اليوم الأخير. بعد شهر من القتال ومشاهدة الناس يموتون، انتهى الأمر تقريباً، أو هكذا بدا. ستظل تقاتل للعام القادم، فالفيالق التي عبرت البوابات وتجاوزت خطوط القتال كفيلة بضمان ذلك، ثم ستكون هناك الموجة الثالثة التي ينبغي القلق بشأنها وما ستجلبهم من أهوال، لكن تلك كلها مشاكل مؤجلة. بعد التعامل مع ذلك اليوم وما تبقى من حثالة ستعبر قبل انغلاق البوابة، سيكون الوضع هادئاً نسبياً مقارنة بالجحيم الذي عانته الأسابيع الماضية.
جحيم لم تكن مستعدة للفرار منه مع ذلك. منذ بدايته كانت أشغلت نفسها عن التفكير، فأي وقت راحة سيبدل ذلك، مجبرة نفسها على مواجهة أمور لم تكن مهيأة لتحملها. لا، سيكون تفادي ذلك أفضل لأطول فترة ممكنة، حتى إن تعنى ذلك إهلاك نفسها عملاً في مستشفيات شتى أنحاء العالم إن كان ذلك سيمنعها من التفكير فيما فقدته. لكن ليس حينها. حينها كانت البوابة لا تزال مفتوحة ولديها أهداف لتفرغ غضبها فيها، بينما واصلت الشياطين الموت جماعات بقوتها فيما استمرت في نهج جمعها وابتلاعها في الأرض أدناها بينما مرت الساعات.
وهكذا، وقبل أن تلاحظ، انغلقت البوابة أخيراً، وارتفعت صيحة ابتهاج بين القوات لتعلنه كأنها النهاية حقاً؛ كأنهم لن يضطروا للمتابعة من نقطة الصفر. حتى حينها ظل عليهم القتال، لقتل أخر من عبروا، لكن بالنسبة للأفراد الذين خدموا في كل مكان طوال ذلك الشهر الجحيمي بدا الأمر كأنه انفراجة، تنبئهم باقتراب الراحة، مقارنة على الأقل بما عانوه. أما بالنسبة لثيرا، فرغم عدم وجود سبب يرجح غير ذلك، لم تستطع عيناها إلا تفقد الحشد الأخير من المسوخ بلا وعي، آملة ظهور أحدهم رغم خلو الأي مؤشرات تنبئ بنجاته، لتخرج بلا شيء في النهاية بينما جددت مذبحتها لما ستجلبه من عزاء طفيف.
ما إن خلا ذلك الحقل من الأحياء، ولم يبقَ فيه سوى جثث أولئك الذين عجزوا عن الفرار في الوقت المناسب، حتى عادت هي أدراجها إلى المستشفى ليبدأ فصل جديد من معركتها، إذ حاربت الموت نفسه لإنقاذ الآلاف الذين تقاطروا على مدى ساعات طويلة، واكتظّ المبنى بالبشر بينما واظبت ثيرا على تفعيل تعاويذها المتنوعة لتخفيف العبء عن الآخرين، وعملت هي وبقية المعالجين، برفقة طائفة من أرواح الحياة والنور، بلا انقطاع لإنقاذ كل حياة يستطيعون الوصول إليها.
كانت تضمد الجراح، وتوصل الأطراف المقطوعة أو تعيد إنباتها حسب توفر اللحم الأصلي، وتنتشل البشر من حافة الموت، وعجزت ثيرا عن إحصاء من أنقذتهم منذ أن باشرت عملها هناك، لكن جهودها ما كانت لتكفي قط، فثمة المزيد دائماً ممّا يجب فعله، وسيبقى الحال هكذا لفترة طويلة مقبلة، ولن ينتهي هذا العمل، غير أن ذلك ناسبها تماماً، فقد مثّل لفتة تلهيها حين تحتاج إليها، ومع تمدد المشكلة ببطء، صار الأمر يقع تدريجياً على عاتق معالجي المدن والبلدات والقرى غير المشمولة بشبكة البوابات، حيث اضطر مغامروهم، بل وحتى مواطنوهم العاديون، للتعامل مع كل ما يعترض طريقهم.
