كان يحلق في الأجواء بينما تجلس تيرا في الأسفل، بينما استقر هو بثبات داخل العربة التي تحملها، وبذل بن قصارى جهده لحجب العالم من حوله، مستغرقاً عوضاً عن ذلك في تركيزه العميق. والآن بعد أن ارتفعت خصائصه، والأهم من ذلك ذكاؤه، بشكل هائل بفضل الجرعة التي تجرعها، باتت لديه رغبة في اختبار أمر مجدداً، فقط ليرى إن كان ممكناً. وفي العالم العادي، تلك البقعة من الواقع التي يعيش فيها ويمكنه التأثير عليها بقوته الخاصة، أراد محاولة التجسيد هناك مرة أخرى.
لقد كان أمراً فشل فيه من قبل لكنه في الوقت ذاته لم يكن مستعداً للتخلي عنه بعد. وحتى إن لم ينجح في المرة السابقة، بدا وكأن الأمر كان يجب أن ينفع، إذ لم يكن ينقصه سوى مستويات أعلى أو قوة ذهنية كافية لتحقيقه، وهذه الأخيرة هي ما اكتسبه لتوّه بكميات هائلة. ومع استقراره عند رقم يتجاوز السبعة عشر ألفاً في تلك اللحظة، لابد أنه حاز إحدى أعلى قيم هذه الخاصية على الكوكب، وربما كان يتخلف فقط عن كيلي إن وُجد من يفوقه في ذلك الحين.
لم يكن بن يعلم بدقة مدى ارتفاع رصيد حامل المعرفة لكنه عرف أن الكمية التي يمتلكها قد بلغت منذ زمن مداً يعتبره عديم الفائدة إلى حد كبير. ومهما بدا مشهد ارتفاع قيمه مبهجاً، إلا أنه لم يكن دراية إن كان سيشعر حقاً بالفرق في عقله عند تلك النقطة حتى وإن ساعده ذلك في رفع مهارات العقل. غير أن التجسيد غير تلك المعادلة. فقد جعل الذكاء شيئاً ينفقه في مجمع ميرا ليستخدمه، والآن بعد أن شرع في تجربته في هذا العالم، بات بحاجة إلى كل نقطة يمتلكها إن أراد له أن ينجح، مما جعل الأمر يقف عند حدود ما ينبغي تجربته، مستحضراً رؤية في ذهنه ليرى إن كان باستطاعته تحويلها إلى حقيقة.
وعلى عكس المحاولات السابقة، كان هدفا تلك المرة هو البساطة. لم يحتاج إلى محاولة صنع شيء يأسر حواسه كلها، بل كان عليه فقط تجاوز حدوده الحالية، مما يعني أنه تجاهل أموراً كالشم والذوق ليرتكز حصراً على مظهر وملمس ما يريده، منتهياً بفكرة كرة صغيرة، لا تزيد عن حجم كرة الجولف وذات لون أبيض نقي، ليجعلها أبسط ما يكون. ولم يبق سوى محاولة فرض تلك الرؤية على الواقع، محساً بذات الإجهاد على عقله وروحه والناجم عن غرابة المحاولة، والذي عانى منه عند إيقاظ المهارة للمرة الأولى حين حاول استخدامها في طبقة أدنى من الكون بينما كان الوجود نفسه يقاتله.
لم يملك سوى الوقت والتفكير فاستمر بالضغط، محساً بالإجهاد يتفاقم ببطء بينما واصل الدفع، راغباً في أن يكون قادراً على القول إنه بذل أقصى جهده على الأقل إلى أن كفّ ذلك عن كونهم مشكلة. وشعر بالواقع ينحني لإرادته بينما فرض عقله نفسه على ذلك المستوى، ليشكله كما يراه مناسباً.
