قال مبتسماً وهو يشق طريقه نحو مجموعة الخمسة: "أهلاً بكم، آمل أنكم استمتعتم بالطعام جميعاً".
جلس على الأرض معهم قبل أن يتسنى لهم الرد، ليُبادر أحدُهم بالحديث بمجرد انضمامه إليهم.
"كان لذيذاً، شكراً لك. لم أظن أن المغامرين يأكلون بهذا المستوى".
ضحك قائلاً وهو يحاول خلق أجواء جيدة تدفعهم للانفتاح قليلاً، لكن محاولاته باءت بالفشل بغالبيتها إذ فضل كل شخص منهم الانعزال بنفسه، مما دفعه لتغيير اسلوبه نحو طريقة أكثر مباشرة: "حان وقت الجد إذن، وكما تعلمون جميعاً، طُلب مني تقييمكم لذا أرجو ألا تمانعوا طرحي بعض الأسئلة عليكم. أريد فقط تكوين فكرة عن شعوركم حيال الأمور".
أجاب الشخص ذاته بينما أومأ الباقون، إذ ابدوا استعدادهم لمنحه بعض الوقت تنفيذاً للتعليمات بالتعاون معه، مما سهّل عليه الأمور قليلاً من هذه النواحي.
"رائع، لنبدأ بالبديهيات إذاً. هل تندمون على موافقتكم على تعديل فيفيدوس لأجسادكم؟"
"لا".
"أنا لا أندم".
"لا".
"لا".
"أبداً".
"حسناً، هل كنتم ستتراجعون عن العملية لو استطعتم؟"
"لا".
"وأنا مثلك".
"لا أعتقد ذلك...".
"لا".
"أنا لن أفعل".
"هل عانى أي منكم آثاراً نفسية تعتقدون أنها ناتجة عن تغيير أجسادكم؟"
"لم أعانِ".
"ولا أنا".
"لا أظن ذلك".
"لا، أنا بخير".
"لا".
تابع طرح المزيد من الأسئلة محاولاً سبر أغوارهم لاستنطاق إجابات أعمق، وعلى السطح ظلوا يصرّون على أن الأمور على ما يرام، وأنهم أرادوا النتائج التي حصلوا عليها، وأن أي ثمن رخيص في سبيل قدرتهم على قتل أي شياطين يصادفونها، لكن هذا كان على السطح فقط. أفضت عقولهم بقصة مختلفة، بردود فعل لاواعية ظنوا أنها في مأمن داخل عقولهم لولا وجود قارئ الأفكار متنكراً بجانبهم. من تلك الزاوية، أسفرت كل إجابة عن معانٍ مغايرة.
انزعاج من رؤية ما آلت إليه أجسادهم وشعور عام لا فكاك منه في أجسادهم، فالتعديلات لم تكن مزعجة بل غريبة بطريقة تتطلب وقتاً للتأقلم أطول بكثير من ذلك الذي مُنح لهم قبل إرسالهم. أمّا فيما يتعلق بأسئلة الندم أو الرغبة في التراجع، فقد أثارت تلك الأسئلة أمواجاً من المشاعر المعقدة، إذ صارعوا للتوفيق بين ما ظنّوا أنهم أرادوه وما تلقوه، وما إذا كان الأمر يستحق العناء في النهاية.
وكلما توغل في الفحص زاد يقينه بأن الإجابة كانت لا قاطعة، لكنهم في طبقات أفكارهم السطحية بذلوا قصارى جهدهم لتبرير ذلك، مقنعين أنفسهم بأنهم اتخذوا القرار الصحيح بدل تنفير أنفسهم من صورهم الخاصة عن هوياتهم، وقد تكررت هذه المواضيع ذاتها أثناء انتقاله من مجموعة إلى أخرى. بالتأكيد، وُجد القليلون ممن تقبلوا الأمر بغرابة مهما حاول الفحص، بل ووجد أحدهم من استمتع به، لكنه يستطيع وصف ما يراه في مجمله بأنه سلبية في حياة الأغلبية، سعى الكثيرون لإقناع أنفسهم بأنها باتت مقبولة الآن بعد أن وقعت الواقعة.
