شعر ببدنه يزداد خفة مع كل خطوة بينما يسري جرعُه في دمه. استمر تحسُّن خصائصه طوال طريقه حتى وقف أمام باب المكتبة ليقصد هدفه التالي. أخذ نفساً هادئاً وولج الداخل. بدت خاليةً تماماً كزيارته السابقة. وُجد بعض الموظفين لخدمة القلّة من السحرة المستفيدين من المكان. منحه ذلك أملاً بأن يجد من يبحث عنها هنا أيضاً. توجّه نحو مكتب كيلي ليعثر عليها وتلقى الإجابة فور أن طرق الباب.
قال: "تفضل".
كانت حافظة المعرفة جالسةً خلف مكتبها. غطت الأوراق والأعمال المتراكمة أرجاء الغرفة نظراً لدورها المحوري في وضع الاستراتيجيات. بدا التعب جلياً على وجهها جراء كل ما أجرته من مهام، حتى وهي ترمقه بنظرة خاطفة.
قال: "آه، بن، ما الذي أتى بك اليوم؟"
قال: "عذراً، أرى أنك منشغلة لذا سأختصر. أعلم أنه طلب ثقيل لكنني كنت أتمنى وضع لافتة في مكان ما لمساعدتي في إيجاد شخص يحمل مهنة مستخدم العقل، أو ربما جعل أمناء المكتبة يذكرون الأمر لأي زابن يساعدونه إن أمكن؟"
قالت: "وهل لي أن أسال لماذا باختصار؟"
قال: "باختصار شديد، سأحاول الاستفادة منهم لمساعدتي على إنجاز مهمتي الحالية بشكل أسرع عبر تكوين فريق معهم بواسطة مغامر، وتلك إحدى المفاتيح التي أحتاجها لتحقيق ذلك".
قالت: "أفهم، وهل يشترط أن يكون مستخدم عقل؟ ألا يصلح سيد عقل؟"
قال: "سأقبل أياً منهما طالما أن مستوى مهنته دون الأربعة وتسعين. هذا هو الشرط الوحيد بالنسبة لي".
قالت: "إذن، خذ فيربوم".
قال: "هاه؟ أليس تحت مرتبة مهنية ثالثة؟ أم أنه لم يفتحها بعد؟"
قالت: "لا. من الاكتشافات الأكثر إثارة للاهتمام التي رافقت استدعاء الأشخاص في تلك المرتبة أن المرء يحصل على المهنة حتى إن لم يمر عبر الفروع الأدنى أولاً. لكن حين وصل، وبعد الحديث، قررنا ألا يخوض غمار تلك المهنة بداياتٍ. نظراً لخلو مهارته من المستوى وبعض التفاصيل التي تمكن من معرفتها حول تلك المهنة بالذات، ارتأينا أن الأفضل له هو خوض شيء أشمل ليحظى بوقت أسهل في اكتساب مهارات ذات صلة أيضاً".
قال: "هاه، رائع. إذن سأضمه بالتأكيد. سأمر مجدداً غداً. شكراً يا كيلي، أنت الأفضل!"
مع سلاسة الأمور هكذا، غادر المكان مترعاً بالمشاعر الإيجابية، حتى وإن وجد شخصاً بمهنة أصعب ممّا توقع. لكن ما أهمية ذلك؟ مقارنةً بما يعنيه لي، لن تساوي أي خبرة تتطلبها حاجته شيئاً يذكر. يبقى الآن تتبع الأخيرة التي أحتاج إليها. آمل ألا يكون العثور عليها عسيراً.
نادى بن: "فاستا!"
بعد ساعات من البحث عنها. وجد الساحرة بلا تقارب تتجول خارج أولفيث بحثاً عن أي شياطين قد تكون علقت بعد اجتياز نقطة غزوهم.
قالت: "ممم؟ بن، ماذا تفعل هنا؟"
قال: "أبحث عنك! ما مهنتك الحالية؟"
قالت: "ماذا؟ ولماذا؟"
قال: "لأنها إن كانت مهنة عامة بلا تقارب فيمكننا مساعدة بعضنا قليلاً. أبحث عن شخص لأضمه إلى فريقي-"
قالت: "سأفعل".