<ارتفع مستوى التجسيد الباطني> <ارتفع مستوى الإلهام غير الطبيعي> <ارتفع مستوى تعزيز الذكاء غير الطبيعي>
وما إن ناله حتى اختاشت الكرة، وانقطع تركيزه بطريقة أوقفت الإرادة التي كان يطبقها، حتى وإن كانت نتيجة غير متوقعة. ففي مجمّع سيده وشبكة البوابات على حد سواء، ما إن يصنع شيئاً حتى يصبح موجوداً مهما كانت حالته غريبة، لكن البدو أن الأمر ذاته لم يكن ينطبق هنا. ومجرد اختبار الأمر دفعه لتكراره، محساً بمدى السهولة الفورية للفعل بفضل مستواه ونجاحه لكنه احتاج للحفاظ على إرادته طوال الوقت، مقاتلاً الكون ليحافظ عليها وليظهر له أنه حتى وإن كان ممكناً، فلن يكون سهلاً قط.
لكن هذا لا يهم. هذا رائع إلى حد الجنون! ورغم ما ظنه قبل إيقاظها للمرة الأولى، لقد كان هناك بالفعل سبب وجيه لمحاولة دفع حدود المهارة لتنمو. ورؤيتها في البداية قادرة على العمل جنباً إلى جنب مع التجسيد المادي لتقليل تكلفة المانا أضفى عليها قيمة هائلة، بما يجعله أثمن بكثير من ذلك القدر اليسير من العمل والإجهاد اللازم لتحقيقها. والقدرة على فعل ذلك داخل شبكة البوابات كانت أمراً طيباً لكن القدرة على جني تلك الفوائد بلا حدود كانت أفضل بكثير.
ولا يزال هناك المزيد لأختبره أيضاً لكن علينا الانتظار ريثما نصل، فنحن على وشك الوصول.
قالت تيرا، وهي ترمق بنظرة جانبية ذلك الشيء الذي كان يرغمه على الوجود في كفيه ويشي بانجازه بينما اكتفى هو بابتسامة مبادلة: "إذن، أنت مستعد لإحداث أزمة دولية؟"
"لا تقلقي، سيكون الأمر على ما يرام، سأطلق العنان لنفسي قليلاً ليس إلا، لأفرغ بعض التوتر وربما إن كنت محظوظاً حقاً، سأرفع أخيراً مهارة مزعجة واحدة. ومع وجود معالجة رائعة هنا، أنا متأكد تماماً من ألا أحد سيموت أيضاً."
"يا للسماء، يا له من أمر مقلق للسمع."
"الأمر بخير، الأمر بخير، وكلما أسرعت في إنزالنا، انتهى الأمر أسرع وعُدنا أدراجنا. انظري فقط إلى من هم في الأسفل، كم هم سعداء برؤيتنا بالفعل."
وما كان بن يشير إليه في الأسفل هو مشهد بضع كاهنين ممن لاحظوا قدومه، وهم يهرولون إلى كنيسة إنيث في حالة هلع بعد أن أدركوا من القادم. ففي النهاية، لقد حاول نصف الملك الخاص بهم قتله، وقد حان الوقت ليدفعوا له ثمن ذلك.
كان فيلث في الخارج بالفعل حين هبطوا، يلتقط أنفاسه مع الكهنة الآخرين الذين تبعوه، وجميعهم يحاولون الاستعداد لأي شيء قادم في تلك اللحظة بينما قفز بن للترحيب بهم، مرتدياً أوسع ابتساماته.
هتف: "أيها الأصدقاء، لقد مضى وقت طويل. يا للهول، لم أتواصل مع كنيسة إنيث الجميلة منذ، حسناً، منذ أن اخترق الغريب الحواجز. أليس هذا جنوناً؟ وحين تربطنا كلنا روابط وثيقة هكذا، كيف يمكنني أن أترككم جميعاً محرومين من رفيقكم المفضّل دون حتى أن أعرّج عليكم؟"
سأل فيلث بينما كان البقية ينظرون إليه بخوف ظاهر: "ما الذي يمكننا أن نفعله من أجلك، أيها الرسول بن."