لقد اتخذوا قرارهم وبكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات، صار لزاماً عليهم التعايش معه. حسناً، خلاصتي الأساسية هي أنه إن أرادت فيفيدوس فعل هذا على نطاق أوسع في المستقبل، فعليها إجراء تقييم نفسي شامل لجميع المرشحين المحتملين. أظن أنني سأوصيها بالاستعانة بفونا لهذا الغرض. لا أعلم إن كانت فيفيدوس ستستمع للنصيحة، لكن هذا سيضمن لها الاستعانة بشخص أكثر اختصاصاً في التعامل مع المشكلات النفسية، ويمتلك ما يكفي من الأخلاق الأساسية لردعها عن ارتكاب أي حماقات شديدة اللاأخلاقية.
فور انتهائه عثر على ثيرا وجلس بجوارها، ممدداً على الأرض لمحاولة ترتيب أفكاره. لم يعجبه ما رآه لدى أي ممن تحدث إليهم، وبدا جلياً أنهم استُغلوا في لحظات ضعفهم، ولكن من أدراه لعل الأمر لم يكن بلا جدوى على المدى الطويل؟ بغض النظر عما يعانونه جراء ذلك، فقد حسّنت فيفيدوس وبشكل موضوعي فرص بقائهم على قيد الحياة. باتت كل كيميرا مجهزة فوراً لصمود أفضل في وجه أي أخطار تُلقى في وجوههم، ألا يبرر هذا كل شيء في النهاية؟
تمتم وهو يغطي عينيه: "بحق السيّد، لا أعلم"، مستغلاً ما أتيح له من وقت قصير للاسترخاء قبل حلول موعد مواجهة المجموعة التالية من الشياطين، بينما شاركته ثيرا الشعور ذاته تقريباً.
"نعم، هذا أقل إثارة مما ظننته".
"هاه، روائع المهام من الرتبة الأولى. أجاهزة للتقاعد؟ يمكننا الاستمتاع بشهورنا القليلة القادمة من الحياة بلا قلق من الانجرار خلف أهواء الآخرين".
"امتنع. سيأتون يوماً لدعوتنا إلى ما هو أكثر إثارة وأقل... حسناً، أياً ما يكن هذا. وأنا متأكدة من ذلك".
"هاه، إذن لنرَ ما سيكون".
وليس الأمر كأنني أستطيع الجلوس وترك الأمور للريح لأشهر، سواء أكنت مغامراً أم لا. الكثير بانتظار الإنجاز، محاولة حشر ما يعده معظم البشر عمراً كاملاً من العمل في الأشهر المتبقية له، وكل ذلك لبلوغ أهدافه المختلفة. كان بإمكانه الاستقالة من النقابة في تلك اللحظة بالذات، لكن ذلك لم يكن ليقلل حجم عمله ولو بقطرة، وكل ما سيفعله هو تغيير طريقة استغلاله لبعض وقته. وفي غمرة تلك الأفكار اقترب البعض منهما، وجاءت الفتيات الأربع المنتميات إلى الفريق الكامل نحوهما.
"مرحباً، شكراً مجدداً على الطعام قبل قليل"، قالت غالدا نصف الجنية بانحناءة خفيفة.
"لا يحالفنا الحظ غالباً لنحظى بطعام بهذه الجودة، لكنه كان لذيذاً حقاً".
"آه، لا مشكلة، يسعدني علمي باستمتاعكم. إن امتد الوقت بما يكفي لنتوقف لوجبة ثانية، فسأقوم بالطهي مجدداً إن أراد الجميع ذلك".
حيث تظل كلمة "إن"
هي السؤال الأهم. وحتى لو ظهرت عقبة في القتال الأخير، فقد تجاوزت مجموعة الكيميرا التوقعات وأنهت الأمور بالسرعة التي قد تجعل ما كان يُفترض أن يكون استكشافاً لعدة أيام ينتهي مع حلول المساء في حال سارت الأمور البقية بسلاسة كافية، حتى وإن بدت أولئك الأربع ممتنات للعرض.
ابتسمت قائلة: "إن سنحت لنا الفرصة فسنستمتع بذلك. لكننا أملنا في الواقع أن نحظى بفرصة أخذ شريكتك لبعض الوقت للدردشة. إن كنتَ لا تمانع بالطبع يا آنسة ثيرا، وبالنظر إلى الكم الهائل من السحر الذي تمتلكينه، فقد أمل كل من توي وأزيزول الحصول على بعض النصائح، كما أنني وبوورث مهتمتان بالأمر أيضاً إن لم تمانعي أن ننهل من علمك".