هذه هي الحياة منذ الآن فصاعداً، لقد صارت مشكلة الجميع، ومهما بلغ استعدادهم، فسيتعين على كل فرد التعامل معها، وكل ما استطاعت فعله هو الاستمرار في العمل، ولم تتوقف إلا حين شعرت بتغيير مفاجئ، بشيء خفي لم تدركه فوراً حتى اصطدم بها دفعة واحدة، إذ عادت تشعر بآثار الرابط. كادت تجهش بالبكاء من شدة الارتياح في تلك اللحظة بالذات، لكنها كبحته مراعاة للمرضى بعض الشيء، ولأن انهيار معالجتهم أثناء علاجهم سيترك انطباعاً سيئاً للغاية، فبن حي، ومن إحساسها بمهارتها، فهو في مكان ما في الأعلى.
بدا لها، على الأقل، أنه لا يزال خارج العالم، ولم يظهر صدفة في طابق آخر من المستشفى، لكن ذلك لم يهم، فسواء أكانت قد ألغت تفعيل المهارة لسبب ما، أم لأنه كان على مسافة بعيدة جداً وبات أقرب الآن بطريقة ما، أخبرها الأمر أنها لا تخدع نفسها، ومنحها تدفقاً من الطاقة طرد عنها شهر الشقاء، مما سمح لها بالعودة إلى العمل بارتياح مع مرور المزيد من الوقت، إلى أن حدث تغيير آخر مرة أخرى؛
فقد تحرك الاتجاه الذي تشير إليه المهارة، وبشكل ملحوظ أيضاً. احتمل الأمر بضعة تفسيرات، فهي تعلم أن الشياطين تملك نوعاً من شبكة البوابات الخاصة بها، وربما انتقل بن من كوكب إلى آخر وكانت هي تشعر بالالتواء فحسب، غير أن هناك احتمالاً آخر، إذ لعله عاد إلى العالم. تحركت فوراً بعد أن انتهت من الشخص الذي بين يديها، وأخبرت مدير المستشفى أنها مضطرة للذهاب وستعود لاحقاً، ثم ركضت نحو البوابة دون أن تلاحظ أن الأرواح من حولها قد تفاعلت هي الأخرى، فقد غاب عن وعيها كل شيء سوى وجهتها وهي تخترق شبكة البوابات، محاولة استشعار أيها يلامس مهارتها أكثر بينما كانت تجري عبر الحشود المالئة للمكان، لتعثر على منطقة تعرفها علم اليقين حين عبرت إلى أنائيليا، حيث قادتها مهارتها إلى منزل عائلتها.
كان مكاناً تتخيل تماماً أن بن سيقصده لأسباب شتى، وفي لهفتها للوصول إليه ولو بفانية ثانية، رفعت نفسها عن الأرض بقوتها وحلقت في الهواء، تاركة المانا الخام تدفعها هناك بينما بالكاد التقطت عينيها المنظر الغريب للبناء الجديد بجوار المبنى، مركزة بدلاً من ذلك على إحساس مهارتها وهو يهديها إلى الأرض، لتلمح بيناً مغطى بالدماء يرقد بين ذكري عمتها.
صرخت: "بن!"
وألقت بنفسها من السماء، وتشبثت به بينما صارع أي ألم يعتصره ليقترب ببطء ويمنحها ابتسامة.
"عذراً لتأخري قليلاً".