قال: "ماذا؟ حسناً، شكراً، لكن من أين جاء هذا الحماس؟"
قالت: "سمعت من الثلاثة عما فعلته معهم مؤخراً، وأنا أطمع من ألا أحاول انتزاع بعض الفوائد لنفسي. المهنة الحالية التي أشغلها هي ساحرة بلا تقارب عظيمة، وأبدو وكأنني أحصل على خبرة من كل تطبيقات السحر. أيفيد ذلك؟"
قال: "يفيد بالتأكيد، لكن يجب أن أذكرك أن هذا لن يكون سباق سرعة كما فعلت مع البقية. نأمل أن يمنحك هذا خبرة أسرع قليلاً ممّا كنت ستحصلين عليه لولا ذلك، لكنني بصراحة لن أدرك الأمر حتى نخوضه".
قالت: "إذن فلا بأس في ذلك. أنت فتى ذكي بما يكفي، ومتاكّد أنك ستجد مخرجاً إن دمجنا مخزوناتينا".
قال: "حسن، أنا متفائل على الأقل، لذا إن كنت متأكدة فسأخذك بسعادة. في هذه الحالة، أتمانعين لقائي في مكتبة أبراج السحر غداً؟"
قالت: "أستطيع فعل ذلك".
قال: "رائع، أقدر لك المساعدة!"
بعد العثور على جميع العناصر الأساسية لفريقه، ورغم بعض العقبات في الطريق، وجد نفسه في مكان مثالي لمحاولة قهر نظام المهن مجدداً. ما عليه سوى انتظار شروق الصباح ليرى إن كان سيتمكن من تحقيق مراده.
تنهّد ميرياد: "تبدو مبتهجاً بصورة مستفزة، أنا قلق بالفعل بشأن المستقبل".
"المستقبل الذي أقف فيه على قمة العالم بصفتي مَلِكاً ملكاً ذا قوة غير محدودة؟"
"لا، المستقبل الأقرب حيث تدع كل المكافآت التي ستنالها بعد إنهاء مهامك كافة تُصاب بالغرور، ويبدو أنني بدأت أستمتع بمذاق مبكر لذلك".
"هيا يا ميرياد، أستحق أن يركبني الغرور ولو قليلاً، إذا جمعت بين فكرة إنجازي لكل مهامّي الفردية وبين حجم نمو صفاتي طوال الليل، فقد أفتح حقاً مهامّ الملوك لكل صفة تخصّني بحلول موعد الموجة التالية!"
"ليس رشاقتك ما لم تمارس الجري".
"نحن نتجاهل هذه النقطة، فهي لا تهم، وما يهم حقاً هو شعوري بأن احتمالات نجاتي من كل شيء قد ارتفعت بنسبة مئوية كاملة!"
"كم ظننت فرصتك قبل هذا؟"
"بالفرض أنني أيقظت المهارات التي أريدها؟ بين الصفر والواحد، لذا فإن ذلك الواحد الإضافي في القمة سيقوم بالكثير من الجهد الشاق، بل إنه سيرفع بالتأكيد فرص اختراقي لحجز الطبقة الثالثة فانتظر ذلك. يا رجل، كل شيء يسير بشكل صحيح بطريقة ما للمرة الأولى، كيف يمكن للحياة أن تبدو بهذه الجودة؟"
"كانت بيلينيا على حق، أنت مجنون حقاً في هذه اللحظة".
"أتلومني؟ بالنظر إلى حقيقة أن موتي في نهاية العام مضمون أساساً، فإن كل ومضة أخبار جيدة أتلقاها تشبه العثور على واحة في صحراء، وها أنا هنا لأرتشفها عن آخرها".
"آه، إذن هذه كلها طريقتك للمراوغة، فهمت".
"أهون يا رجل، البهجة حقيقية، لو فكرت في هذا قبل بضع سنوات لكان الأمر أشد واقعية بكثير، ثمة مهام أخرى بالتأكيد كان بإمكاني إنهاؤها أسرع في الماضي لو أنني ظفرت بمستخدم عقل أو اثنين، من القسوة حقاً سماع كم أن هذا الخيار نادر، أريد كتابة رسالة شكوى".