"ممم؟ لا مانع لدي، لكنكم في الحقيقة سترغبون بسؤال بن طلباً للنصيحة أكثر مني. لقد حصل على إمكانية الوصول إلى مكتبة السحر الكاملة، وأستطيع الجزم بأنه يعلم عن السحر المائي وترنيمة الجثث أكثر مني مهما بلغت مستوياتي".
بدا أن هذا قد أخرس المجموعة فتبادلن النظرات، غير داريات إلى أين يتوجهن من هنا، فمنحهن بن طوق النجاة.
"حتى وإن أردن بعض النصائح، فهن يحاولن أيضاً خلق ثغرة ليتسنى لباتو التحدث إليّ"، أخبرها متجاهلاً النظرات التي تلقاها عندما بدا من منظورهم أنه كشف نواياهم بدقة، غير عالم بأنه كان يقرأ أفكارهم.
مع ذلك، وبما أنه كان يعمل معهن، فقد استطاع اقتطاع الوقت للحديث عن أي شيء يريده الرجل، إضافة إلى تقديم المساعدة لبقية الفريق فاستحضر كتباً عما يعرفه عن السحر المائي وترنيمة الجثث ليسلمهما إلى الساحرتين دون أن ينطق بكلمة بينما ركز اهتمامَه على ثيرا.
"لا سبب يمنع من منحه بعض الوقت طالما أننا نعمل معاً، وسيكون من الجيد نيل فرصة الحديث، من عالم آخر إلى عالم آخر. يبدو أنهن يرغبن حقاً في التعلم قليلاً، فلمَ لا تقتنصين الفرصة لتختبري قدرتك على لعب دور المعلم؟"
"أشعر وكأن بإمكانه المجيء بنفسه لطلب إعارتك".
"يبدو أنه يحاول إظهار لياقة أكثر مني. لا تقلقي، سيكون الأمر على ما يرام".
"ممه، حسناً، فقط حاولي ألا تكرري ما حدث بالطريقة التي جرت بعد لقائك بالساحر المكاني الأخير".
"إن بدا أن هناك أي احتمال لتكرار ذلك فسأطلق صراخاً مدوياً فاستمتعي بوقتك".
بعد تقديم هذه التأكيداتها، سمحت ثيرا لنفسها بأن تُسحب بعيداً، بينما تلقى هو نظرات وداعية إثر إثارته لموضوع وضع كليهما كقادمين من عالم آخر، تاركاً نافذة تتيح الانضمام إليه، وسرعان ما شق باتو طريقه نحوه، غير عالم بما قيل سلفاً.
"عذراً، يبدو أن فريقي تركك وحدك، أتمانع انضمامي إليك لفترة؟"
"بالتأكيد، لا مانع لدي من المؤانسة"، قال بن بابتسامة، إذ لم يلمس أي شائبة شريرة في عقل الطرف الآخر تدفعه لطلب المساعدة، بينما جلس المستدعى الآخر على الأرض بجواره، مادّاً يده ليصافحه بن قبل أن يصمت للحظة محاولاً ترتيب أفكاره.
قال أخيراً: "عذراً، أدرك أننا للتو التقينا لكن لدي سؤال بسيط لك إن لم تمانع"، ليرد عليه بن قبل أن يطرحه.
"نعم، أنا أحد المستدَعين، مثلك تماماً".
"هاه، حسناً هذا يسهل الأمور، أليس كذلك؟ أستنتج بما أنك استطعت التعرف عليّ أنك التقيت ببعض أفراد قومي من قبل؟"
"يوزو وكسيلي غالباً، رغم أنني رأيت أخريات. وأنت، هل التقيت ببعض البشر؟"
"آه، وُضعت في مهمة مع زوج منهم من قبل لكنني لا أذكر أسماءهم في الواقع"، اعترف بارتباك.
"لكنهم أُرسلوا للعمل معي ومع بعض المغامرين الآخرين عبر الأمم التي يعملون لصالحها. ومن مظهر الأمور هنا، أظن أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لك؟ هل أنت مستقل أيضاً؟"
"إم، أنا كذلك"، اعترف بن، وقد بدأ يشعر بارتعاشة عدم ارتياح لما تؤول إليه الأمور.
