بعد قضاء أيام كثيرة حافلة بالأحداث في الخارج، عاد في تلك الأمسية ليصل إلى أول ما ينتظره؛ صونيا التي كانت غائبة عن الوعي فوق الأريكة بعد عودتها أخيرًا من المستشفى الذي كانت تعمل معه، فما كان من ثيرا إلا أن وضعت إصبعها على شفتيها مطالبة إياه بالهدوء.
قالت بصوت خافت: "أنا متأكدة من أنها عملت بشاق طوال هذا الوقت، لذا إن كانت نائمة فسأذهب إلى النوم مبكرًا أنا الأخرى. إن كنت ستبقى ساهرًا، فهل يمكنك محاولة الحفاظ على هدوء المكان؟"
أجاب هامسًا: "لا تقلقي. كنت أفكر في العودة إلى المتجر بعد أن تخلدي إلى النوم على أي حال، لذا سأذهب الآن لأنجز بعض العمل. سأعود لطهي الفطور في الصباح".
"ممم، أنت حقًا بحاجة إلى الراحة أيضًا، أنت تعلم ذلك".
"من يحتاج إلى النوم ولديه طاقة تكفيه لأيام؟ علاوة على ذلك، لقد لاحظت أنني أحرزت تقدُمًا في مهنتي، لذا أود العودة للعمل على التجسيد، ولدي بضع أشياء أخرى أريد اختبارها أيضًا".
"فقط احرص على أخذ استراحة من حين لآخر وإلا فسأجرُّك معي بالقوة".
"حاضر أيتها القائدة، لا تقلقي. لن يستغرق الأمر مني سوى أسبوعين لإنهاء هذا، أو أقل إن ضغطت على نفسي حقًا".
وأقسم أنني أنوي الضغط على نفسي فعلًا. بالتأكيد، كلما سحب المزيد من المانا إلى داخله لصنع الأرواح، زادت احتمالية إلحاق الضرر بروحه الخاصة، ولكن مع التقدم الذي يوفره له، كيف يمكنه مقاومة ذلك؟ سؤال رأت ثيرا بوضوح أن إجابته هي أنه لن يقاوم أبدًا.
"فقط حاول ألا تُصاب بإصابات لا أستطيع شفاءها".
"علم".
طبع على خده قبلة الوداع ثم انطلق، شاقًا طريقه نحو المتجر رغم تأخر الوقت، لينزلق فورًا داخل سترته شاعرًا بأنه في مكانه المعتاد تمامًا.
تمتم لنفسه: "أوه نعم، هذا هو المطلوب"، قبل أن يبدأ في ذلك الفعل الأقل إمتاعًا والمتمثل في الاتصال بالمتجر، مساحباً المانا التي يحتفظ بها للبدء في تجسيد آلاف الأرواح من أجل الخبرة التي ستمنحها إياه، بينما ظل سؤال كيف يقضي بقية الليل يتردد في أفكاره.
كانت لديه مشاريعه بالطبع، بدءًا من تعويذة استدعاء إنوكس وصولًا إلى مشروعه الأحدث الذي كان يفشل فيه والمتمثل في صنع أداة قادرة على التجسيد بمفردها، لكنه صادف مشكلة أحدث أراد النظر فيها أولًا. وتحديدًا، اختبار حدود بعض مهاراته. لم يكن ذلك بالأمر السهل دائمًا، سواء للأسباب الأخلاقية النابعة من مدى صعوبة استخدام عقل الخلية على أي شخص لأي سبب آخر غير محاولة مساعدة سجناء أوان السابقين، أو للمشكلات العملية المتمثلة إما في عدم معرفة ما يجب اختبارُه أو كيفية التوسع في مجالات معينة في حالة مصدر روحه.