وحده رسول إنيث كان يحافظ على رباطة جأشه بغض النظر عما قد يكون شعره في تلك اللحظة، وهو ينظر إلى من حبس ابنه في الجحيم الأبدية.
"آه، يا فيلث، يا صاح. دائماً متحرّص على المهنية، دائماً مباشر في العمل. دعنا ندخل إلى الداخل قليلاً أولاً، نتحدث قليلاً، ونستدرك ما فاتنا."
كان يمشي بالفعل قبل أن يتمكنوا من الرد، ومضى إلى داخل الكنيسة ليجد تمثال ميرياد لا يزال يطفو في الهواء ويقف بقربه عدة كهنة، يمدونه بالطاقة عبر حافة في السقف كانت في يوم ما الطابق الثاني للكنيسة.
ضحك قائلاً: "حسناً، يا للحظ، ألا يبدو أنكم جميعا تبذلون قصارى جهدكم منذ آخر مرة كنت فيها هنا؟ لا مزيد من الحوادث المؤسفة، أنا أحترم ذلك حقاً، أتعلمون؟ كلكم تبذلون قصارى جهدكم لإظهار الاحترام اللائق لسماوي. كلكم تتصرفون بشكل لائق تماماً وتعيشون ضمن حدود مناصبكم. لم يكن ليخطر ببال أحد أنَّ أحدكم قرر محاولة اغتيالي بينما كنت مشغولاً بالمجازفة بحياتي لإنقاذ العالم."
بدأ فيلث يقول: "فيما يخص ذلك، أنا-"
لكنه لم يُمنح فرصة لكلمة أخرى إذ تابع بن حديثه.
"لقد ألمني ذلك حقاً، أتعلمون؟ بمعانٍ عديدة في الواقع. كنت هناك، أحاول إغلاق بوابة تؤدي إلى الجحيم لكي لا نموت جميعاً قبل الموجة الثانية. فقط تفكّروا في مدى الإحراج الذي كان سيحدثه ذلك؟ الشياطين تأتي وتجد كوكب أشباح لا غير؟ وكنت أعمل بجهد كبير حين قُذف نحفي رمح مذهل حقاً. وأعني مذهلاً، ليس من حيث الشخص الذي قذفه بل الأداة نفسها؟ قبلة الطاهي، وهو أمر بديهي تماماً نظراً لأنني أنا من صنعه. هناك شيء يبعث على الإطراء حقاً في فكرة أن عملي بجودة عالية لدرجة تجعل حتى أنصاف الملوك يرغبون في استخدامه. لكن توجيهه نحوي؟ أقل إبهاراً. أدواتي مؤلمة. على أي حال، وفي ضوء كل ذلك جئت إلى هنا اليوم بشيئين. سؤال وعرض."
"عرض؟"
"الآن الآن يا فيلث، رتّب الأمر بشكل صحيح. كان يجب أن تسأل عن السؤال أولاً."
"...ما هو السؤال؟"
"كم عدد كهنة إنيث العاملين هنا حالياً؟"
"اثنان وعشرون، ولماذا؟"
"يا فيلث، كِلانا يعلم أن هذه لم تكن الإجابة التي أريد البحث عنها تالياً. هيا، كن صبياً طيباً والعب دورك في المحادثة بالشكل الصحيح، أأنت سامع؟"
أخذ شهيقاً حاداً أراد إخفاءه، فلم يستطع موقف بن إلا أن ينال من الرجل وهو يفعل ما يُتوقع منه.
"ما هو عرضك؟"
"هذا هو! لم يكن الأمر بهذا الصياب، أليس كذلك؟"
ضحك بن، ممتلئاً بالتعالي.
"أما عن العرض، حسناً، فهو هذا."
وبينما تحدث، أخرج بن اثنين وعشرين عقداً من خاتمه، يحمل كل منها قلادة مكعبة، ورماها عند قدمي الرسول الآخر.
"تَبارَزوا معي، كلكم جميعاً. إن فزتم فسوف أقطع الرابط بين كنيستينا."
<ارتفع مستوى النية السيئة>