"عظيم، عظيم"، قال باتو وقد اتقدت عيناه حماسة عند سماع الخبر.
"سمعت بوجود آخرين من مجموعات مختلفة لكنك أول من ألتقيه وشق طريقه بمفرده مثلي تماماً! لا بد لي من السؤال، ما الذي دفعك للقيام بذلك وما شعورك حيال الأمر؟ أترغب في العودة عنه بأي شكل؟"
وها قد جاء، ذلك السؤال المزعج للغاية الذي ترك بن يتساءل عما إذا كان يجدر به الكذب حفاظاً على سلاسة الحديث لكنه قرر عكس ذلك في النهاية، مقدماً شرحاً صادقاً.
"وضعي كان أكثر تعقيداً بقليل من ذلك"، اعترف قبل أن يستحضر كرة صغيرة ويقذفها بخفة في الهواء.
"هذه؟ لم أستطع فعلها حين قدمت إلى هنا. لم أكن أستطيع فعل أي شيء تقريباً. أظن أن ما قوّى الآخرين لم يؤثر عليّ حقاً بسبب طبيعة روحي، لذا لم أظهر بمهارات مُستيقظة وكانت سماتي منخفضة جداً أيضاً. وحين حان دور الكنائس والدول لتقديم العروض، تم تجاهلي".
كانت ضحكة باتو مدوية على قدر ما تووقعها مع هذا الخبر، لكن طريقة تفسير بن لتلك الضحكة تغيرت حين لطم الرجل الجالس بجانبه ظهره بخفة وهو يتابع كلامه.
وتابع ضاحكاً: "وها أنت ذا الآن. لقد حصلت على ثلاث مهارات مُستيقظة باسمك وحدك؟ يا رجل، أراهن أن كل وغد في هذا العالم ينتف شعره ندماً على عدم اقتناصك حين كان الأمر زهيداً. هذا رائع يا رجل، أعني، لا بد أن الأمر كان مقرفاً في البداية ولكن الآن؟ سأكون فخوراً للغاية. هناك الكثير مما يمكن التباهي به حين تكسب مهارتك بنفسك بدل أن تُقدّم لك على طبق من فضة بعد كل شيء".
"أم، شكراً لك".
مذهولاً قليلاً بهذا التفاعل، عجز بن عن الكلام لبرهة. فقد اعتاد تلقي مجموعة من ردود الفعل حين يكتشف الناس ظروفه، بدءاً من التعاطف وحتى الانزعاج مع حالة واحدة على الأقل لشخص ضحك على وضعه بطريقة سلبية للغاية، فضلاً عن الصدمة لدى القلة الذين استنتجوا سرعة تطور مهاراته، لكن رد الفعل هذا كان الإيجابي على الإطلاق بلا منازع. لم يقلل من شأنه بأي شكل ولم يكذب قدرته على بلوغ هذا المبلغ، بل كانت ردة فعل نقية وإيجابية بحتة تجاه ما أنجزه.
جعله ذلك يشعر بالحرج قليلاً، خصوصاً حين لمس ذات المشاعر المنبثقة من كلمات الطرف الآخر في عقله أيضاً، لذا أعاد توجيه السؤال ذاته رغبةً في سماع قصة حياة باتو كذلك.
"وماذا عنك إذن؟ ما الذي دفعك لرغبة في شق طريقك بمفردك بدلاً من سلك الطريق المريح بجعل دولة ما تغدق عليك الأموال حفنات؟"
"آه، الكثير بصراحة. لست متأكدًا من مدى معرفتك بقومي لكن حتى في موطني شعرت أن ثقافتي مقيدة بعض الشيء، ولم أرد الزج بنفسي فوراً في ثقافة أخرى بقواعد جديدة أتبعها بينما يوجد هذا العالم بأسره ليُكتشف. وبصرف النظر عن ذلك... حسناً، لقد قلت إنك التقيت بيوزو؟"
"أنا اعرفها، وهي متزوجة من بشري".
"أحقا؟ حسن لها إذن. على أي حال، في الكنيسة التي وُضعنا فيها جميعاً، كان يجب أن ترى ردة الفعل حين كُشفت حالتها. كان الأمر كما لو أن بقية وجودنا قد تلاشى وبدا جلياً في ذلك الوقت أن الأمور ستسير على هذا النحو من الآن فصاعداً. أينما ذهبت، سأكون ذلك الشخص الذي ليس هي"، هز كتفيه.