أراد التوسع في النقطة الأخيرة بشكل خاص قليلًا إن استطاع. لقد أصبحت الآن مهارة يستخدمها باستمرار تقريبًا بسبب جبال الخبرة التي يمنحه إياها خلق روح، لكن التقدم كان بطيئًا. كان يجري تجاربه أثناء قيامه بذلك بالطبع، وحتى مع دخول الآلاف وخروجهم من الوجود، لم تكن هناك روحان متطابقتان، وبعض الأشياء التي حاول القيام بها لم تؤدِ إلى خلق أي روح على الإطلاق، لكنه لم يكن متأكدًا مما يجب عليه فعله بالمهارة بخلاف ما اكتشفه بالفعل، مع وجود حد في ذلك أيضًا.
منذ إيقاظه للمهارة، لم يكن قادرًا على زيادة نسبة المانا التي يمكن لتلك الأرواح الاحتفاظ بها. بالطبع، مع نمو مخزونه الخاص، زاد حدها الأقصى أيضًا، لكنه ظل قادرًا فقط على صنع أي شيء بنصف ما يمتلكه، في إشارة إلى قاعدة أساسية أو حد للأرواح لم يكن يفهمه فحسب. لقد كان ذلك أمرًا مزعجًا لكنه ليس مشكلة كبرى، والأهم من ذلك أنه لم يكن ما ينوي النظر فيه تلك الليلة. لا، لقد حُفظ ذلك الحق لمهارة استخدامه مؤخرًا لإنقاذ حياته، التجسيد الباطني.
بدون تلك الإلحاحية التي رافقت اختبارها أثناء سقوطه الحر عبر الهواء، حاول بن مرة أخرى صنع قوة مجردة، شيئًا يمكنه استخدامه لدفع أو سحب شيء ما إليه كما يفعل المرء لو كان يمتلك التحريك العقلي، ليفشل بغض النظر عن الشيء الذي جربها عليه. لم يستطيع استخدامها على نفسه، ولم يستطيع استخدامها على شيء مثل مطرقة، ومهما كانت صغرة القوة التي حاول فرضها، فلن تعمل ببساطة. حتى الغبار لم يتحرك تحت ثقل عقله، مما أخبره أنه لأي سبب من الأسباب، وحتى لو كان قادرًا على تحريك الأشياء التي يجسدها، فإنه لا يستطيع تحريك أي جزء حقيقي من الواقع.
لم تكن المهارة تعمل بهذه الطريقة ببساطة. بالنظر إلى هذا الفشل، استخدم المهارة بدلاً من ذلك بطريقة كان يعلم أنها ستنجح، فصنع بها مطرقة وشعر بوزنها في قبضته. كان يعلم أنه لو تركها فإن الشيء سيختفي وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس، وضُمن وجوده فقط طما طالما رغب في ذلك، لكن ما كان مهمًا حينئذ هو ما يمكنه فعله بمثل هذا الشيء طالما ظل موجودًا. لقد رأى بالفعل أنه حتى لو كان بشكل سيء، كان بإمكانه حمل وزنه الخاص، ولكن بأي طرق أخرى يمكنه التأثير على العالم؟
وكانت المطرقة الوسيلة المثلى لاختبار ذلك. أمسك بها متوجهًا إلى الموقد لتسخين بعض الحديد قبل طرقه حتى يتخذ شكله، شاعرًا بكل ضربة بها تتوهج على شكل صداع خفيف لكنه حاد في كل مرة، مما أخبره أنه حتى مع مستواه الأحدث، فإن تكلفة تلك المهارة لم تتغير. لا تزال مهارة عقلية، على غرار غرابة اعتبارها كذلك، ولا تزال تكلفته تعني أنه لا تستطيع استبدال أدوات حياته بالكامل ببنى عقلية، ولم يستطع إلا أن يعصر جبينه وهو يتفحصها.