"حسناً، بالنظر إلى إنتاجك من الأرواح، لن تحتاج إلى واحدة لأي شيء آخر"، هكذا فكّر ميرياد، "ما لم يكن لديك روح أخرى من الطبقة الثالثة هناك ستستغرق وقتاً أطول قليلاً، فيبدو أن أي شيء آخر تملكه سيكون قابلاً للتحطيم لمجرد العثور على متدرب ساحر أو ساحر حقيقي، ربما حتى الخبرة التي يكتسبها المغامر من السحر قد تكون كافية".
"هممم، صحيح، هذا جدير بالتذكر. ما زال يغمرني الأمل في أن تنتهي واحدة أخرى على الأقل من مهامي الأغرب لتكون خياراً للطبقة الثالثة، لكنني سأكتفي الآن بما أنا قادر على نيله، وإن دعت الحاجة فسأتتبع مستخدماً للعقل بطريقة أو بأخرى للمساعدة في تسريع الأمور، لكنها مشكلة مستقبلية، وما زال يتعين عليّ تجاوز هذه أولاً".
كان يضع الاستراتيجيات بالفعل لكيفية تحقيق ذلك أيضاً. سيكون قادراً على صنع أرواح أكثر بكثير مما فعل سابقاً منذ أن أيقظ إنتاج الأرواح، لكن وفاءً بعهده لن يدفع الأمر إلى ما وراء حدوده الطبيعية إلا أثناء العمل في المتجر، إذ كان ذلك وقت ارتدائه لسترته. أجبره مجرد التفكير في الأمر على رغبته في نقض ذلك العهد فوراً أيضاً. لو أبقى السترة بحوزته وظل يسحب المانا طوال الوقت لكان قد أنهاها أسرع، لكن ذلك لن يؤدي إلا إلى إغوائه أكثر بإبقائها معه طوال الوقت.
تكمن غاية تركها خلفه في منعه من استخدامها عكازاً، فلا يمكنه الاستمرار في تقديم التنازلات من أجل راحته، فهذا سيهدف الغاية برمتها. فوق ذلك سيقتل ذلك معدلات نموي الطبيعية، سأكون قادراً على تعويض أوقات استخامها إذا رفعت مستوى توسع الأرواح بضع مرات أخرى، لكن ذلك سيتوقف نهاية الأمر ما لم أستطع معرفة كيفية إيقاظ تلك المهارة من دون تمزيق روحي المسكينة والمسكينة حقاً.
لا، على الرغم من رغبتي الجامحة، سألتزم بالطريقة التي خططت لها مسبقاً، وسأحتاج فقط إلى تحقيق أقصى استفادة من الوقت الذي أستعجل فيه استخدامها. علاوة على ذلك، ومع كافة طرق نموي منذ استخدامها لصناعة سترتي والهرب، سأصنع أرواحاً أكثر بكثير مقارنة بما كنت أفعله وأنا محبوس. سأرى غداً كم نمت مانا الخاص بي بفضل جرعة الملك التي ستسمح لي بتجسيد المزيد دفعة واحدة، وحتى قبل ذلك كنت أصنع أكثر من ثلاثين مضاعفاً لما كنت أفعله سابقاً بفضل مستواي الأخير فيها...
يا رجل، قد تكون إيمي على حق، ثمة على الأرجح بعض الآثار اللاهوتية التي كنت أتجاهلها في هذا الأمر. لا بأس، طالما لم يكن هناك ملك للكون المتعدد يراقبني ويحاكمني، فالأمر على ما يير غالباً. أومض عقله لفترة وجيزة متذكراً أحد أحدث ألقابه وهو متجاوز، وعلى الرغم من تأكده من أنه لم يصدر عن أواون، فقد حدث نفسه بأنه منح بالتأكيد من قِبل النظام، وليس شيئاً من كينونة أعلى غير راضية عن أفعاله.