"لا تفهموني خطأ، ليس لدي أي ضغينة هنا. إنها فتاة لطيفة وأتمنى لها الأفضل، لكنني لا أود الشعور بأنني ممثل مغمور في حياة شخص آخر. بدا شق طريقي بمفردي أفضل سبيل لتحقيق ذلك".
"وهل تندم على ذلك؟"
"أنا؟ هاه، ولا حتى قليلاً. مسألة نهاية العالم هذه مزعجة بعض الشيء لكنني أستمتع بحياتي بكل ما فيها من صعود وهبوط. إضافة إلى ذلك، حسناً... انظر، أشعر أحياناً بغرابة بعض الشيء حيال مستوى مهارتي لأنني وكما قلت لم أكسبه بالطريقة التي فعلها من وصلوا إليه طبيعياً، لكن امتلاك تلك القوة يأتي بلا شك ببعض المزايا اللطيفة جداً".
توردت عيناه نحو بقية أفراد فريقه وهم يتحدثون مع ثيرا جانبًا بينما رُميت تعاويذ صغيرة، مما ترك بن يضحك.
"مثل تكوين حريم صغير؟"
اعترف قائلاً: "بصراحة، نعم"، "الأمر مفيد للطرفين ولا توجد أي مشاكل حقيقية. فهن يعلمن ما كنت أبحث عنه ويحصلن على المكانة التي تصاحب العمل مع ذي رتبة أولى. تباً، الوجود في فريق يضم ذي رتبة أولى يسرع تقييمات الرتب الأخرى أيضاً لذا بلغ نصفهن الرتبة الثالثة بوجودي معهن ويبدو أن الاثنتين الأخريين بحاجة إلى مستويات إضافية قليلة في بعض مهاراتهن لبلوغها الآن أيضاً. لكننا نتوافق أيضاً، وأود الاعتقاد بأن هناك صداقة حقيقية هناك تتجاوز مجرد الجنس والمكانة".
كذب ليخفي قراءته العابرة للأفكار: "لا تقلق كثيراً بشأن هذه النية، فلدى بعض مهاراتي جوانب تعاطفية، وأستطيع إخبَارك أنك محبوب جداً من قِبلهن".
كان حديثهما يسير بسلاسة تجعل رغبته منعدمة في فضح أمره بسبب خرق مفاجئ للخصوصية، وتهلل وجه باتو فرحاً جراء التصريح.
"أنا كذلك؟ تباً، من الجميل سماع ذلك دائماً. وماذا عنك إذن؟ قلت شريك، هل أنتما الاثنان...؟"
"نعم، نحن معاً ولن أود إضافة المزيد. ليست من ميولي حقاً".
"مهلاً، أنا أدرك ذلك، قد لا أكون باحثاً عن الحب لكن إن عُرِض على الطاولة فلا أعلم إن كانت الأمور ستبقى لطيفة وخفيفة كما أستمتع بها حالياً. بالطبع، سمعت أن مستدعين آخرين يحتفظون بشركاء رومنسيين متعددين لذا إن التقيت يوماً بأحد من مجتمعات أكثر أحادية الزواج فسيتعين عليّ سؤال كيف تسير الأمور معهم".
"ممم، من خلال من أعرفها أستطيع القول إن الأمر يسير بشكل جيد، رغم أنني أعتقد أنه تحول في مرحلة ما من حريم إلى شيء شبيه بتعدد العلاقات".
وصادف أن شمل ذلك الفرد عضواً من عرقك.
"حقاً؟ حسناً لهما إذن. الحياة أقصر من أن تُترك الأمور لتتعقد هكذا، وأشك في أن أي شخص على هذا الكوكب يدرك ذلك بقدر أشخاص مثلنا".
"هاه، الموت مرة واحدة يمنح منظوراً معيناً لكل ما عداه، أليس كذلك؟ هاهنا نأمل تأجيل المرة الثانية لأطول فترة ممكنة".
واصلا الدردشة خلال الاستراحة القصيرة، مستمتعين بفرصة الحديث معاً وهما يقارنان فترات عيشهما في العالم.