كان جيك محقًا عندما قال إن هذا يشبه قوة نفسية، فهي تتبع قواعدها الخاصة ولا أعرف كيف تتفاعل مع الكون الأوسع ككل. سأتعثر على الأرجح في جانبين أو ثلاثة أخرى منها لا يمكنني التفكير في اختبارها أيضًا، فهناك الكثير مما لا أعلمه. يا رجل، سأعترف على الأقل أن هذه مهارة غريبة. ...على الرغم من أنها ليست مهارتي الوحيدة، إذا كنا نتحدث عن القوى النفسية فإن الاتصال سيعتمد أيضًا لأنه يعمل بالطاقة المستمدة من روحي بدلاً من أن تكلفته مانا.
بحق الجحيم، بناءً على ما أعرفه عنها، نظرًا لأنها تعمل عن طريق ربط روحي بروح أخرى بدلاً من مرورها عبر وسيط آخر، ألا يعني ذلك أنه لو أُعيد بطريقة ما إلى الأرض لكنت قادرًا على استخدامها؟ أو في أي كون حامل للحياة في هذه الحالة، إذا كان مكانًا توجد فيه الأرواح فهو مكان يجب أن تعمل فيه الاتصال نظريًا. يبدو هذا غريبًا بعض الشيء للتفكير فيه الآن. حسنًا، أنا أخرج عن الموضوع، فأنا بحاجة إلى إجراء المزيد من الاختبارات.
ما زلت فضوليًا بشأن الدخول إلى شبكة البوابات وإطعام حشرة مجموعة من البذور المجسدة لمعرفة ما إذا كانت ستتمزق جوعًا أو تستبدل جسدها بشكل صحيح بذرات مجسدة وإذا كان ذلك سيترجم إلى بنية مجسدة يمكنها إيواء روح، لكن هذه مشكلة مستقبلية. في الوقت الحالي، أود أن... انتظر، هناك شيئًا يمكن اختبارُه الآن. هل يمكن للبنية أن تحتوى روحًا؟ لقد كان أمرًا يستحق البحث فيه وفتحت الفكرة المزيد من الأمور لاختبارها أيضًا.
بالنظر إلى أنه كلما ذهب إلى عالم ملكه، كان يتحكم في جوهره بشيء يجسده بكيانه الخاص، فهل سيكون مثل هذا الأمر ممكنًا في الأسفل؟ الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي التجربة، فدفع أفكاره إلى أقصى الحدود، وجسد بن نسخة مطابقة لنفسه، مثالية قدر الإمكان قبل أن يمد يده محاولًا الاتصال بها كما يفعل مع أي همونكولوس، ليفشل في النهاية. لم يكن ذلك مفاجئًا، حتى لو كان مخيبًا للآمال.
بينما لم يكن يعرف العملية الدقيقة لكيفية خلق جسد لنفسه عندما يصعد إلى عالم آخر، مع كون العملية برمتها لا شعورية في أحسن الأحوال، بدا العالم البشري مختلفًا منذ البداية. مع كون المشكلة الأكبر هي أنه حتى لو بدا مثله تمامًا، فهو لم يكن جسدًا في الواقع. لم يكن بن يعرف علم وظائف أعضائه وصولًا إلى المستوى الذري. بينما كان واعيًا بشكل مزعج لبعض الهياكل الدقيقة في فسيولوجيته بفضل الطابق الأخير الكارثي من برج الحياة وكذلك النظر إلى نفسه من خلال عيون ثيرا عندما استخدمت فحص المانا الخاص بها، كانت هناك أنظمة ناشئة وقواعد أدق يعمل بها جسده لم يكن خبيرًا فيها ولم يستطيع تكرارها.
عنى ذلك أنه سيستمر في الاعتماد على ثيرا لأي استنساخ مستقبلي، لكن الجسد الحي لم يكن الطريقة الوحيدة لاحتواء روح، وهو أمر كان على دراية به بالفعل بينما جسد البنية الجزيئية لبلورة مانا قوس قزح كما فهمها، مصحوبة بسؤال آخر.
