن كانت القسمان الأولان مؤشرين، ومع عدم ظهور أي شيء آخر، ربما قصد هذا الامتداد توفير استراحة قصيرة من أي ضغط بافتراض إكمالهما له مبكرًا.
أو ربما جرى لكي نتمكن من الهرب في حال وقوع قتال وسير الأمور على غير ما يرام. هكذا فكّرت في سرها. لا جدوى من إطالة التفكير في ذلك، فقد اختارتا السلام مع نسختيهما لذا لم يكن ذلك مصدر قلق، على الأقل في الوقت الحالي. وربما تتغير الأمور إن لم يظهر القسم التالي من الاختبار أبدًا وأُجبر بن على الكشف عن طريقة معرفة الأصليين. ولم تكن تدري كيف ستكون ردة فعلها شخصيًّا، لكنها لم تستطع تخيل نفسها جالسة وقبوله وحسب.
أستحاول التقدم أكثر أم تحاول التراجع؟ تفعل أي شيء في الواقع لتحديد الحقيقة إن لم تكن جليّة بطريقة ما. لا فائدة من القلق مع ذلك، فسيصلان إلى هناك حين يبلغانها. وعلى الجانب المقابل، ستواجهن مشكلة مختلفة إن أمكن تطبيق استراتيجية بن المقترحة حول عمل الجميع معًا. الطعام. لم تحززن سوى مؤن محدودة، ومع أن مشاركة بوجبات قليلة مع نسخهن لم تكن سيئة للغاية للمخزون، فإن الاستمرار في ذلك طويلًا قد يتركهن في ضيق شديد بنهايته.
بعد ساعات أخرى من السير بدأ الجميع يشعرون بالتململ. فالقلق المرافق لغياب أي أحداث جعلهم يرغبون في العثور على القسم التالي بسرعة أكبر، لكن لا استعجال في الاختبار. وكل ما يمكنهم فعله هو الاستمرار. وكانت ثيرا على وشك الالتفات إلى نسختها، لمجرد مناقشة أي شيء لقتل الوقت، حين شعرت بخفقان في رأسها.
<ارتفع مستوى سحر الأرض>
بدا الأمر وكأن عقلًا اصطدم بعقلها، كأن بن حاول التواصل معها بنطحها برأسه وفرض عليها شعورًا بالألفة المسبقة بطريقة ما. ولم تستطع استيعاب الإشعار فورًا وسط الألم، فوضعت رأسها بين يديها وضغطت على صدغيها. آه، ماذا؟ لما ارتفعت؟ كانت ستفرح في الظروف العادية، لكنها كانت في تلك اللحظة بالغة الارتباك ومفعمة بالألم لدرجة تعذر معها السرور. إن كان على المستوى أن يرتفع فلم لم يحدث ذلك أثناء التمرّن مع نسختها في وقت سابق؟
وبذكر ذلك، أأحس أحد غيرها أم أنها كانت المستهدفة وحدها بما رماه الاختبار في وجوههن؟ وحين وجدت الطاقة لتنظر إلى الأعلى، كانت نسختها ونسخة بن قد اختفيتا، وكان بن ملقى على الأرض.
"بن!"
هرعت إلى جانبه وفحصته. كان ما حدث قد أصابه بصورة أسوأ بكثير منها. فقد كان فاقدًا للوعي والدم يسيل من أنفه وعينيه. وكانت تمتلك قدرًا يسيرًا من المعرفة الطبية نتيجة قراءة بعض كتب سونيا فضلاً عن مهارة، لكنها لم تدر ما بوسعها فعله حيال هذا بخلاف بعض التدابير الأساسية. وتأكدت من تمدده براحة على ظهره ورفعت ساقيه لمساعدة تدفق الدم إلى دماغه مع إرخاء ملابسه لمحاولة ضمان عدم تقييدها لتنفسه.
أما عن النزيف، فلم تكن متأكدة لكنها ظنت أنه قد يكون ناتجًا عن إجهاد. ومع ذلك لم تكن معالجة من أي نوع ولم تدر ما تفعله سوى ذلك. ولعلها المرة الأولى التي لعنت فيها عدم إتاحة أي سحر علاجي لها. ولم تقلق كثيرًا حيال الأمر في ستونوول، فطالما تمكنّن من العودة إلى البلدة فسيكنّ بخير، لكن حتى لو حاولت حمله للعودة الآن فسسيستغرق ذلك أيامًا. ولعدم وجود خيار آخر، أخذت بيده، وجلست إلى جواره، وانتظرت لترى إن كانت حالته ستتحسن.