لم تكن تبتغي سوى ضمه بقوة، لكنها كبحت نفسها لتقدم المساعدة الممكنة، وتفرست فيه عبر فحص المانا لتجد جسده عبارة عن فوضى عارمة من إصابات لم تستوعب كيف يمكن تكبدها في الظروف العادية، ودماغاً يمسكه التماسك بفضل سحر عمتها وحدها، فقد كان جسده يعاد بناؤه عملياً بواسطة لوكس، وفعلت ثيرا كل ما بوسعها للمساعدة، والتزمت الصمت حتى أصبح في حالة أكثر استقراراً، واطمأنت أخيراً إلى أنه لن يموت، لتتحدث قائلة: "ماذا حدث؟"
أنَّ قائلاً: "آه، قصة طويلة، هل ننتظر وصول الزوجين الأخيرين قبل أن أرويها؟"
"الزوجين الأخيرين؟"
حين نطق بها أدركت للتو أنهما لم يكونا الثلاثة فحسب هناك، فقد بلغ بها التركيز عليه أن فاتتها تفاصيل بالغة الأهمية تمثلت في سبعة من أرواح العالم العظمى. انتري، سبعة؟ يضم العالم ثامنًا، حتى وإن كان نادراً أن تجتمع كلها في مكان واحد هكذا، فهذا يحدث من حين لآخر، لكن ما أثار تساؤلها لم يكن ذلك، بل إنها حين التفتت حولها، أخبرها كل عرق في كيانها أن إحداهن روح عظمى رغم أنها لا تعرفها، بينما انتظرت بقية أفراد عائلتها المحتشدون بصمت للحصول على تفسير، وبدا أنهم جميعا يصارعون أياً كان ما يقف معهم هناك.
لم يحصلوا على أي نوع من الإجابة إلا بعد وصول الاثنتين الأخيرتين، عمتها فيديفوس وعمها نوكس، روح الموت العظيم، وبدت على الاثنين صدمة غير معتادة، حين تكلم بن قائلًا: "حسنًا، باختصار شديد، بينما كنت مشغولا بكوني مجرد تحفة تحتفظ بها إحدى ملوك الشياطين، عثرت على هذا الـ... في الحقيقة أنا لا أحيط باسمه، فقد كنا في عجلة من أمرنا ولم أسأل، معذرة".
شرح والدها، وعيناه مسمرتان على من وجده بن: "ليس لديهم أسماء، لم نستخدمها قط في عالمنا القديم، فلم نكن بحاجة إليها، وما اخترناها لأنفسنا إلا بعد أن تورطنا أكثر مع الفانين طلباً للسهولة، لكن... انتظر يا بن، ماذا تقصد بكونك تحفة محتفظ بها؟"
"أولا، هل علم أي منكم أنني اختطفت وسحبت عبر البوابة؟"
كان تعبير أبروس إجابة كافية، لكن ثيرا تحدثت نيابة عنه.
"لا أعلم إن كان أي أحد يدرك حقاً ما حدث لك، أقصد أنني علمت ورآني قليلون، لكن أعتقد أن أي شخص آخر شهد الأمر افترض مرجحاً أنك ميت في ظل المعطيات، ولم يتسع الوقت للإبلاغ عن الإصابات، وعلى ذكر ذلك، يا فيديفوس، كفي عن التحديق فيمن يكون وساعدي بيناً فوراً!"
حتى وإن لم تكن تحب عمتها، فقد كانت أكثر من مستعدة لاستغلالها وهي ماثلة أمامها، وقد بلغت إصابات بن من السوء حدَّ أن جهودها مجتمعة مع جهود لوكس لم تحقق فارقاً سريعاً يرضيها، ولم تجادل روح الحياة العظمى، بل تصرفت بطاعة غريبة وهي تركع لمساعدته في العلاج، وهو ما أكد أكثر من أي شيء آخر حجم الأهمية وراء ما فعله بن ليجعلها تبدو على هذه الحال، وجاء الجواب حين تحدث مجدداً.
"حسنًا، لقد حدث الكثير، ولكن كبداية، يا ثيرا، تعرفي على فرد عائلتك المكتشف حديثاً، روح الفضاء العظمى".