"هل ستمتص هذه الشئ المانا؟"
كانت تمتمة عرضية، وليست شيئًا توقع الحصول على إجابة إيجابية عليه، لكنها لا تزال تستحق الاختبار أثناء تجسيده لبعض الموريبيوسيال لتركيزها عليها مرفقة بتسحر ضوء بسيط، فلم يتلقَ سوى المفاجأة عندما نجحت بالفعل.
"...ليس لدي أدنى فكرة عما يجب فعله بهذه المعلومة".
بدا الأمر وكأنه قد يكون مفيدًا بطريقة ما، ولم يترك سوى سؤال كيف. لن يحتاج إلى أي من البلورة الحقيقية معه في حالات الطوارئ للاستفادة منها، لكن بالنظر إلى أنه كان قادرًا على تجسيدها بالفعل فلم تكن تلك هي المشكلة الكبرى. ربما إذا كان بحاجة إلى حجم غير معقول منها يتجاوز حدود مانا الخاصة به فسيكون ذلك جديرًا بالاهتمام، لكن حتى في هذه الحالة كان يمتلك البعض منها في خواتمه المكانية، مما جعل الاكتشاف يبدو وكأنه بدعة أكثر من أي شيء آخر بينما دونه لوقت لاحق، منتقلاً إلى اختباره التالي من هناك بينما جسد روحًا داخلها.
ومرة أخرى نجحت، متحدية توقعاته حيث احتوت الروح التي جسدها داخل البلورة شبه المعدومة بينما بدأت في امتصاص المانا من البيئة، مما سمح له بالتقاطها لنفسه.
"حسنًا، قد يكون هذا مفيدًا ربما؟ سماوي، لست أدري، سنرى، لذا الاختبار التالي".
متخلصًا مما شعر أنه الفكرة الأكثر غرابة، انتقل إلى محاولة تجسيد كل أنواع الأشياء لمعرفة ما إذا كانت هناك أي حدود ولم يجد شيئًا، حتى مع إثارة شيء آخر لاهتمامه. صنع مكعبًا منثلجًا، مع تصور لمثل هذا الشيء مفصل وصولًا إلى بنيته الجزيئية، فتركه يذوب في يده، مراقبًا إياه وهو يتحول إلى ماء بينما برد لحمه تحت لمسته إلى أن ظن أنه حصل على كل ما أرده منه وشعر أنه انتهى، فتركه يتلاشى لكنه فقد شيئًا آخر معه، وهو شعور البرودة الذي انتقل إلى لحمه.
"...هذا يتطلب المزيد من التجريب".
حقيقة أنه فقد للتو الإحساس بالبرودة معه أخبرته أن هناك ما هو أكثر مما لم يكن يفهمهن عما كان يحدث عندما استخدم المهارة، فتحول إلى محاولة تجسيد الماء المغلي، محافظًا عليه بينما غمس سلكًا حديديًا رقيقًا فيه وشعر بالحرارة تسري صعودًا حتى أطلق التجسيد مرة أخرى، لتتلاشى درجة الحرارة معه مرة أخرى أيضًا. مرة أخرى تركها في حيرة من أمره تلتها المزيد من الاختبارات. أدى تجسيد الماء العادي وغليانه إلى فقدان الأشياء التي غُلِيت داخله لحرارتها عندما توقف، ولم يستطيع استخدام تجسيده لتغيير درجات حرارة الأشياء الموجودة حقًا، وكل ذلك أدى إلى استنتاج واحد فقط.
"هذه المهارة غريبة للغاية".
استمرت في مطابقة كلمة باطني تمامًا، حيث أظهرت له تلك الاكتشافات القليلة بعض القواعد الأدق التي لعبت عليها المهارة، حتى لو افتقرت إلى المنطق الكامن وراءها، ومع تقدمه الشديد استمر في اختباراته طوال الليل، باحثًا عن الأسرار التي قد يفتحها.